الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

هل من سبيل للعوده إلى الذات ؟

ان من المناسب جدا ان نجعل هذا الشهر الكريم بداية لسنة روحية جديدة .. فإن مجموع الغفلات ، والشهوات ، طوال السنة الماضية جعلت الخطايا والذنوب تتراكم الى درجة تجعل الانسان في بعض الحالات غارقا تحت ركام كبير من الحجب الظلمانية ، والتي تحتاج الى ثورة باطنية عارمة لقلب الوضع رأسا على عقب .. وهذا الامر لا يتسنى إلا بمعونة الهية ، وهذه المعونة تتجلى في اعظم صورها في هذا الشهر الكريم ، حيث الشياطين مغلولة ، وابواب الجنة مفتحة ..

اننا في احاديثنا اكدنا على حقيقة جوهرية ، ونؤكد عليها الان ، وهي ضرورة العودة الى الذات ، واكتشاف مجاهيلها ، ومعرفة ما هي عليها ، والاطلاع على سبل تكاملها ، والعلم بقدراتها الفعلية ، وقدراتها المختزنة .. فإن ترقية النفس ، لا تتم الا من خلال التعرف عليها ، فكيف يمكن ان يعالج الطبيب بدنا ليس امامه ؟.. أم كيف يمكن لمهندس ان يبني بناء على ارض لم يرها ، ولا يعرف طبيعتها ؟!..

ان من المناسب ان نراجع انفسنا بين فترة واخرى لاكتشاف الاخطاء التي اعتادت عليها ، فإن نفس ممارسة المنكر بشكل رتيب ، ومتكرر ، وفي جو غير مستنكر ، يقلب ذلك المنكر معروفا ، وهذه مرحلة خطيرة لو استقر فيها الانسان ، فإنه لا يرجى ان يقلع عن الحرام ، ومن هنا لا بد من وقفة حاسمة وصريحة مع النفس ، التي ليس من السهل عليها ان ترفع اليد عن المنكر المألوف بسهولة ، وخاصة اذا استذوقه المذنب استذواقا .

ان المنكرات على تعددها فإنها منحصرة غالبا في شبر مربع تقريبا!!.. فإن روافد الحواس الخمسة هي بنفسها روافد الحرام ، وكما ان هذه الحواس تنقل الاحاسيس البريئة والخالية من اي معنى سلبي ، فكذلك تنقل الاحاسيس المريبة .. وعليه ، فإن اجراء مسح شامل لواردات هذه الحواس ، امر ضروري لكشف كل ما هو غريب على هذا الوجود الذي فطره الله تعالى في احسن تقويم .

ولنحاول الان ان نجري مسحا تجريبيا على واردات الوجه الذي تتركز فيه غالبية المعاصي :

فهنالك العين : وذنبها النظر بشهوة او ريبة ، وهنالك الاذن : وذنبها الاستماع لما حرم من الغناء والغيبة والبهتان والنميمة وغير ذلك .. وهنالك اللسان : وذنبه الفحش والكذب والغيبة وباقي المعاصي القولية .. وهنالك الفم : وذنبه ادخال الطعام الحرام فيه ، واستعماله في المنكر كالتقبيل المحرم مثلا .. واذا انتقلنا من الوجه ، فإن المصدر الاساسي الاخر للفاحشة هي ذنوب الغريزة ، وما يلحقها من كوارث !..

ما دمنا حصرنا رؤوس المحرمات بما ذكرناه في رأس الانسان ، فإن العلاج سيكون سهلا بعدما علمنا ان مناشئ الحرام محدودة من جانب ، ومادية من جانب اخر ، وقد جعل الله تعالى على رأس كل جارحة من هذه الجوارح – غالبا – ادوات ضبط وسيطرة .. فالجفنان والشفتان امرهما بيد الانسان ، وكذلك العورة التي جعلها الله تعالى مستورة ، فيكشفها العبد بسوء اختياره في غير موضعه ليزيد الى القبح قبحا .

ان السيطرة على هذه الظواهر لا تتم الا بالسيطرة على البواطن ، والسيطرة على البواطن لا تكون الا من خلال السيطرة على الجهاز المتحكم في الباطن ، الا وهي : الارادة التي تكون في ارقى مستوياتها في شهر رمضان المبارك .. فالملاحظ ان الصائم يرى في نفسه قدرة لم يعهدها في نفسه طوال العام .. ومن اسباب ذلك الضيافة الالهية الدافعة للعبد الى الامام : هوالجو الجماعي للطاعة ، والعزم الفردي على امتثال الامر الالهي .. وعليه ، فإن الفرد يختزن في باطنه طاقة حبسها طيلة طياته ، فلم يطلقها في سبيل التكامل ، ومن هنا يأتي العبد يوم القيامة خجلا وجلا ، لا حجة له ، ولا عذر ، فيتمنى لو تسوى به الارض ، لما يرى من عظيم الخسارة مع ما اعطي من رأسمال لم يقدر قدره .. اولا يحسن بنا ان نتدارك تلك الندامة في هذه الايام ، والفرصة متاحة ، والاعضاء مطلقة ، وقلم التكليف لم يرتفع بعد ؟!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى