الوصايا الأربعون

إخلاص النية

إن الهدف من ذكر هذه الوصايا المتسلسلة-الوصايا الأربعون- أن تكون لنا خطة، حول هذه العوالم التكاملية.. لأن البعض يحب أن يصل إلى درجة من درجات الكمال، ولكنه-مع الأسف- لا يعلم من أين يبدأ، وكيف يسير، وإلى أين ينتهي.. فمثله مثل من يريد أن يبني بنيانا بغير هندسة، فتراه تارة يشتري رملا، وأخرى حديدا، بلا تخطيط.. فهذا البنيان من الطبيعي أنه لا قوام له بالشكل المطلوب، ولو مع مرور الأيام في بذل الجهد، والعمل المتواصل.. لأن الذي يريد أن يقوم له بنيانا يوما ما ولو بعد جهد جهيد، فلابد أن يكون له هنالك، تخطيطا صحيحا متكاملا، ومتناولا لكافة الأبعاد.

فنحن في هذه الوصايا، سنحاول تلمس نقاطا، مستندة إلى الكتاب والسنة، في مجال السير والسلوك؛ لإنارة وتحذير الناس، من أي اتجاه سلوكي أخلاقي عرفاني دخيل، لا يستند إلى الأسس الشرعية الصحيحة.. فإن المزالق في هذا المجال كثيرة على طوال التاريخ؛ وذلك بسبب حب الناس الفطري للكمالات ولما وراء الطبيعة، فهذا يدعوهم إلى السير وراء كل شعار براق جذاب، حتى وإن كان لبعض الحركات والدعاوى الباطلة.

ونحن لا ندعي أننا نحن نعرف كل شيء، أو نحن أهل بما للكلمة من معنى.. ولكن نرجو بفضل الله تعالى أن يسددنا في هذه الحلقات، لما هو أهدى.

س1/ كيف نعرف دواعي الشرك الخفي؟..

إن الشرك قسمان: القسم الأول: الشرك الجلي.. وهذا لا كلام فيه، فالمشرك بالشرك الجلي خارج عن الإسلام.. فنحن كلامنا في هذه الحلقات ليس مع المسلمين فقط، بل مع خواص المؤمنين.. ونعتقد أن هذه الحلقات تعني طبقة خاصة، وهم خواص المؤمنين، الذين يتطلعون إلى ما وراء الحركات الظاهرية في الشريعة، وهو الجهاد الأكبر.

ولهذا فإن الحر العاملي صاحب (وسائل الشيعة)، كما تناول العبادات الظاهرية: الصلاة، والصوم، وغيره، أيضا أفرد جزءا من كتابه، بعنوان (باب جهاد النفس)، إشارة إلى ضرورة الجمع بين ظاهر الشريعة وباطنها.

والقسم الثاني: الشرك الخفي.. ومن المعلوم أنه آفة الخواص.. وهو بمعنى أن يلحظ السالك بعض المكاسب المعنوية.. وإن كانت هذه المكاسب أرقى من المكاسب الدنيوية، ولكنها ليست متصلة بالله تعالى.

مثلا: إن البعض يريد أن يتعبد، ليصل إلى مقامات روحية عالية، أو ليعطى بعض الكرامات والمشاهدات، أو تكون له بعض القوى الخفية.. بل حتى لو كان التطلع بحق، أي لهدف سام، كالبعض الذي يريد أن يتقرب إلى الله تعالى، ليكون مستجاب الدعوة، فيشفي المرضى مثلا.

إن الإنسان لابد -دائما وأبدا- أن تكون عينه على المولى تعالى، وعلى رضاه، وعلى ما يريده منه.. أما ما خاصية هذا العمل، وكم فيه من الأجر، وكم يعطى من الحور والقصور، وغيره من التفاصيل، لا ينبغي أن يشغل باله بها، فالمهم أن يكون لله تعالى عبدا، وأن يكون كله لله تعالى.

وإلا فإذا كان الهدف هي هذه الأمور، فإنه لا يؤمن من التراجع والانقلاب.. فالبعض يسير في هذا الطريق، وبعد فترة يقول: لقد قمت بصلاة الليل أربعين ليلة، وذهبت إلى الحج، وصمت شهر رمضان، ولم أر شيئا، فتضعف همته، ويتراجع عن هذا الطريق.

فينبغي أن نفرق في العبادات بين أن تكون الجوارح عابدة، وبين أن يكون الكيان كله عابدا.. فنحن لا نريد جوارح عابدة: عين لا تعصي، لسان لا يعصي… وإن كان هذا جميلا، ولكن الأجمل والأهم أن يكون الوجود لا يعصي، بمعنى أن يكون الإنسان بوجوده يرى الله تعالى، وأن يعيش محضرية رب العالمين.. فهذا المعنى الذي نشير إليه، ونريد أن نصل إليه-بفضله تعالى- بعيدا عن الشرك الخفي، وبعيدا عن كل حجاب يحول بين العبد وربه، ولو كان حجابا نوريا، كما يشير مولانا الأمير علي (ع): (إلهي!.. هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك؛ حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك).

س2/ هل الإحساس باللذة في العبادة ينافي الإخلاص؟..

بالمعنى الأولي: إن العبادة طبيعيا لها لذة، والإحساس باللذة في العبادة أمر طبيعي.. فالذي يأكل الحلوى يلتلذ بأكل الحلوى، لأن هذه طبيعة الحلوى.. ولكن هناك فرق بين أن يكون الإنسان يلتلذ بالعبادة كأثر قهري؛ وبين أن يقصد هذه اللذة ويطلبها، بحيث أنها تتحول إلى حجاب ومقصود دون الله تعالى.

ولتقريب الفكرة نذكر هذا المثال المتعارف في الفقه:

لو أن إنسانا في فصل الصيف توضأ، وكانت نيته ليستبرد جسمه بالماء، فإن هذا خلاف الإخلاص المشترط لصحة الوضوء.. ولكنه لو توضأ وهو يعلم أن جسمه سوف يستبرد بهذا الماء، فهنا لا إشكال.

وعليه، نحن علينا أن يكون همنا وهدفنا العبودية، وأما هذه اللذائذ فإنها تأتي تلقائيا، فلا ينبغي أن نسعى إليها ونهدفها.

ومن هنا فإن العبد المؤمن إذا قام لصلاة الليل، وأدى ما عليه من الوقفة المطلوبة، فسواء استشعر الخشوع أو لم يستشعر، فلا فرق عنده؛ فهو أدى ما عليه، والخشوع ليس من شؤونه.. فالصلاة الخاشعة ليست بهدف، إنما الهدف أن نحاول الخشوع؛ فإذا جاء الخشوع، فهذا بفضله ومنه وكرمه تعالى؛ وإذا ما جاء، فالعبد ما قصر في واجبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى