الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

كيف نعيد الأمل فى الحياة من جديد ؟

إن من أهم أمراض العصر : ( الاكتئاب المرحلي ، والمزمن ) نتيجة لليأس المتكرر في تحقيق الأهداف في الحياة .. إذ من المعلوم أن الإنسان لا يصل إلا إلى جزء يسير من طموحاته .. وعليه ، ففي كل خيبة أمل يصاب بنكسة قهرية ، وما يصاحبها من الأمراض النفسية والبدنية، نتيجة لذلك …

إن الحل لا يكمن في أن نحقق كل طموحاتنا في الحياة ، فإن هذا لم يتسنى لأحد من الخلق – اذ حتى الانبياء لم يحققوا طموحاتهم فى الدعوة – بل الحل أن نتعلم كيف نتجاوز مشكلة الإخفاق والفشل في الحياة ، بأقل خسائر ممكنة.. وهذا يحتاج الى ثقافة خاصة في هذا المجال .

إن اليأس يكون تارة بالنسبة إلى : ( عناصر الحياة ) ، وتارة يكون بالنسبة إلى ( رحمة الله تعالى ) .. والأول يفقد الإنسان سعادته الفانية ، والآخر يفقد الإنسان سعادته الدائمة .. وقد عدّ علماؤنا اليأس من رحمة الله بأنه من الكبائر الموبقة .. وعليه ، فلا بد من التخلص من هذه المشكلة بشقيها ، لأن الإنسان يحتاج إلى الراحة في الدارين .

من موجبات اليأس الدنيوي : الاصطدام بأولى عقبة في الحياة .. فالذي لا يتمتع بصدر رحب لمواجهة المشاكل ، وقدرة على استيعاب الأزمات ، ينسحب إلى الوراء في أول أزمة .. ولا يحاول اقتحام ساحة الحياة في جولة ثانية ، وهذه من إفرازات البيئة المترفة التي تُـعوّد الإنسان على الإتكالية ، وتلبية ما يريد .

من موجبات اليأس أيضا : مواجهة الأشخاص الذين يسببون حالة من الإرباك ، ولو كان الطرف المقابل بريئا لا يستحق ذلك.. فإن الإنسان لا ينبغي أن يكون مثاليا وخياليا في نظرته للوجود ، والإفراد .. فقد قال رسول الله (ص) : ( مازلت أنا ومن كان قبلي من النبيين والمؤمنين مبتلين بمن يؤذينا ، ولو كان المؤمن على رأس جبل لقيض الله عز وجل له من يؤذيه، ليؤجره على ذلك ).. وها هم الأنبياء – وهم قمة الخلق – لم يسلموا من كلام المخلوقين ، وتهمهم الباطلة.. وعليه ، فليس الحل هو الفرار من الخلق ، وإنما الثبات أمامهم .. فإن الذي ينفع هو الذي يمكث في الأرض.

من موجبات اليأس أيضا : الاصرار على اسلوب ومنهج واحدٍ في الحياة .. فالمطلوب من العاقل ، أن يغير أساليبه الحياتية وفقا للمتغيرات .. فليس اسلوب الشدة أو اللين ناجحين دائما ، بل لا بد من استعمال كل اسلوب في موضعه..وعليه ، فإذا أخطأ الانسان في ذلك ، فإنه سيواجه نقمة الاخرين ، وعدم تجاوبهم ، وهذا بدوره يستلزم اليأس من التأثير على الغير، بل التفاهم معهم.

من موجبات اليأس هو الاعتماد على الآخرين في كل صغيرة وكبيرة ، والاهتمام برضاهم ، ولو على أساس باطل .. فالذي يهتم برضا الآخرين ، وحب قلوب الخلق ، فإنه سيصطدم بحقيقة عدم وفاء الخلق له !.. فتراه يأتيه الضرر ممن كان يركن إليه ، وفي ذلك درس عملي من رب العالمين ، بعدم الركون إلى أحد سواه تعالى .

وأما اليأس من رحمة الله تعالى – وهو الشق المهم من حديثنا هنا – فنقول فيه : إن العبد إذا وصل إلى هذه المرحلة الخطيرة ، فإنه سيفقد القدرة على تغيير أي شيء في حياته ، وهو ما يتمناه إبليس الذي يريد أن يبقى العبد في دائرة المعاصي إلى آخر عمره.. ومن هنا قال القرآن الكريم : { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}.

لا ينبغي أن ننكر حقيقة أن هنالك ظروفا يمر بها الانسان بشكل ضاغط ، ينجرف فيها نحو المعصية مثل : مرحلة المراهقة ، وإستيلاء ساعة الشهوة والغضب ، والعيش في بلاد الكفر والفساد ، والإحاطة الاجبارية برفاق السوء .. ومن المعلوم أن هذه الأمور مما توجب سرعة الاستجابة الإلهية عند طلب التوبة ، إذ للعبد عذره .. ولكن بشرط عدم التمادي في المنكر على أمل التوبة اللاحقة .

من المعروف أن التائب الحقيقي عندما يعود الى الله تعالى ، يكون سريعا في الحركة إليه ، إذ إحساسه بالماضي المظلم ، دافع له لتسجيل مستقبل مشرق ، للتعويض عما فاته في أيام جاهليته .. ومن المعروف أن تجاوز المعصية في مرحلة من المراحل ، يعطي صاحبها القوة لتجاوز المعاصي في المراحل التالية ، لانه نجح في مخالفة دواعي الغريزة والهوى .. وهذا هو الحل الجامع عند الميل إلى كل معصية.

إن مراجعة سريعة لروايات التوبة ، تجعل الانسان يذهل عندما يرى شوق رب العالمين إلى توبة العصاة من خلقه !.. وهو الذي لا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا معصية من خالفه.. وإليك نموذجا من تلك الاحاديث : ( يا داود !.. لو يعلم المدبرون عني ، كيف انتظاري لهم ، ورفقي بهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم ، لماتوا شوقا إلي ، وتقطعت اوصالهم من محبتي)!.

إن من الخطأ معاملة أهل المعاصي الذين تابوا إلى الله تعالى توبة نصوحة ، معاملة فيها شيء من الازدراء والتنقيص باعتبار الماضي .. إذ من المعلوم ان الاسلام يجُـبّ ( يمحو ) ما قبله ، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وأنه لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الاصرار ..

إن الذي يعود الى المعصية بعد كل وجبة من التوبة ، يُـعـدّ مستهزأ بنفسه ، وبربه .. ولا يوفق للتوبة بعدها أبدا ، لأنه يصل الى مرحلة ( الختم على القلب ).. فيصبح مَـثـَـله كمثل انسان ، تورط في المستنقع الذي لا يمكنه الخروج منه .. ومع ذلك علينا أن لا نعـقــّـد التوبة على العاصين .. إذ تكفي الندامة الفعلية ، والعزم على عدم العود ، وإرجاع حقوق العباد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى