زاد البرزخ والقيامةكيف نتعامل مع البرزخ والقيامة ؟

أربعينية ترك المعاصي

المحاضرة | الأولى

– إن الغرض من حضور هذه المجالس المباركة المقامة لعزاء سيد الشهداء (ع)، هو أن يخرج الإنسان بثمرة، وإلا فإن الآثار من الأجر والمغفرة وغير ذلك مترتبة بلا شك، وهذه الثمرة هي أن نحاول أن نكون في زمرة الحسين (ع).

وقد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، أن نكون تحت لوائه (ع) يوم القيامة.. ولكن ذلك مترتب على أن نكون تحت لوائه في الدنيا.. بمعنى أن نكون على خطه، وأن نكون في زمرة أصحابه.. فإن الالتحاق بأصحاب الحسين (ع) بابه لا زال مفتوحاً، وما أغلق في يوم عاشوراء.. وإن أصحاب الحسين (ع) متعددون في كل عصر وفي كل طبقة، فإن كانت الطبقة الأولى في يوم عاشوراء، ففي كل عصر وفي كل قرن هنالك أصحاب للحسين (ع).. لماذا لا نلتحق بهذه الجامعة؟.. لماذا لا نلتحق بهذا الركب الحسيني؟.. وهذه المسيرة بدأت وتستمر ولن تتوقف، إلا عندما تعطي هذه الثورة ثمارها الكاملة، وهذه الثمار لا تؤتى إلا مع ظهور ولده المهدي (عج).

– لنحاول أن نحول أيام العزاء إلى أيام للتزكية.. من المعلوم أن شهر رمضان هو شهر التزكية، ببركة الصيام والمناجاة.. وكذلك هذه الأيام، فهي أيام التزكية بدفع حسيني.. فمن المناسب استثمار هذه الحالة العاطفية التي نعيشها، فإنها نعم الزاد للخروج في هذا الموسم بهذه النقلة الجوهرية!..

– من موارد ظلامة الحسين (ع) -غير ذلك الظلم الذي وقع على بدنه الشريف، وعلى خيامه، وعلى عائلته- هو ظلمه من قبل شيعته ومحبيه، بعدم معرفتهم إياه حق المعرفة.. هذه المعرفة المتجلية من خلال مناجاته مع الله –عز وجل- في يوم عرفة.. ولو تأمل الإنسان في مضامين دعاء عرفة، ليعرف أن الذي قتل في يوم عاشوراء، هو هذا الولي الذي كان يتكلم مع الله –عز وجل- بمناجاة قل نظيرها في مناجاة الداعين.

إن الإمام (ع) في دعاء عرفة يقول: (أَسأَلُكَ اللّهُمَّ حاجَتِي!.. الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيها لَمْ يَضُرَّنِي ما مَنَعْتَنِي، وَإِنْ مَنَعْتَنِيها لَمْ يَنْفَعْنِي ما أَعْطَيْتَنِي).. فهو (ع) يريد أن يفهمنا أن هنالك مستوى من التكامل لابد أن نسعى إليه، وإذا لم نصل إلى هذه الدرجة فقد فشلنا في حركة الحياة.. إن لكل إنسان هدفا وهما يحمله في حركته الدائبة في هذا الوجود، وهنا سيد الشهداء (ع) يوجهنا إلى أن نبحث عن هذه الحاجة، وهو لم يسميها في دعاء عرفة، بل جعلها مبهمة؛ حتى نفكر نحن في المصداق.. فما هي هذه الحاجة، التي إن وصلنا إليها ، فقد حققنا هدف الوجود؟..

من الواضح جداً أن هذه الحاجة، هي أن يصل الإنسان إلى مستوى العبودية الانسيابية.. إن كل ما في هذا الوجود يسبح بحمد الله عز وجل، ومنزه لله عز وجل.. فالنحلة –مثلاً- من المستحيل أن تعمل خلاف ما أوحى الله عز وجل إليها: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا}.. وكذلك الإنسان فهو ببدنه عابدٌ لله عز وجل تكويناً، إذ كل أعضائه تجري في ذلك الاتجاه الذي رسمه الله تعالى.. فإذن، هذه عبودية تكوينية.

وهنالك عبودية ثانية، هي عبودية تشريعية.. بمعنى أن الإنسان عبد مطيع لله عز وجل بالإرادة.. ولكن قد تكون هذه العبودية خوفاً من العقاب، أو رجاءً في الثواب.. أي خلاف لمقتضى ميل الإنسان، فهو يطيع الله عز وجل على مضض بدون أي انسجام أو عاطفة.. إذ أن هناك فرقا بين امتثال الموظف لأوامر المدير، وبين امتثال الزوجة لأوامر لزوجها؛ فكلاهما امتثال، ولكن الثاني محفوف بهالة من المحبة والرغبة.. وبينما المطلوب أن يصل الإنسان إلى هذه العبودية الثالثة، لا طمعاً ولا خوفاً، وإنما أن يرى أن هذه العبودية ثمرة الوجود، ولا يمن على الله عز وجل بذلك، وإنما هو عبد مخلوق، خلق لمهمة، وهو منسجم مع هذه المهمة التي أرادها الله عز وجل.

– ما دمنا على مشارف محرم نقترح العمل بهذين الأمرين:

الأول: أربعينية ترك المعاصي.. إن الإنسان بعد أن أمضى هذه العشرة في البكاء على مصائب الحسين (ع)، فقد اقترب من دائرة التكامل.. وعليه، فليشدد على نفسه في أربعينية: مراقبةً، ومحاسبةً، وتركاً للمعصية؛ وليكن ذلك من يوم عاشوراء إلى يوم الأربعين.

إن أربعينية الأدعية والختومات أمر حسن وجميل، ولكن من أفضل الأربعينيات هي أربعينية ترك المعاصي والذنوب؛ ومن المستحسن استغلالها؛ لإتمام المكاسب، ولقطف ثمار هذه البذور التي زرعها هذه الأيام والليالي في أواخر صفر.

وفي الخطوة الأولى عليه أن يكتشف الثغرات في نفسه: إن كان به سوء خلق مع أهله، أو غيره من السلبيات، ثم ليعاهد الله -عز وجل- على تركها.. ومن المعلوم أن الذي يعترف بخطئه بين يدي الله -عز وجل- ويعزم على الترك؛ فإن رب العالمين يكرهه في المعصية، وعندئذ لا يمكنه أن يقوم بالحرام، لا لأنه حرام، بل لأنه أمر مستقبح في وجوده.

الثاني: الالتزام بهذا الاستغفار: (استغفر الله الذي لا إله إلا هو، الحي القيوم، الرحمن الرحيم، بديع السماوات والأرض، من جميع ظلمي وجرمي، وإسرافي على نفسي، وأتوب إليه)؛ أربعمائة مرة في اليوم، لمدة شهرين.. فالالتزام به -كما في الراوية- مدعاة لزيادة العلم، أو المال.. فكم من الجميل أن ينشغل الإنسان بهذا الاستغفار ذهاباً، وإياباً، وخاصة نحن في هذه الليالي والأيام نتواجد في أماكن الطاعة في المآتم والمساجد، ومن الممكن أن يأتي الإنسان قبل الخطيب بفترة، فيشغل نفسه بهذا الذكر؛ بدلاً من الشرود والذهول والالتفات يميناً وشمالاً.. والبعض قد يستذوق ويستحلي هذا الاستغفار، فينتهي الشهران وهو لازال منشغلاً بهذا الاستغفار العلوي في الموسم الحسيني.

– من المستغرب في موسم محرم: حالة لإقبال على مجالس الذكر، والتفاعل المتميز عند ذكر مصائب أهل البيت (ع).. وقد يكون الإنسان قبل أيام من محرم غافلاً ساهياً، بل قد يكون عاكفاً على المعاصي، ويعيش قسوة القلب، وعند ذكر مصائب أهل البيت (ع)، تراه لا يرق له قلب، ولا تدمع له عين.. ولكن بمجرد أن يهل هلال محرم، ويأتي إلى المأتم، وإذا بذكر الحسين (ع)، وباسم الحسين، وبهذا السواد؛ تُستدر الدمعة.. يا ترى ما السر في ذلك؟!..

والغريب أننا نلاحظ هذه الحالة أيضاً في موسم الحج.. ما الذي جعل هذه الوفود الحاجة تتجشم هذا العناء، وتأتي من الأماكن النائية من الصين وأدغال أفريقيا وغيرها، وهي لا تكاد تفقه بأبعاد الحج المعنوية والباطنية؟!.. فإن الحج يحتاج إلى إنسان متلذذ بالطواف والسعي.. ومن المعلوم أن بعض هؤلاء يرجعون من الحج من دون أن يتفاعل مع الحج أبداً، وفي السنة القادمة يعقد العزم على حجة أخرى!.. إن رب العالمين يريد أن يحفظ وقار وعظمة بيته، فيجعل الناس تهوي قلوبهم إلى زيارة هذا البيت: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}؛ ليتحقق غرض المولى –عز وجل- من وجود بشر حول البيت.

فإذن، هنالك تفضل إلهي في هذه المواسم المباركة، وتصرف في القلوب.. وإلا فلو نظر الإنسان إلى نفسه، لا يرى ذلك الاستحقاق أبداً.. ولهذا فمن المناسب استثمار حالة الإقبال بعد ختام المجلس، بأن تحول دموع الولاء إلى دموع المناجاة مع رب الأرباب، فإنه من صور الخسران أن لا يستثمر الإنسان الحسيني هذه الرقة في مصالحة مع رب العالمين، وإنها لفرصة ذهبية أن يتحول إلى إنسان مناج ربه –عز وجل- بعد ختام المجلس.

ومن هنا من غير المستحسن أن يجلس الإنسان كثيراً في المأتم بدون هدف، فإن كان يعيش حالة روحية جيدة، فليواصل هذه الحالة وهو في الطريق إلى المنزل، ولا يجعل هذه الدموع تجف بسرعة، وليستثمر هذه الدموع في أن يعقد صفقة مع رب العالمين.

ومن المناسب لمن يحب أن يلتزم بهذا الاستغفار العلوي، أن يجعل بعض العدد بعد انتهاء المجالس، فالباب مفتوح من الصباح إلى الليل، والمهم هو في الأربع والعشرين ساعة أن يكمل هذا الورد الذي نصحنا به إخواننا، وقد رأيت البعض ممن عمل بهذه الوصية وبهذه الرواية، وقد فتحت له الآفاق.

– إن الذي وصل إلى هذه الدرجة بأن أصبح أنسه مع نفسه، فقد حقق الإنس الدائم والراحة غير المكلفة، ولا يضيره بعد ذلك إن وجد معه أحد أو لم يجد، فلو خلا مع نفسه فإن له ما يشغله.. ولكن قلّ من يكون على هذه الشاكلة أنسه مع نفسه، فإن الغالبية لا يطيق الخلوة مع نفسه، فتراه يلهي نفسه بالتلفاز أو بالصحافة أو بالاتصال وغيره، ليبحث عما يحقق له الأنس، ويبعد عنه الوحشة، فهو إما أنسه مع الغير أو مع الشيء، إما مع جهاز صامت أو مع إنسان متكلم.

ومن أكثر الخسائر أن لا يعرف الإنسان كيف يستثمر ساعات الخلوة مع نفسه، فكم من الساعات يمضيها في السيارة، أو في الطائرة، أو خلف إشارات المرور، أو قبل النوم.. فالذي ليست له القدرة على أن يستثمر هذه الساعات، فإنه سيأتي يوم القيامة وهو فقير، وأحوج ما يكون إلى تهليلة أو تسبيحة!.. ولعله ليس أقل من أربع إلى خمس ساعات في اليوم، يكون الإنسان مع نفسه، وليس له ما يشغله في هذه الأوقات، فيا لها من خسارة!..

إن ساعات العمر هي رأس مال الإنسان، ومن العقل أن يحسن الإنسان استثمار ساعات عمره، فيما يحقق له الدرجات الرفيعة في داره الأبدية.. ومن المعلوم أن المؤمن قد يصل إلى درجة من المحاسبة والحرص أنه يمن على الآخرين بما يعطيهم من ساعات عمره -لا من باب المنة المحرمة أو المنهية عنها- فهو عندما يزور الغير أو يجلس معهم، يقتطع من عمره اقتطاعاً؛ لأن هذا الوقت من الممكن أن يملأه بما لا يخطر على بال بشر.

وقلّ من تأمل في هذه الحكمة من حياة النبي المصطفى (ص).. لماذا جعل الله –عز وجل- ثلثي حياة النبي الأكرم (ص) في الغار؟.. ألم تكن من المصلحة أن يكون الثلثان مع الأمة؟.. ومن المعلوم أن النبي الأكرم (ص) هو فوق الأنبياء جميعاً، ومع ذلك نلاحظ أن عيسى (ع) كان يكلم الناس في المهد، بينما النبي المصطفى (ص) يرسل إلى الناس وعمره أربعون سنة، فعشرون سنة أمضاها في خلوة مع الله تعالى، وكان من الممكن أن تكون هذه العشرون سنة من حياة النبي (ص) كافية للدعوة.. لماذا جعل الله –عز وجل- معظم عمر النبي الأكرم (ص) في خلوة معه؟..

قد يكون هذا من رفق الله –عز وجل- بحبيبه المصطفى (ص)، ولعله لم يكن يتحمل أعباء الدعوة، لولا هذه السنوات التي أمضاها في خلوته مع رب العالمين.. فأنس النبي ولذة النبي في هذه الأربعين سنة، حيث كان يعيش ما أهّله لتلك السنوات العشرين أو الثلاث وعشرين للدعوة.

– من السمات الغالبة هذه الأيام والليالي هي البكاء.. وعندما نقول: البكاء؛ فإننا نعني به التفاعل القلبي، وليس الدمع المجرد.. إذ أنه فرق بين الدموع وبين حرقة الفؤاد.. فقد تكون هنالك حرقة، ولا تكون هنالك دمعة، والمهم هو أن يعيش الإنسان حالة من حالات الانكسار الباطني.. إن هذا البكاء هو مناخ مناسب، لأمر ما وراء البكاء والعاطفة.. ولتقريب دور العاطفة في حركة الحياة لنتصور هذا المثال: العاطفة تغلف الفكرة بغلاف، وهذا الغلاف له الدور في التغلغل إلى الجوارح.. فهنالك رؤى وأفكار في عالم الذهن، وفي عالم التصور هنالك جوارح تعمل في الخارج، وهنالك مرحلة وسطية بين الفكرة وبين الجارحة، وهي التي تجعل الإنسان يعمل بفكرته.. وهذه المساحة من أغلى مساحات الوجود، وإلا فالمعرفة أمرها سهل، من منّا لا يعلم آثار الحرام في الحياة؟.. وكذلك في الأمور الدنيوية: من منّا لا يعلم الآثار السلبية للتدخين؟.. بل حتى بعض الأطباء الأخصائيين في أمراض الرئة تراهم يدخنون، ما الذي جعل هؤلاء لا يستسلمون لأفكارهم؟..

هنالك جهاز وسطي في وجود الإنسان -من الممكن أن نسميه: الإرادة، أو العزيمة، أو البعد الباطني- يأخذ الفكرة، ثم يجعل هذه الفكرة تتفاعل في الوجود، بحيث أن الجوارح تصدر بفعل هذه الفكرة.. ولعل من أفضل التعابير لهذا الجهاز: الإرادة.

فإذن، الإرادة: عبارة عن حالة في النفس، تأخذ الرؤى من الفكرة، ثم تصدِّر الأوامر للجوارح.. وهذه الإرادة عليها نزاع الأبالسة، والنفوس الأمارة بالسوء، والهوى؛ مما يؤثر في استغلال الفكرة، ومن ثم إصدار الأوامر للجوارح بما لا يتوافق مع مقتضى هذه الفكرة.. ومن هنا فإن المؤمن يحتاج إلى التدخل الرباني، في أن يجعل هذه الفكرة المتقدة في ذهنه، تتحول إلى حركة في الجوارح.

ومن الملاحظ في مناجاة المحبين أن الإمام السجاد (ع) يذكر عدة هبات، ويجعلها مستندة إلى الله عز وجل: (هيمتَ)، (شغلتَ)، (قطعتَ)، (اللهم!.. ارزقني حبك وحب من يحبك).. فلو أن هذه المعاني العرفانية تغلفت بغلاف العاطفة والمحبة الإلهية؛ فإن هذا الإنسان جوارحه لا يمكنها أن لا تكون مؤتمرة بأوامر الله عز وجل.

ومن المعلوم أن الإنسان -بفضل الله تعالى- يصل إلى مرحلة من الكمال، حتى لو أنه تعرض للمنكر، وللإغراءات؛ فإنه ينصرف عن الحرام من دون تكلف.. فهو عندما يرى فتاة فاتنة في الشارع أو في الجامعة، وكأن الله –عز وجل- جعل في رقبته جهازاً، ولا يمكنه أن يحتمل هذه الجهة.. وعندما يرى امرأة متهتكة، مخالفة لأوامر الله عز وجل، فإنه يرى فيها العداوة لله تعالى، بما يجعله لا يعيش حالة شهوية أبداً.. كما لو أن إنساناً تعلق قلبه بفتاة، وثم سمع بأن هذه الفتاة عدوة لأمه أو أبيه، فترى أن قلبه يتغير كلياً من جهتها وحتى الشهوة تزول، فكيف إذا اكتشف بأنها عدوة لله عز وجل؟!..

فالعداء لله –عز وجل- قسمان: عداء موقفي: كنمرود، وفرعون، وقارون.. والقسم الآخر عداء عملي، وهو قسمان: فالبعض تراه من الصباح إلى الليل في مقام العمل عدواً لله عز وجل، وقد يكون عدواً لله عملياً في اليوم مرة أو مرتين.. فإذن، العداء العملي غير العداء الموقفي، وهذا العداء العملي قد يكون في اليوم مرة.

– إن العاطفة هي نعم الضمان، لأن يتحول العبد إلى عبد مطيع لله عز وجل.. إلا إن العاطفة الجياشة إذا لم تصب في مرحلة تحويل الأفكار إلى حركة في الجوارح، فإن الشيطان يدخل، ويأتي ليحول هذا البكاء -الذي هو من أفضل القربات- إلى أداة لتمرير مشاريعه الشيطانية الخبيثة.. فالشيطان بإمكانه أن يحول البكاء على سيد الشهداء (ع) -هذا البكاء الذي هو في عداد البكاء من خشية الله –عز وجل- في رفع العبد إلى أعلى الدرجات، هذا البكاء الإلهي، هذا البكاء الرسالي- إلى أداة من أدوات التخدير.

إن لأحد العلماء كلمة جميلة جداً في هذا المجال، فهو يقول: إن الشيطان منيته أن يكون الإنسان كافراً، فإذا يئس من الكفر، منعه من الإيمان.. وإذا يئس من ذلك، حاول أن يدعوه للمعاصي.. وإذا يئس من المعاصي، يشغله بما لا يرضي الله –عز وجل- ولو لم تكن معصية.. وإذا يئس من ذلك، يشغله بالمباحات.. وإذا يئس من ذلك، يشغله بالمستحب الأدنى، ليمنعه من المستحب الأفضل.. نعم، التفكر والتدبر مستحب، والذكر اللفظي الخالي من التدبر أيضاً مطلوب، فيشغله باللفظ واللسان، ليلهيه عن القلب والجنان.

نعم، هذا الموجود الخبير من الممكن أن يستغل البكاء على سيد الشهداء، ويسول للبعض ليعولوا على روايات البكاء، كما في قول إمامنا الرضا (ع): (فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام)، بأن يقول: أنه يا لها من فرصة جيدة!.. ليحرق بالبكاء على سيد الشهداء كل ما كسبه من المعاصي طوال العام، وليجعل همته إلى انتهاء العشرة أو إلى بعد الشهرين، ثم يرجع إلى ما كان عليه لينتظر محرم القادم، ليتطهر من جديد!.. أهذا كلام يقبله الله ورسوله؟!.. أهذا منطق أمير المؤمنين وأئمة أهل البيت (ع)؟.. أن يجعل الإنسان فترة مصالحة مع الله عز وجل، ليريح بها ضميره، ويسكن بها هذا العتاب الباطني!.. إن هذا كلام لا يمكن أن يُقبل.

فإذن، إن العاطفة بمثابة الوقود في هذه الدواب الحديدية، وهذا الوقود إذا احترق ولم يتحول إلى حركة دافعة، من الممكن هذا الوقود المحترق أن يشعل هذه الدابة.. إن هذا الوقود نعمة، ولكن بشرط تحويله إلى طاقة، والطاقة إلى حركة، والحركة إلى قطع للمسافات.. وهذا الذي قلناه دائماً وأبداً: المؤمن في سفر إلى الله عز وجل، وهذا السفر يحتاج إلى وقود، ونعم الوقود في هذا السفر، البكاء الذي هو سمة هذه الأيام!..

– إن هذا البكاء والاحتراق الباطني على مصائب أهل البيت (ع) ليس أمراً بسيطاً، وإنما هو حصيلة تفاعلات كثيرة، منها:

أولاً: تاريخ الأبوين: فالإنسان ابن بيئته، وتأثره بالأسرة وبالأخص الأم أمر لا شك فيه، ومن هنا من النعم على الإنسان أن يرزق بوالدين يحملان في قلبهما الولاء الصادق لأهل البيت (ع)، ومن المعلوم بأن الله –عز وجل- يكرم الأولاد بكرامة الآباء.. فارتباطه كان بسيد الشهداء (ع) وهو وليد، منذ اليوم الذي كان في حضن أمه وامتزجت دموعها على مصائب أهل البيت (ع) على صدره ووجهه.. ألا يقول الشاعر:

لا عذب الله أمي إنها شـربت **** حب الوصي وغذتنــــيه باللبنِ
وكان لي والد يهوى أبا حسنِ **** فصرت من ذي وذا أهوى أبا حسنِ

ثانياً: الاعتقاد: نحن في عصر كثرت فيه الشبهات، ومن النعم على الإنسان كونه مسلماً، اختار خير الأديان، وعلى منهج أهل البيت (ع)، وليس فقط يعتقد بولاية علي (ع)، وإنما اثنا عشري، يعتقد بالأئمة إلى الإمام المنتظر.

ثالثا: التقوى وطاعة الله عز وجل: ومن دلائله هو التوفيق لحضور هذه المجالس المباركة.. فبعض الإخوان في أوربا وأمريكا واستراليا وبعض البلاد البعيدة، يتحرق شوقاً لأن يكون في هذه المجالس المباركة.. فإذن، نعم في نعم في نعم، تستحق شكراً بليغاً من الإنسان.. وهذا البكاء من موجبات الشكر، ولكن بشرط تحويل ذلك إلى حركة دافعة.

– ماذا نعمل لنزداد بكاءً على مصائب أهل البيت؟..

الخطوة الأولى: ترك المعاصي والذنوب: احتراماً لهذه الليالي والأيام، على الإنسان أن لا يرتكب أدنى صور المعاصي.. فكم من القبيح أن يرجع الإنسان من مجلس حسيني، وقد تفاعل فيه، وإذا به يبيع كل هذه المكاسب بنظرة محرمة!..

إن أحد العلماء يقول: البعض من مسرفي المال، والبعض من مسرفي النور.. يُعطى النور في الحج، ويُعطى النور في مشاهد أهل البيت (ع)، ويُعطى النور في مجالس أهل البيت (ع).. ولكن -مع الأسف- الشيطان يسلب منه هذا النور وهو على باب المأتم.

الخطوة الثانية: ذكر الحسين (ع) في الخلوات:

فليحاول الإنسان أن يجعل لنفسه جواً مؤثراً، ويتفاعل لذكر الحسين (ع)، ولا يجعل ذلك وقفاً في المآتم والمجالس.. وهذه الأيام -بحمد لله- وسائل التأثر كثيرة، بإمكانه أن يسمع شريطاً، أو ينظر إلى فيلم، أو هو بنفسه يتمتم لوحده ببعض الأبيات، وإذا بالدموع على خديه.

إن هذه اللحظات من البكاء في الخلوات بفعل الإنسان، وبتذكره لمصائب الحسين (ع)، لا يقاس بهذه المجالس؛ لأن الجو الجماعي قد يكون هو المؤثر، ولعل الأنفاس القدسية للآخرين هي المؤثرة.. ولكن الإنسان عندما يكون في جو خالٍ، فالأمر يعود إليه، لا للجو، ولا للمأتم، ولا للخطيب، ولا للأجواء المباركة.. بل هو من تفاعل بنفسه، هنيئاً لمن كان كذلك!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى