الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

شرح المناجاة الشعبانية

– إن ما ورد عن أهل البيت (ع) من الأدعية والمناجيات في خطاب رب العالمين، لهو من أروع ما قيل من حيث جمالية الألفاظ البليغة والروحانية العالية المؤثرة.. إذ ليس هنالك في تراث البشرية ما يضاهي أقوال الأئمة (ع): سواء كان في مجال الدعاء المتمثل في الصحيفة السجادية -زبور آل محمد- أو في مجال التوعية الفكرية والثقافية، الذي برز من خلال كتاب نهج البلاغة.. ولا غرو في ذلك، فهم العدل الثاني للقرآن الكريم، الذين بثوا في هذه الأمة ما يذهل الألباب في الفقه والتفسير، وفي الأخلاق والمعرفة الإلهية، وغير ذلك من فنون المعرفة.. ومن هذه المناجيات البليغة، المناجاة المتميزة بأنها مناجاة علي والأئمة من ولده (ع)، حيث كانوا يدعون بها في شهر شعبان.

– إن البعض -مع الأسف- يعلق الآمال العريضة على شفاعة أهل البيت (ع)؛ مغفلاً العمل بمنهجهم، واتباع سيرتهم العطرة.. والحال بأنهما جناحان يطير بهما الإنسان، وقد ورد في الصلوات الشعبانية ما يشير إلى لزوم الجمع بين الشقين، حيث يقول الإمام السجاد (ع): (اللهم!.. فأعنا على الاستنان بسنته فيه، ونيل الشفاعة لديه).. ومن المعلوم بأن الرسول الأكرم (ص) هو صاحب الشفاعة الكبرى، إذ لا شفاعة لأحد من المخلوقين تبلغ شفاعته، وهو الحريص على الأمة، وقد ادخر شفاعته لأصحاب الكبائر من أمته، ومن هنا ورد في تفسير قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}: بأن الرسول (ص) يشفع شفاعة بليغة.. فإذن، إن الذي يريد أن يصل إلى مقام الشفاعة، لابد وأن يقرن ذلك بالعمل والاستنان بسنة النبي وأهل بيته (ع).. وإن لم يوفق للعروج إلى مدارج الكمال وغلبة الهوى، فعندئذ النبي الأكرم -بإذن رب العالمين- سيُعْمِل شفاعته لهذه المادة القابلة.

– من المناسب أن نقف وقفة تأملية، ونبحر في ألفاظ هذه المناجاة البليغة، لنستلهم منها الدرر واللآلئ النفيسة، ولو أنها مكتنفة لبعض العبارات المبهمة، كعبارة (حجب النور) التي حار العلماء في تفسيرها.. ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، والميسور لا يسقط بالمعسور:

* (اللهم صل على محمد وآل محمد..): نلاحظ بأن المناجاة تبدأ بالصلاة على النبي وآله، وقد ورد عن أهل البيت (ع) باستحباب الصلاة على النبي قبل الدعاء وبعده؛ فإن الله تعالى أجل من أن يستجيب الطرفين ويهمل الوسط.. (اللهم)!.. أي: يا الله، فهنا حذف حرف النداء وعوض عنه حرف الميم في الآخر.. ومن هنا لزم الالتفات واستحضار الخطاب مع رب العالمين، إذ لا شك أن حالة الخطاب مع السهو والغفلة، تعد من سوء الأدب بين يدي المخاطَب.

* (واسمع دعائي إذا دعوتك .. ): نلاحظ العطف بين العبارتين بالواو، وكأن الصلاة على النبي هي الطلبة المهمة الأولى.. وهنا إشارة إلى أن الدعاء قد يحجب ولا يصل إلى الله تعالى، بسبب بعض المعاصي التي يرتكبها العبد.. وتوجب انقطاع الصلة بينه وبين ربه، إلا أن العبد من الممكن إذا ألح في الدعاء، وطلب من الله تعالى أن يتجاوز عن الموانع، ويرفع الحجب عنه، أن يصل إلى مبتغاه وتستجاب دعوته.

* (واسمع ندائي إذا ناديتك..): أي أن العبد تارة قد يدعو ربه تعالى، وتارة قد يناديه، ومن المعلوم أن في النداء شيئا من الإصرار.. وقد ورد أن موسى (ع) سأل ربه فقال: يا رب!.. أقريب أنت مني فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟.. فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى!.. أنا جليس من ذكرني.

* (وأقبل علي إذا ناجيتك، فقد هربت إليك..): من المعلوم أن الإنسان الذي يخاف جهة معينة ويهرب منها، يلجأ إلى جهة أخرى مخالفة، تشكل مصدراً للأمن والاطمئنان لديه.. إلا أننا نلاحظ اختلاف الأمر في حال التعامل مع رب العالمين، إذ تتحد الجهتان.. إن الإنسان إذا اشتد مقته لنفسه، فهرب إلى الله تعالى، إذا علم الله تعالى صدقه في هذا الهروب؛ فإنه سيأخذ بيده، ويمده بالعناية، وقد يدخله حصنه الحصينة: بأن يبعد عن شرور الشياطين.. ولكن ذلك يشترط عدم الاستهزاء بالمولى عز وجل، لأن الله تعالى قد يعفو عن العبد المرة والمرتين، ولا يبادر بالنقمة.. ولكنه من الممكن أن يكشف عنه الغطاء في مرحلة من المراحل، وهو ما يعبر عنه بالإيكال إلى النفس.

) * وتعلم ما في نفسي، وتخبر حاجتي، وتعرف ضميري، ولا يخفى عليك أمر منقلبي ومثواي..): من المناسب أن نشير إلى قضية خلافية قد وقع البحث فيها وهي: أنه هل من الأنسب للعبد إذا جاءته حالة الرقة، أن يعدد مطالبه بين يدي الله تعالى، أو أن يجمل بكلمة واحدة ويقول: (علمك بحالي يغني عن سؤالي)؟.. اختلفت الأقوال في ذلك، ولعل الأوسط والأصلح أنها قضية حالية نسبية، فتارة العبد يعيش حالة الافتقار والمسكنة؛ فيعدد حوائجه.. وتارة يعيش حالة المحبة والأنس، فلا يحب أن يكثر الطلب، وإنما يوكل أمره إلى الله تعالى، حيث يصنع به ما يشاء.. فإذن، إن الأمر نسبي، يتبع الحالة التي يعيشها العبد، وهي من مرحلة إلى أخرى.

* (إلهي!.. إن حرمتني، فمن ذا الذي يرزقني؟.. وإن خذلتني، فمن ذا الذي ينصرني؟..): إن الله تعالى هو مصدر الخير في الوجود، إلا أنه أبى أن يجري الأمور إلا بمسبباتها، كما في قوله تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}.. فهو خالق البحر، وهو الذي يسوق السحاب إلى الأرض الميتة، ولكنه شاء أن يجعل نزول المطر موكولاً في يد الملك، وكان بإمكانه تعالى -وهو الذي نفخ الروح في بني آدم- أن يتولى قبضها أيضاً، إلا أنه أوكل الأمر إلى ملك الموت.. ومن هنا نرى بأن الله تعالى تارة يصف نفسه بأنه هو المتوفي، فيقول تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا}.. وفي آية أخرى ينسب الفعل لملك الموت، حيث يقول تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}.. فمن المعلوم بأنه عند حدوث الشيء على يد الوكيل، يصح نسبته للوكيل أو للموكل، بلا تناقض في ذلك.. ومن مصاديق الملائكة الذين يعملون بأمر الله تعالى: الطبيب الذي نلتمس منه العلاج، وكذلك صاحب المال، الذي لا يعدو عن كونه مستخلفا على مال الله تعالى، يقول الله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}.

* (إلهي!.. كأني بنفسي واقفة بين يديك، وقد أضلها حسن توكلي عليك..): الإمام (ع) يذكِّر نفسه بالموقف الرهيب في عرصات القيامة، وكيف أنه في ذلك اليوم، لا يسمح بالحديث مع الله تعالى إلا بإذنه، فتراه يصيح ويستغيث، ويسمع زفير جهنم، وعواء أهل النار، حيث يعوون كالكلاب الضارية.. وهو لا يقدر لنفسه نفعاً ولا ضرا، بل قد يحاول التماس الرحمة من الله تعالى، فإذا بالنداء الزاجر المحقر: {قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}.. وعليه، فإنه ينبغي للإنسان المؤمن، أن يذكِّر نفسه بهذا الموقف وهو في الدنيا، ويستغل لسانه الطليق بالدعاء والحديث مع رب العالمين قبل أن يفوت الفوت.

* (إلهي!.. لم يزل برك علي أيام حياتي، فلا تقطع برك عني في مماتي..): أي: يا رب!.. أنا كنت في الدنيا وأنا أعصيك، وأنت لم تقطع إحسانك عني.. فكيف وقد صرت بين يديك، وقد انقطع عصياني لك!..

* (إلهي!.. قد سترت علي ذنوباً في الدنيا، وأنا أحوج إلى سترها علي منك في الأخرى..): فكم من الذنوب التي يرتكبها العبد في الخلوات، ولو شاء الله تعالى لجعل علامة -كالسواد مثلاً- لكل معصية، وتختلف شدة هذا السواد بحسب شدة المعصية، ولكن الله تعالى ستار على عباده، قد أظهر الجميل وستر القبيح.. وهنا علي (ع) يسأل الله تعالى، أن يديم هذا الستر حتى في الآخرة، حيث ساعة الفضيحة على رؤوس الأشهاد.

* (وإن أدخلتني النار؛ أعلمت أهلها أني أحبك..): وهنا في حركة عاطفية جميلة من علي (ع) يفاوض فيها رب العالمين فيقول: أنه إذا وقعت الواقعة، حيث رفعت الموازين، وحكمت المحكمة بدخولي النار لجرمي وجريرتي، وعصياني لك في الدنيا، فماذا تفعل بهذا القلب الذي يحمل حبك!.. ومن المعلوم أن الأم في حال تنفيذ القصاص على ولدها العاق، أنها تكون أول الشافعات له، ولكن هل أن هذه العبارة تبقى في بالنا في عرصات القيامة؟!..

*(وأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد!.. وأن تجعلني ممن يديم ذكرك، ولا ينقض عهدك، ولا يغفل عن شكرك، ولا يستخف بأمرك..): وهنا علي (ع) يلخص طريق العرفان والسير إلى الله بجمل قصيرة، مفادها: بأن الطريق في الوصول إلى الله، هو دوام الذكر المتصل.. ومن المعلوم أن ذلك من أشق الأمور على النفس، إذ أن ذكر الله تعالى في مواطن الطاعة، أو في الفرائض، وفي جوف الليل أمر هين.. وإنما المطلوب هو ذكر الله تعالى في كل الأحوال، وخاصة في ساعة اشتداد الشهوة والغضب، وساعة الهم بالمعصية.. وإلا فما قيمة الذكر الذي يجري لقلقة على اللسان، الذي طالما حركناه في مضغ طعام أو في مشرب؟!.. فالفخر كل الفخر في أن نحركه مع حركة القلب!..

)* إلهي!.. وألحقني بنور عزك الأبهج، فأكون لك عارفا، وعن سواك منحرفا، ومنك خائفاً مراقبا يا ذا الجلال والإكرام!..): فهذه غاية المنى.. إن منى فاطمة ومنى علي (ع)، هو معرفة الرب ولقائه تعالى.. فأولاً عليه أن ينحرف عما سوى الله تعالى، ثم يرجع مرة أخرى إلى من أمره الله بصلتهم، كما هو معلوم في اصطلاح العرفاء: السير من الخلق إلى الحق، ثم السير من الحق إلى الخلق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى