الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

كيف تقضي على الشيطان في حياتك ؟

إن الحديث عن الشيطان من المسائل المهمة، التي نبتلى بها جميعاً، والتي ينبغي أن تطرح بشكل دوري ولو في السنة مرة واحدة على الأقل؛ تذكيراً لعداوة هذا الوجود وكيفية التعامل معه.

إن القران الكريم تناول في أكثر من ستين آية مسألة الشيطان بتأكيد وتحذير، قل نظيره في القرآن الكريم.. فمهما ذكرنا من كلام وتحدثنا في هذا المجال، فإن هناك مجالا خصبا للحديث، بعد أن رأينا أن أكثر من ستين آية في القرآن الكريم تتناول مسألة الشيطان من زوايا مختلقة.

عناصر القوة في هذا العدو:

إن مسألة مواجهة كيد الشيطان من أعقد مسائل المواجهة، وذلك لأن هذا العدو اللدود، يجمع بين (خاءات) ثلاث: الخفاء، والخبث، والخبرة.. فمن ناحية أن المعركة معركة غير متكافئة.. لو أن هنالك جيشاً كبيراً، وفي مقابل هذا الجيش كتيبة صغيرة مسلحة، ولكن أصحابها لا يُرون بالعين المجردة، فإنه لا يختلف اثنان أنهم في لحظات بسيطة بإمكانهم القضاء على ذلك الجيش بعدته وبعدده.. ومن هنا، فإن الله عزوجل حذرنا من هذا العدو حيث يقول تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}..

ومن ناحية أخرى أنه يمتلك الخبث.. إنه عدو لدود، ويعيش الحسد وحب الانتقام من بني آدم، لأنه السبب في شقائه الأبدي.. فهو خبيث جداً.. ويكفي في خبثه، أنه تمرد على أمر الله عزوجل، في حين لم يكلفه الخروج من هذا الشقاء الأبدي إلا السجود لآدم لحظات!..

ومن ناحية أخرى أن له تلك الخبرة العريقة- خبرة آلاف السنين- في عملية الإغواء، والتي شملت -منذ أن خلق آدم- الأنبياء والمرسلين، والأوصياء والصالحين والمؤمنين طوال التاريخ.. فالشيطان كم رأى من العينات في عالم الخلقة، ممن تستهويهم النساء، أو الأموال، أو الشهرة، أو الجاه والثناء!.. فهو رأى أشكالاً متعددة من الخلق، ونحن مهما بلغنا، فإننا نعد ضمن هذه الزمرة، فالإنسان هذه الأيام نقاط ضعفه معروفة.. وعليه، فإن علينا أن نعي هذه العداوة، فالمسألة ليست بسيطة!..

تصوير القرآن الكريم لكيد الشيطان اللعين:

إنه لمن المناسب أن نقف مع بعض الآيات -القرآن الكريم كلام رب العالمين، فهو الذي خلق إبليس، وناصيته بيده، والأعلم به-، لننظر كيف يعرف القرآن الكريم الشيطان من خلال الآيات المختلفة:

– قال تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}.. أي أنت قد أذن لك أن تتصرف بخيلك ورجلك.. ومن المعلوم أن الخيل في الجيش هم تلك الطبقة التي تركب الخيول، أو كما في هذه الأيام المتمثلة بالدبابات والمدرعات.. ورجلك: الراجل هو الإنسان الذي يقاتل من دون دابة، أي يمشي على رجليه.. ومن الملاحظ أن الذي يقاتل على الفرس أنه سريع الحركة.. بينما الذي يقاتل على رجليه فإنه يقاتل بهدوء، وبتأنٍ، كما يقال في الحروب: الحرب بالسلاح البارد.. أي أن للشيطان نوعين من الحركة: فتارة يتعامل مع الإنسان بحركة سريعة.. فمثلاً: عندما تصاب بضعف في حب النساء، أو حب المال أو ما شابه ذلك؛ فإنه يطعنك طعنة مباشرة قاتلة، كهجوم المدرعات.. وتارة له نفس طويل معك، فهو لا يريد منك أن تسقط اليوم، وإنما يحاربك محاربة الراجل، أي المقاتل القناص الذي يذهب من مكان إلى مكان؛ لكي يرديك قتيلاً.. إذن، هذه حرب قائمة، ولابد أن نعلم عناصر هذه الحرب.

– قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}.. إن القرآن الكريم -محذراً لنا- يفضح سبيلاً من سبل الشيطان، وهو أن للشيطان خطوات.. إذ أنه لخبرته ودهائه، لا يجر الإنسان إلى المعصية بضربة واحدة؛ لعلمه بعدم الانقياد له في المحرمات الكبيرة، ولكنها الخطوات المدروسة التي يتورط بها العبد، منتقلاً من معصية إلى معصية.. ولو نظرنا إلى أصحاب الجرائم الكبرى في مجال الشهوات أو السرقات أو الخيانات، فإننا نلاحظ بأن الأمور تدريجية.. ومن هنا ينبغي على الآباء الاهتمام بتربية الطفل ومراقبة سلوكياته، فإن هذا الحدث إذا سرق اليوم من والده درهماً من جيبه، واشترى به حلاوة، فإنه غداً سيسرق الدرهم من غير أبويه، من صديقه مثلاً، وثم يتدرج في عالم السرقات، إلى أن يصبح من الذين تطاردهم أجهزة الشرطة الدولية لاختلاسه الملايين!.. فعلينا أن ننتبه أن الحرام الكبير يبدأ من الحرام الصغير.. ومثاله التطبيقي في عالم هوى النساء: هو الابتداء بالنظرة، ثم الابتسامة، والسلام، والكلام، والموعد، واللقاء حيث الارتماء في أحضان الشيطان المنتقم، وإن كان ظاهره هو الارتماء في أحضان بنات الهوى!.. فإذن، علينا ألا نستهين بمقدمات الحرام، فإن للشيطان خطواته كما قلنا.

– قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.. يذكر القرآن الكريم عينة مخيفة من الذين استحوذ عليهم الشيطان، وهو ذلك الذي آتاه الله تعالى من آياته، ولكنه لم يقدر هذه النعمة، فانسلخ منها.. وقد فسرت الآيات -كما في تفسير الميزان- بأنه: (تلبس من الآيات الأنفسية والكرامات الخاصة الباطنية، بما يتنور به طريق معرفة الله).. فيا لها من عاقبة مخيفة!.. ثم إن الله عزوجل في عتاب بليغ يشير أنه لو شاء لرفعه به، أي أعطاه المواد الخام المتميزة، المواد التي بها يمكن أن يرتفع إلى ملكوت السماوات.. ولكنه أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، وانسلخ مما كان فيه، ليتحول إلى صاحب سجية لا تتغير، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.. إنك ترى الكلب دائماً يلهث لهاثاً، فسواء هجمت عليه أو تركته، فهذه الحركة في لسان الكلب هي ديدنه، فلا ينفع معه شيء.. أو ليس في ذلك منتهى التحذير، لعدم الركون إلى ما عليه الإنسان من الصلاح والسداد؟!.. فإن الأيام هي التي تكشف عن ثبات الجوهر، ومدى أصالته.

إن هذا الإنسان جعله الله تعالى مثلاً للذين بلغوا قمة الانحراف من الخواص، التي تجعل المؤمن المتفوق في إيمانه، يعيش أعلى درجات الخوف والوجل، عندما يستحضر هذه العينة المخيفة التي استحوذ عليها الشيطان.. وهناك في حياة الأئمة أئمة أهل البيت (ع) فصل بعنوان: (الذين انحرفوا عن الإمام).. كالواقفية الذين وقفوا على الإمام موسى بن جعفر (ع)، ليأكلوا أمواله، منكرين إمامة الرضا (ع).. وكذلك كالذين صدرت في حقهم توقيعات اللعن من صاحب الأمر (ع) في زمان الغيبة.. وعليه، لا ينبغي أن يركن الإنسان لماضيه ولا لحاضره، فإن الأمر مخيف جداً!.. وفي آية أخرى يقول تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.. إذ نلاحظ كلمات نفي مطلقة.. المؤمن دائماً يده على قلبه، لا يدري من أين يؤكل، لا يدري في أي بحر يغرق؟.. في اللحظات الأخيرة من حياته يخشى أن تسلب منه نعمة الإيمان، وقد لاحظنا كم من الذين لم يلهج لسانهم بذكر الشهادتين في اللحظات الأخيرة من حياتهم!..

– قال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا}.. إن من المخيف حقاً اصطلاح شركة الشيطان في مال البعض وأولادهم!.. ومن الواضح أن الشريك إذا اشترك معك في التجارة -فمثلاً: اشترك معك في سلعة، أو في عمارة-، ولو نسبة واحد بالمئة، فإن له حق التصرف، في النسبة التي اشترك بها.. وهكذا فإن الولد والمال الذي اشترك فيه الشيطان، فإن الشيطان يطالب بسهمه في الشركة دائماً، وخاصة أنه موجود خبيث وحريص.

وقد فسر علماء التفسير الشراكة في الأموال والأولاد بطائفتين:

الأولى: أولاد الزنا الذين انعقدت نطفهم، في جو شيطاني من الهوى والرذيلة.. ولد الزنا -نعوذ بالله- يغريك في أن تفعل الفاحشة، وإذا ثمرة لحظات من الاستمتاع الزائل، ولد يعيش المرارة، وقد يلعن أبويه الذين كانا سبباً لنشوئه هذه النشأة المشؤومة.. صحيح، هو يدخل الجنة بالعمل الصالح، ولكن هذا الشرخ النفسي، إذ يرى أنه ولد من نطفة غير سليمة، وخاصة إذا لم يعرف أباه، حيث عمل الفاحشة وهرب، وإذا به يبحث في الناس أين أبي، فلا يعلم له أباً في المجتمع.

والثانية: أولاد الحلال الذين لم يحسن الآباء تربيتهم، فكانوا كالطائفة الأولى ممن أصبح للشيطان سهم فيهم!.. نعم، تزوجت بعقد شرعي، وسميت باسم الله عندما أردت أن تغشى زوجتك، ولكن التربية فاسدة، وإذا به يصبح في رتبة ولد الزنا، في أنه شرك شيطان، فالشيطان يلعب به يميناً وشمالاً!..

– قال تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً}.. نلاحظ أن القرآن الكريم في آيات مختلفة يبالغ مبالغة صحيحة في التخويف من الشيطان، وفي هذه الآية يعبر عنه بـ{لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ}.. فما معنى قوله هذا؟..

لقد فسر بمعنيين: الأول: قالوا: جاء الجراد وأحتنك الزرع، أي استأصله من أصله، ولم يبق منه شيئاً.. والثاني: أي وضع اللجام في حنكه الأسفل، ليقوده قود البهائم حيثما يشاء!.. فيا له من تحقير عظيم لمن ركبه الشيطان، فاتخذه مطية يحركه بإشارة -لا بجهد جهيد- نحو اليمين ونحو الشمال!.. أوَ هل هناك تحقير أعظم من ذلك؟!.. أي أن بعض بني آدم مثله كمثل الحمار، الذي وضع لجام في فمه، فالشيطان لا يحتاج أن يأمره ويستفزه بصوته، بل بإشارات.. فالحبل بيده، ولو أراد أن يخرج من سلطانه، سحب حبله قليلاً قليلاً، وإذا به رجع من جادة الهدى إلى جادة الشر!..

إن الإنسان الذي يرتكب الفحشاء -ولو للحظات- ثم يرجع بعد ذلك مستقيماً؛ هذا العمل يجعله يحترق صباحاً ومساءً، ولا يُعلم إلى متى وهو يعيش هذه الحالة!.. ومن المعلوم أن الشيطان يستغل هذه الكسور التي لا تُجبر، فيجعل الإنسان يعيش حالة اليأس من رحمة الله تعالى، ولا يفكر في الكمال.. وهذا خطأ.. نعم الإسلام يجُبّ ما قبله، ولكن الشيطان يوقعك في مستنقع، وبعض الأوقات تخرج من المستنقع، ولكن نتن هذا المستنقع يبقى في أنفك إلى آخر العمر!..

– قال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}.. إن القرآن الكريم يشير بأن منشأ الخلاف الزوجي أو العائلي أو الاجتماعي، هو الكلام، فالخلاف يبدأ بالكلمات، ومن هنا ينبغي للإنسان أن يدرس هذه الكلمات، ويفكر فيما يقول؛ لئلا يقع في ذلك.. ولقد لاحظنا في قصة يوسف (ع) كيف أن الشيطان أوقع بينه وبين إخوته، وقال تعالى على لسان يوسف (ع): {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}، مع أنهم أبناء نبي، ومع أن يوسف (ع) كان صبياً في منتهى الجمال، حيث أعطي شطر الجمال.. وإذا بالإخوة يأخذون هذا الصبي، ويفكرون في كيفية قتله، هل يخنق، أو يقطع رأسه، إلى أن اتفقوا على أن يلقوه في غيابات الجب!.. فإذا كان هكذا دور الشيطان في تفريق الأخوة والأرحام مع أولاد الأنبياء، فكيف بنا نحن الضعفاء والمساكين؟!..

– قال تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}.. ينقل لنا القرآن الكريم أول تجربة إغواء للشيطان، أول محاولة لإظهار كيده وحسده وخبثه، وهي تكشف مدى خبرته ومقدرته على ذلك.. فعندما أراد أن يغوي آدم، فإنه دخل له من الزاوية التي يحبها، لعلمه أن آدم موجود رباني ملكوتي، فقال له: ألا تحب أن تكون ملكاً؟.. ألا تخاف أن تطرد من هذه الجنة الجميلة؟.. لماذا لا تأكل من هذه الشجرة لتكون من الخالدين؟.. ولكل منا موجته التي يمكن أن يدخل من خلالها الشيطان.. فإذن، لا ينبغي أن نركن إلى أمر من الأمور، وهو الذي يعلم كيف يدخل في قلب بني آدم!..

– قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.. إن للشيطان على الأرض مواطن يجول فيها ويصول، ومنها: الأسواق، ومن هنا ورد أن: (أبغض البلاد إلى الله أسواقها).. والإنسان المؤمن يجلّ نفسه من دخول هذه الأماكن، وإن اضطر إلى الذهاب إلى السوق -وخاصة بعض الأسواق في بعض البلاد-؛ فعليه أن يتدرع بأقوى الأسلحة قبل النزول إلى تلك المواطن؛ لئلا تطمع فيه الشياطين، فعليه بالمعوذات الأربعة، وبمراقبة النفس والعين والنظر والسمع والقلب والفؤاد.. وكيف تدخل زوجتك وبناتك في مثل هذه البيئ، التي يمكن أن يركبها الشيطان في فعل معين؟!.. فإن الأسواق من مظان الشياطين.

وليعلم أن من تلك المواطن أيضاً: مجالس الغافلين المسترسلين في الباطل، الذين قال عنهم القرآن الكريم: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.. فلا تأنس بهؤلاء.. وخاصة في مجال العمل، فإن كنت ملزماً بمعاشرة قوم لا تمت إليهم بصلة، فإياك أن تأنس معهم بكل وجودك!.. لا تعطهم كل أسرارك، ولا تدعوهم إلى بيتك، ولا تذهب إلى بيوتهم، ولا تسافر معهم.. فإن هؤلاء الذين ينسونك ذكر الله عزوجل، أعداؤك.. فما شغلك بأعداء الله عزوجل؟.. ولو أنك كنت ملزماً بمعاشرتهم في دوام أو ما شابه ذلك، فعليك أن تكون حذراً، فإذا أنست بأحاديثهم، فقد وقعت في فخ الشيطان.. الموظف المسكين ملزم بأن يداوم يومياً في غرفة مع موظف، ولم يبقَ كلام إلا وقد تكلم معه، وهو على هذه الحال لسنوات طويلة، يتكلمون في كل ما هب ودب؛ فإنه من الطبيعي الذي يعاشر هكذا إنسان لابد وأن يقسو قلبه.

– قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}.. لابد لنا من التعرف على أدوات الشيطان.. فالقرآن الكريم في هذه الآية يذكر لنا الخمر والميسر مثالاً على بعض أدوات الشيطان الرجيم، التي يستخدمها لإيقاع بني آدم في فخه، ولكل عصر خمره وميسره.. كما في قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ}، فهل يعني ذلك أننا في هذا العصر نجعل جيوشنا مجهزة برباط الخيل؟.. إن هذا مثال لما يناسب ذلك العصر، وأما الذي يناسب الآن: فالصواريخ، والأسلحة النووية، وما شابه ذلك.. وكذلك بالنسبة للشيطان، فإن له أدوات: منها أدوات متعارفة إلى يومنا هذا، كالتي ذكرت في الآية: الخمر والميسر، وبعض أدوات الجاهلية.. ومنها ما نحن فيه هذه الأيام من القنوات والفضائيات والنت وما شابه ذلك.. فعلى الإنسان أن يتعرف على أدوات الشيطان؛ لئلا يقع في الفخ.. فإذا كانت المباراة، أو إذا كانت مشاهدة لعبة من هذه الألعاب المتعارفة، تلهيك عن الصلاة، فإن هذا خمر، وميسر، ورجس؛ لأنه صدك عن ذكر الله عزوجل.. فما دام شغلك عن الله، فهو قمارك، وهو خمرك، وإن كان على شكل مسلسل، أو جريدة، أو كتاب.. فإذن، علينا أن ننتبه لأدوات المعصية في حياتنا اليومية.

– قال تعالى: {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا}.. إن القرآن الكريم يشير إلى طائفة من الناس، ليسوا أتباعاً للشيطان، وإنما هؤلاء لهم عقد الأخوة، هؤلاء اقترن بهم الشيطان.. البعض يرسم صوراً متخيلة عن كيد الشيطان، فيرسم -مثلاً- إنساناً يمشي وعلى ظهره شيطان يسوقه سوقاً؛ أو إنساناً نائماً وبجانبه شيطان واضعاً يده على صدره، ويقول له: نم الآن، لا زال هناك مجال لصلاة الصبح.. ولك أن تتصور هذه الحالة -التي تشير إليها هذه الآية الكريمة-: إن بعض الناس يمشي، وهناك ظل أسود قبيح خلفه، وهو ممسك بكتفيه يحركه يميناً وشمالاً.. أهكذا إنسان يعاشر؟!.. أهكذا امرأة تُلمس؟!.. أهكذا امرأة يمكن أن تغريك، وأنت ترى خلفها ذلك الظل الموحش الذي لا يزيدها إلا قبحاً؟!..

– قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}.. وفي هذه الآية إشارة إلى أن من آثار التعامل مع الشيطان، أن الإنسان يصل إلى درجة يصبح كالمجنون لا عقل له!.. إنسان جالس في إحدى فروع البنوك الفخمة، مستلقٍ على كرسي وثير، وهو يحتسي شراب القهوة، ويوقع على معاملة تخول له مليون دينار من القروض الربوية المحرمة، وهو يقهقه أنه اليوم أخذ هذا القرض العظيم بتسهيلات مضاعفة.. والحقيقة أن هؤلاء بصريح القرآن الكريم مجانين!.. هؤلاء عقلاء بحسب الظاهر، ولكن بحسب الباطن الشيطان يلعب بهم كما يلعب بإنسان خبيث، بإنسان سلب عقله!..

– قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.. إن من أساليب الشيطان أن له حالة من حالات التلقين الغريب والوسوسة، لصد الإنسان عن طريق الخير، ولهذا يقول تعالى في سورة الناس: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}.. وخاصة في ساعة من ساعات الضعف وقلة التقوى، فإنه يستغل هذه الحالة، فتلاحظ أن هنالك صياحا في الباطن، كأن أحداً يتكلم معك، ويحثك على فعل الحرام: افعل كذا!.. إذهب إلى المكان الفلاني!.. الآن جوف الليل افتح القناة، أو افتح الخط وانظر إلى ما تشاء، ثم استغفر في آخر الليل بركعتين من صلاة التوبة، وغسل التوبة.. ترى حديثاً في الباطن.. وهذا الكلام ليس كلاماً تخيلياً، فقد روي عن النبي (ص): (إنَّ العبد إذا اشتغل بالصلاة، جاء الشيطان وقال له: اذكر كذا اذكر كذا؛ حتى يضلّ الرجل أن يدري كم صلّى)!.. فإذا وقف للصلاة يأتيه بكل فكرة سخيفة ومشوشة له، فمثلاً: مشكلة قبل عشر سنوات، أو في الأمس تعارك مع زوجته واصطلحا، وإذا به في الصلاة يذكره بتلك المشكلة.

وإذا أراد أن ينفق من ماله في سبيل الله، أو يدفع ما عليه من الحقوق الشرعية، فإنه يأتي ويوسوس له، ويخوفه من الفقر.. وقد فضح الله تعالى لنا خطته في قوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء}، ولكن قلّ من ينتبه لذلك!.. فمثلاً: هناك إنسان تكلمت معه وأقنعته بلزوم الخمس، وأنه لا حق له في هذا المال، فهذا مال الله عزوجل.. فهل الشريك عندما يأخذ مال الشركة، ويعطيه لشريكه يمدح على عمله كثيراً؟.. هو يُمدح أنه إنسان منضبط، ولكن لا إيثار، ولا تفضل في البين.. فالذي يدفع حق الإمام وحق السادة، فإن هذا حقهم يخرج من ماله، بنص الآية الكريمة: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ}.. وفي اللحظات الأخيرة يقتنع، ويريد أن يدفع ما عليه من حقوق شرعية، وإذا به يتقاعس، ويقول: غداً إن شاء الله أعطيك المال!..

ومن هنا النصيحة للذين يريدون أن يجمعوا التبرعات من المؤمنين، أنه إذا المؤمن وعدك بشيء، فخذ منه حالاً، وإلا لو أمهلته إلى غد، فإن الشيطان يلعب في عقله، ويعده الفقر.. ومن هنا ترى البعض لا يكفيه الأربعة أخماس الحلال، ويفكر في سهم هذا السيد الفقير، ويفكر في سهم صاحب الأمر (ع).. وهو يبكي بين يدي الله عزوجل: اللهم عجل في فرج وليك!.. ألا تعلم أنه إذا جاء الولي، فأنت أول من يجعلك في القفص!.. يقول: يا ربي، إن هذا إنسان أكل مالي لمدة عشرين أو ثلاثين أو خمسين سنة، وأنا إمام العصر، حاكموه وحاسبوه.. إذن أي دعاء بالفرج؟!.. لماذا تتمنى الفرج، وأنت لا تعلم ما الذي سيحصل بعد الفرج؟!..

– قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.. إن الإنسان عندما يتبع خطوات الشيطان؛ فإنه يدخل في حزب الشيطان.. أو تعلم ما هي الحركة الحزبية؟.. الأحزاب عبارة عن تكتل، جماعة تجمعهم فكرة واحدة، سواء صالحة أو غير صالحة، ويحققون هدفاً في المجتمع.. فالإنسان الذي يروج أدوات المنكر، بأن يفتح محلاً يبيع فيه الأشرطة المسموعة والمرئية؛ فإنه بهذا العمل يروج الفحشاء.. أنت عندما ترتكب مثل هذا الحرام، فقد دخلت في حزب الشيطان.. وعندما يقال يوم القيامة: في سنة ألفين واثنين، انحرف كذا مليون بشر من فعل الشيطان وحزبه، فأنت من ضمنهم.. شاركت في موقف، أو شاركت في كلمة، أو شاركت في عمل من أعمال المنكر؛ وإذا بك أصبحت في هذه الزمرة الخبيثة!..

الخطوات التطبيقية لمواجهة عداوة الشيطان:

إن الذي قلناه بمجموعه، لا ينبغي أن يوجب اليأس أبداً.. وإنما ذكرنا هذا الجو الموحش لأمور:

أولاً: استشعار حالة العداوة.. ليسعَ الإنسان أن يلقن نفسه عداوة هذا الموجود، الذي لا يترك الإنسان بحال ولو تركه الإنسان.. إن الله تعالى في قوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} يعرض لنا بياناً مؤكداً لعدواة الشيطان، فهل نحن نعيش هذه العداوة؟..

ثانياً: اكتشاف مواطن تكالب الشيطان.. ليستكشفْ الإنسان مواطن الضعف في نفسه، إذ أن لكل إنسان نقطة ضعف ينفذ من خلالها الشيطان، ومن تلك المنافذ: النساء، والغضب، والمال، والشهرة.. إن البعض لهم مقاومة غريبة أمام جنس النساء، ولقد تعرضوا لمواقف تشبه مواقف يوسف الصديق (ع)، وخرجوا منها بغير أي معاناة أو مجاهدة.. ولكنه في المال يسقط، فتطلب منه الخمس لا يعطي، أو عندما يغضب على زوجته وأهله؛ فإنه يفعل الأعاجيب!.. نعم، لكل إنسان ثغرته، وليس الأمر محصورا في النساء فحسب!.. فإذن، علينا أن نكتشف من أين يؤكل الإنسان.. وفي مضمون بعض الروايات إشارة إلى أن المؤمن لا يخلو من حدة.. ورأينا أنه يغلب على أجواء المؤمنين حالة الحدة والعصبية في المزاج، وهذا هو مدخل الشيطان في أغلب المؤمنين.

ثالثاً: الانتباه لساعات الضعف.. هنالك بعض المزالق المعروفة في حياة الإنسان، كأيام المراهقة، أو في الأسواق، أو في السفر، أو في غياب الزوجة، أو في الصفقات المغرية.. فينبغي تشديد المراقبة في مثل هذه الحالات؛ لئلا يقع في المحظور.

رابعاً: التدارك السريع.. إن المؤمن لو زل به الشيطان؛ فإن عليه أن لا ييأس من روح الله عزوجل، ويبادر بالتوبة.. فإن اليأس أيضاً من حبائل الشيطان، ليوقعه في المزيد من شباكه.. قال تعالى في وصف المتقين: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.. وقال الصادق (ع): (إنّ الله يحبّ المفتّن التواب).. وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

خامساً: الالتجاء الجاد إلى الله تعالى.. ليلتجئ الإنسان إلى الله عزوجل أيما التجاء، فإن الشيطان لم يخرج من دائرة العبودية التكوينية له، إذ ناصيته بيده على كفره وعناده، ولو شاء لأبعده عن وليه.. فليكثر من الاستعاذات اليومية بعد صلاة الفجر، وبشيء من الاستغاثة والالتجاء الإجمالي: (أعيذ نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي وإخواني في ديني، وما رزقني ربي، وخواتيم عملي، ومن يعنيني أمره، بالله الواحد الأحد الصمد… وبرب الفلق… وبرب الناس…).. نعم، في كل صباح اجعل نفسك في درع الله الحصينة، لا لقلقة لسان، وإنما التجاء حقيقة.. عندما يذهب الإنسان في بعض السفرات، ويقال له: أن هنالك حاجزاً في الطريق يمكن أن يوقفك، ويُسائلك، وقد يفتش سيارتك، ويمكن أن يمنعك من السفر؛ فعندها الجميع يستعيذ بالله عزوجل بالمعوذات، وآية الكرسي، وآية {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}، في حالة من الالتجاء؛ لأنه يعلم أن هناك حاجزاً مزعجاً مخيفاً.. نعم، في كل يوم أنت تواجه هذه الحواجز المخيفة.. فقبل أن تقترب من ذلك الحاجز، عليك بالالتجاء إلى الله عزوجل.

فهذه أم مريم -هذه المرأة العظيمة- نذرت أن تجعل ما في بطنها محرراً لله عزوجل ، فتقبله الله عزوجل منها بقبول حسن، وأنبت مريم نباتاً حسنا.. ونلاحظ أنه أول ما ولدت مريم قالت: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.. امرأة ليست نبية ولا وصية، ولكنها تعلم أن مريم مولود مبارك، ولكن بشرط وجود المقتضي وانتفاء المانع، والمانع هو رجس الشيطان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى