الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

الدور الرسالي لبيوت الرحمن

إن من اللازم علينا ان نتعلم آداب التعامل مع اقدس البقاع على وجه الارض ، ألا وهي بيوت الرحمن .. فإنه لا نكاد نجد احدا ، الا وله صلة ببيوت الله تعالى ، بنحو من انحاء الصلة ، فكيف نتعلم آداب التعامل مع المسجد ، والذي يعتبر محطة من محطات التعامل القربي مع رب العالمين?!.. فإنه من الواضح ان التفقه في كيفية التعامل مع مفردات الشريعة ، مقدمة للوصول الى التوفيقات في ذلك المجال.

من المعلوم أن اشتقاق كلمة المسجد ، إنما هو من مادة السجود ، إذ من الواضح ان من اقدس الحركات البدنية بين يدي الله عز وجل ، هي حالة السجود ، وهي تلك الحالة التي اختارها الله تعالى للتعبير عن كمال التعظيم عندما امر الملائكة بالسجود لادم (ع) ، وهي بحق حركة ملفتة ، حيث يجعل الانسان اشرف اعضاء بدنه، على أرخص شيء في الوجود ، وهو التراب..ومن الواضح من سيرة الاولياء انهم كانوا يعشقون السجود ايما عشق!.. فيعتبرونه مح! طة من محطات السياحة الروحية التي لا تساويها الرحلات البدنية في عالم الوجود.

ان على الانسان المؤمن ان يستحضر حقيقة ان المسجد بيت رب العالمين حقيقة لا مجازا .. فعلى المؤمن ان يستحضر حقيقة هذا الانتساب عندما يتوجه الى تلك البيوت المباركة ، وخاصة عندما يخرج من منزله بهذه النية ، مستحضرا حقيقة انه سيحل ضيفا لله عز وجل عندما يكون في تلك البقعة المباركة ، فتأمل في هذا الحديث القدسي لتعلم طبيعة المشاعر التي من المفروض ان تنتاب المؤمن عند توجهه الى المسجد، إذ قد ورد: (ان بيوتي في الارض ، المساجد ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ، ثم زارني في بيتي ، الا ان على المزور كرامة الزائر ، الا بشّر المشائين في الظلمات الى المساجد ، بالنور الساطع يوم القيامة ).

كم تـنتاب الانسان حالة الاسف عندما يرى انه يفوّت على نفسه مزية الوصية بالثلث ، وهو ذلك الحق الذي جعله الله تعالى له ، ليكون زادا! له في عالم الانقطاع عن كل عمل ، وعليه فإن المؤمن الكيس الفطن لا يخرج من هذه الدنيا الا مساهما في بناء بيت من بيوت الرحمن ،سواء في كله او بعضه ، ولو بمقدار لبنة واحدة ، فإن الله عز وجل ، شكور يشكر على القليل ، ويجازي بالجليل ، وقد ورد عن النبي (ص): ( انه من بنى مسجدا ، ولو كمفحص قطاط ، بنى الله له بيتا في الجنة ).. فهل نحن فاعلون ؟..

ان من التوصيات الشرعية في هذا المجال ، أن يخصص الانسان مساحة ولو صغيرة ، من منزله لتكون موضع صلاته ومناجاته مع رب العالمين ، اوهل من الانصاف ان نخصص مساحة من بيوتنا للاكل والشرب والنوم ، ولا نخصص مساحة منها لما هو ابقى ؟.. وقد ورد في هذا المجال ، انه كان لعلي (ع) بيت ليس فيه شيء ، إلا فراش ، وسيف ، ومصحف ، وكان يصلي فيه .. ومن المعلوم ان المكان الصغير الخالي من كل مظاهر الزينة ، أنسب للتوجه والتركيز ، وخاصة في أهم موقف في الحياة ، أي عند الحديث مع الرب المتعال.

ان لبناء المسجد ملكا وملكوتا ، ومن الممكن ان يقوم ظالم او غاصب او سلطان جائر ببناء مسجد ، ولكن ل! ا يلازم ذلك القبول حيث يقول الله عز وجل : {انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر ، واقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، ولم يخش الا الله ، فعسى اولئك ان يكونوا من المهتدين}.. وبقليل من التأمل نلاحظ أن الاية تحصر حق عمارة المسجد بالطريقة التي يريدها الله تعالى ، وذلك في قوم لهم مواصفات عقائدية متمثلة بالايمان بالمبدأ والمعاد ، ومواصفات عبادية متمثلة بالصلاة والزكاة ، ومواصفات نفسية متمثلة بعدم الاعتناء والخشية من أحدٍ سوى رب العالمين ..فإن المساجد في حياة الامة منطلقات للعمل الفكري والسياسي ، ومن الخطير ان تكون بيد اولئك الذين تتحكم فيهم المطامع الدنيوية ، والاهواء الارضية.

لقد ورد النكير الشديد للذين يجاورون بيوت رب العالمين مع عدم الصلاة فيها ، وقد حدد الجوار بأربعين دارا من جوانبها ، وذلك بالتأكيد على انه لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ، فيما لو كان فارغا صحيحا ، وذلك لوضوح ان عدم تلبية نداء الله عز وجل في بيته ، مصداق من مصاديق الوهن ، وعدم الاعتناء بامر المولى الذي يريد ان يستضيف عبده في بيته ، وهو يأبى ذلك بلا عذر وجيه ، ويكفي التأمل في هذا النص لبيان شدة العتاب الالهي في هذا المجال ، حيث روي عن الامام الصادق انه قال : ( شكت المساجد الى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها ، فأوحى الله عز وجل اليها : وعزتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة ، ولا اظهرت لهم في الناس عدالة ، ولا نالتهم رحمتي ، ولا جاوروني في جنتي )..

إن المستفاد من روح بعض الروايات أن من التز! م بمستحب من المستحبات ، فعليه الالتزام بذلك ، لمدة سنة .. ومعنى ذلك ، أن المداومة على العمل من موجبات اثماره الثمار المطلوبة ، وعليه ، فإن بركات المساجد انما تتحقق بشكلها الكامل مع المداومة والاستمرارية ، وهذا الذي يفهم من بعض الروايات التي تطلب منا الادمان على المساجد، وهو مما يتوقف على التردد المستمر على هذه المواطن للرحمة الالهية الغامرة ، وعندئذ تتحقق الجائزة التي بشر بها النبي (ص) ، والمتمثلة باحدى الخصال الثمانية : ( آية محكمة ، أو فريضة مستعملة ، أو سنّة قائمة ، أو علم مستطرف ، أو أخ مستفاد ، او كلمة تدّله على هدى أو تردّه عن ردى ، وترك الذنب خشية أو حياءً ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى