زاد السفـر الأبديكيف نتعامل مع البرزخ والقيامة ؟

ومضات من حياة السجاد (ع)

بمناسبة استشهاد إمامنا زين العابدين وقرة عين الساجدين (ع)، من المناسب لنا هذه الوقفة، نتلّمس فيها بعض الومضات من حياته المباركة.

إن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) عرف في أوساط الموالين بأنه الإمام البكّاء: أي كثير البكاء.. وهناك طبقة في التأريخ من الأنبياء عرفوا بالبكاء الكثير.. كآدم الذي أخرجه الله عزوجل من الجنة، فمن الطبيعي أن التغير الذي حصل في حياة آدم (ع)، يوجب البكاء الكثير، لمفارقة الجنة وما فيها من نعيم.

ويعقوب (ع) أيضاً بكى كثيراً على ابنه يوسف، كما يعبر القرآن الكريم: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}.. البعض يقول: هل هذا يعد من الجزع؟.. يعقوب (ع) نبي، فلماذا بكى هذا البكاء الكثير، وهو يعلم أن أبناءه جاؤوا بدم كذب، أي أن يوسف كان حياً، ولكن حيل بينه وبين أبيه يعقوب؟..

الجواب -والله العالم-: لعل أذى يعقوب (ع) على ولده يوسف (ع)، لا لكونه ولداً له فحسب!.. وإنما لاعتباره أنه نبي، فيوسف (ع) كان نبياً، وهذا الهتك، وهذا الظلم، من الإلقاء في غيابت الجب وما شابه ذلك، وفي السجن بضع سنين، هذا هتك وقع على نبي من أنبياء الله.. فإذن، هنالك بعد رسالي، وحق ليعقوب (ع) أن يبكي هذا البكاء لفراق ولده يوسف.

إمامنا زين العابدين أيضاً له الحق في هذا البكاء الكثير، لأن الذي جرى في يوم عاشوراء أمر عظيم جداً.. والإمام هو الذي بقي حياً من بين ذرية الإمام (ع)، وشهد قسماً من المعركة، وسمع قسماً من المعركة.. لم يكن على إمامنا زين العابدين هيناً، أن يسمع استغاثة أبيه أبي عبد الله: (هل من ناصر ينصرني)؟.. والإمام لا يمكنه النصرة، لما كان فيه من المرض المانع.. فإن رب العالمين من حكمته ابتلاه بالمرض، الذي يرفع عنه الجهاد.. وبالإضافة إلى ذلك، ما رأى من بعد عاشوراء، من حوادث الهتك، وأسر بنات النبوة، وعلى رأسهن عمته زينب.. حقيقةً، إن ما جرى على إمامنا زين العابدين (ع) لم يكن بالأمر الهين!..

ولا أعتقد أن الهتك والأذى الذي وقع على سيد الشهداء (ع)، له نظير في حياة الأئمة.. إن أمير المؤمنين (ع) ضرب ضربة بالسيف، ولكن لم يهتك خباؤه، ولم تؤسر عائلته.. والإمام الحسن (ع) قتل مسموماً، وكذلك الإمام موسى بن جعفر (ع)، والإمام الرضا (ع).. كل أئمتنا (ع) إما قُتلوا، أو سُموا.. ولكن الذي وقع على سيد الشهداء، لا نظير له.. (لا يوم كيومك يا أبا عبد الله)!.. (لا) نافية للجنس، أي لا جنس يوم منذ أن خلق الله آدم إلى قيام القيامة.. ليست هنالك واقعة وكارثة بعظمة يوم عاشوراء.. إن الذين ظلموا في التأريخ كثيرون، ولكن امتياز الشهداء في يوم عاشوراء، أنها مجموعة متميزة.. أولاً: أنها متميزة بقائدها: سيد الشهداء، ومصباح الهدى، وسيد شباب أهل الجنة، سبط النبي، وريحانة الرسول؛ كل هذه المقامات محفوظة.. وثانياً: طريقة القتل الفجيعة.. وثالثاً: امتدادات القتل.. نحن إلى يوم الأربعين ونعيش مأساة سيد الشهداء (ع).. ورابعاً: الظرف الزماني الذي وقع فيه الحسين (ع) ظرف حرج جداً.. فلولا الحركة الحسينية، لا نعلم كيف كان وجه التأريخ الآن!.. لأن الجهاز الحاكم جهاز في منتهى السوء، والابتعاد عن التعاليم، وعن أمة رسول الله (ص).

فإذن، إن الظرف كان ظرفاً متميزاً، والإمام (ع) خرج لطلب الإصلاح في أمة جده، وقام باستنقاذ الأمة في ظرف عصيب.. وهو متميز -إمام زمانه-، والعائلة هتكت، فكل هذه الظروف جعلت الإمام السجاد (ع) يعيش هذه الحالة التي سمعتموها: أنه ما كان ينظر إلى الماء، إلا ويذكر عطش أبيه.. وعندما ينظر إلى شاة تذبح، يتذكر ما جرى على أهل بيت النبوة الذين ذبحوا أمامه، كما في الرواية عن الرضا (ع): (يا بن شبيب!.. إن كنت باكيا لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (ع) فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش).. وكذلك إذا رأى ما يُذكّر بحوادث كربلاء.. ولعله إذا رأى رضيعاً، أيضاً تَذَكر..

روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: (البكّاؤون خمسة: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد (ص) وعلي بن الحسين (ع) ـ إلى أن يقول (عليه السلام): وأما علي بن الحسين (ع) فبكى على الحسين عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وُضِع بين يديه طعامٌ إلا بكى حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا بن رسول الله!.. إني أخاف عليك أن تكون من الجاهلين، قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إني ما أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة).

وعنه (ع) أيضاً: (إن زين العابدين (ع) بكى على أبيه أربعين سنة: صائما نهاره، قائما ليله.. فإذا حضر الإفطار جاءه غلامه بطعامه وشرابه، فيضعه بين يديه فيقول: كلْ يا مولاي!.. فيقول: قُتل ابن رسول الله جائعا!.. قتل ابن رسول الله عطشانا!.. فلا يزال يكرّر ذلك ويبكي حتى يبلّ طعامه من دموعه، ثم يمزج شرابه بدموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عزوجل).

وعليه، فإن الإمام (ع) كان له الحق أن يكون بكّاءً.. إن هذه الرقة في قلب الإمام رقة ولائية، وأضيف إلى ذلك الرقة التوحيدية.. وهنا نحن نفتخر بإمامنا زين العابدين أنه طار بجناحين!.. وهذا الذي نحب أن نوصله إلى قلوب الموالين.. إن المؤمن يطير بجناحين: جناح التوحيد أولاً، وجناح الولاية ثانياً.. نلاحظ أن الإمام زين العابدين (ص) عندما يصل الأمر إلى الإمام والولاية وهذه المعاني، فإنه يجسد هذه المعاني التي ذكرناها.. ولكن عندما يقف بين يدي الله عزوجل باكياً مناجياً، فإنه يعيش أعلى صور التوحيد.

ولا أستبعد أن لا تكون طريقة البكاء وشدة البكاء وغزارة الدمع، التي كانت لإمامنا زين العابدين (ع) في جوف الليل، عند مناجاة الله عزوجل، أقل من بكائه عندما كان يذكر مصائب أبيه سيد الشهداء (ع).. أعتقد أن دموع الخشوع والبكاء من خوف الله عزوجل، كانت مساوية في القوة والكمية وشدة التأثر، وهذا الذي نراه في مناجياته الخمسة عشرة.

من أبرز صفاته (ع):

نحن عندنا في مناسبات أهل البيت (ع) قاعدة معروفة: أننا نفرح لفرحهم، ونحزن لحزنهم.. ولكن من المناسب لو أننا نعمل بهذا الاقتراح، وهو: أن ننظر إلى كل إمام والصفة التي برزت فيه، ونحاول أن نقتدي بتلك الصفة، ونضيفها في حياتنا.

كل أئمتنا يكظمون الغيط، ولكن الإمام موسى بن جعفر، برزت فيه هذه الصفة؛ لأنه رأى ما يغيظه.. وكلهم مظهر الرضا، ولكن الأذى الذي تحمله الإمام الرضا (ص) كان أذى متميزاً.. الإمام الرضا (ع) رضي بقضاء الله وقدره، رضي بأن يجلس بجانب المأمون، وهو إمام زمانه، حامل مواريث الأنبياء وأسرار النبوة، ومع ذلك يسمى في عرف الناس أن هذا ولي عهد فلان، الذي هو دونه في كل شيء!.. إن هذا أذى نفسي!.. وينقل المحدث القمي في منتهى الآمال أنه: (كان إذا رجع يوم الجمعة من الجامع، وقد أصابه العرق والغبار رفع يديه وقال: اللهم!.. إن كان فرجي ممّا أنا فيه بالموت، فعجله لي الساعة.. ولم يزل مغموماً مكروباً إلى أن قبض صلوات الله عليه).. إن هذا العنوان كان يؤذي الإمام (ع) بما لا يوصف، بأن اسمه يضرب على سكة المسلمين -على النقد-، بعنوان ولي عهد فلان!..

وفي مناسبة إمامنا موسى بن جعفر (ع)، بالإضافة إلى إقامة احتفاله فرحاً، أو عزائه حزناً، وإطعام الطعام باسمه الشريف، وتقديم الهدايا في يوم ميلاده، وشد الرحال لزيارة مرقده الشريف…؛ لمَ لا نضيف إلى صفحة حياتنا صفة كظم الغيظ؟.. هذا الكظم لو دخل حياة أبنائنا وآبائنا وأزواجنا وزوجاتنا، لخفت المشاكل.. لأن سبب المشاكل الاجتماعية والأسرية، أن الإنسان يظهر غيظه وغضبه من دون حساب، وإذا بالحواجز والحدود تتوتر بين الطرفين.. لو كظم الإنسان غيظه، لدفع عالماً من البلايا من وجوده.

إمامنا زين العابدين (ع) ملقب: بالسجاد، وزين العابدين، وقرة عين الساجدين، وتاج البكائين.. فإذا كانت صفة البكائين صفة قد لا نوفق للتأسي بها.. لأن البكاء الشديد يحتاج إلى معرفة شديدة، وإلى انكشاف بعض الحجب، فأين نحن وهذا البكاء؟!.. لو تباكينا كنا في عافية، فكيف بالبكاء الشديد!..

ولكن من صفات إمامنا (ع)، أنه كان من الذين يأنسون بالسجود بين يدي الله عزوجل.. والحديث في هذا المجال حديث تخصصي، لا يمكن بيانه بكلمات.. ولكن إجمالاً: السجود له ظاهر وله باطن.. والفرق بين ظاهر السجود وباطن السجود، كالفرق بين الثرى والثريا!.. السجود الظاهري: أن يضع الإنسان مواضع السجود المعروفة على الأرض: الجبهة، واليدان، والركبتان، ورأسا الإبهامين.. ولكن واقع السجود أنه: معراج إلى الله عزوجل.. المؤمن في السجود ينتقل إلى عالم آخر.. ويكفي أن السجود وصف بهذا الوصف: عن الإمام الصادق (ع): (أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجدٌ باكٍ).

إذا كان السجود هو هذا الظاهر، فهذا الظاهر ما قيمته؟!.. أنت عندما تسجد، هل تقترب من الله عزوجل؟.. إذا كان رب العالمين وجوداً -أعوذ بالله- مادياً، وهذه الحركة مادية، نعم تقترب!.. كما تقترب من التربة في السجود، تقترب من الله عزوجل!.. ولكن إذا كان الله سبحانه وتعالى لا يؤين بأين، ولا يكيف بكيف؛ إذن، ما دور السجود في القرب إلى الله عزوجل؟.. هنالك حقيقة ما وراء السجود، تلك الحقيقة تجعلك تقترب من الله سبحانه وتعالى.. السجود الخاشع، السجود المعراجي، له أسراره.. والإنسان إذا أراد أن يصل إلى أسرار السجود، عليه أن يتقن الصلاة اليومية بشرطها وشروطها؛ لأن من أركان الصلاة السجود.. إن أتقنت الصلاة بكل أجزائها، فقد أتقنت السجود في الصلاة.. ومن أنس بالسجود في الصلاة، سيأنس بالسجود في غير الصلاة.

يقول أحد المؤمنين: إنه -في بعض الأوقات- يرى ما يشبه الوجع أو الألم في منطقة الجبهة، وكأنها لا تريد إلا السجود!.. كأن هذه الجبهة تقول: يا فلان ضعني على الأرض، أنا الآن أشتاق إلى السجود بين يدي الله عزوجل!.. ولا يخفى أن هذه الحالة ما حصلت في ليلة أو ليلتين، هنالك مجموعة من التراكمات العبادية والجهادية.. هذا عندما تضيق به الدنيا، فقط يبحث عن مكان ليسجد، وإذا به في السجود يصل إلى ما يصل، ويحل ما يحل من مشاكله!..

وعليه، في كل مناسبة ميلاد أو استشهاد إمام، انظروا إلى الصفة البارزة.. فمثلاً: في ولادة الإمام الجواد أو استشهاده، حاول أن تنظر: هل أنك أنت من مصاديق الإنسان الجواد؟.. وهل أنت تجود بما تزهد به؟.. أم أنك تنفق مما تحب؟.. وإلى آخره من المضامين.

سلوكه (ع) في التكافل الاجتماعي:

إن المصيبة وقعت في المدينة بعد استشهاد الإمام (ص)، حيث أن العوائل فقدت كفيلها فجأة، من دون سابق إنذار.. تنقل الروايات والتأريخ -هذا الذي وصل، وأما ما هو خفي، فالله أعلم- أنه لعل قرابة مئة عائلة في المدينة تفاجأت، أن الذي كان يتكفلها هو الإمام زين العابدين (ع).. ولا شك أن عمل الإمام (ع) هذا، يحتاج إلى مؤسسة!.. تلك الأيام ليست مثل هذه الأيام، الأمور ميسرة.. كيف يعيل إنسان مئة عائلة؟!.. والإمام مشغول بأعمال الإمامة، وبالدعاء في جوف الليل، وبتربية تلامذته.. كيف جمع الإمام (ع) بين الدعاء في جوف الليل، ومن المعلوم أن إعالة الفقراء والأيتام، ظرفه المناسب أيضاً جوف الليل؟!..

ومما ينقل عن الإمام (ع):

رأى الزهري علي بن الحسين (ع) ليلة باردة مطيرة، وعلى ظهره دقيق وهو يمشي، فقال: يا بن رسول الله ما هذا؟.. قال: أريد سفرا أعدّ له زاداً أحمله إلى موضع حريز، فقال الزهري: فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى.. قال: أنا أحمله عنك، فإني أرفعك عن حمله .. فقال علي بن الحسين (ع): لكني لا أرفع نفسي عما ينجيني في سفري، ويحسن ورودي على ما أرد عليه، أسألك بحق الله لما مضيت لحاجتك وتركتني .. فانصرف عنه، فلما كان بعد أيام قال له: يا بن رسول الله!.. لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً، قال: بلى يا زهري!.. ليس ما ظننت، ولكنه الموت وله أستعدّ، إنما الاستعداد للموت تجنّب الحرام، وبذل الندى في الخير.

سلوكه (ع) في الاهتمام بالصلاة:

قال الصادق (ع): (كان علي بن الحسين (ع) إذا حضر الصلاة اقشعرّ جلده، واصفرّ لونه، وارتعد كالسعفة).

ورُوي أيضاً: (أنه كان إذا قام إلى الصلاة تغيّر لونه، وأصابته رعدة، وحال أمره، فربما سأله عن حاله من لا يعرف أمره في ذلك، فيقول: إني أريد الوقوف بين يدي ملكٍ عظيم، وكان إذا وقف في الصلاة لم يشتغل بغيرها، ولم يسمع شيئا لشغله بالصلاة).

نلاحظ أن الإمام ما كان يخشع في صلاته فجأة، وإنما كان يتهيأ قبل الصلاة، لأنه يعلم أنه مقبل على لقاء استراتيجي مصيري، مع رب العالمين، فلابد له من التهيؤ.

وعليه، فإن هذا درس عملي لنا: أن الذي يريد الصلاة الخاشعة، لابد أن يتهيأ قبل الوقت.. البعض منا -مع الأسف- يؤخر صلاته بلا عذر، وبلا وجه وجيه إلى آخر الوقت، وهو يتوقع أن يصلي صلاة خاشعة!.. المؤمن قبل أن يؤذن المؤذن، وهو يعيش حالة الوجل والخوف.

وقد كان النبي -على ما ينقل-: يقول: (أبرد يا بلال)!.. البعض يقول: أن (أبرد) من البريد، أي عجل، لا تؤخر الأذان عن وقته.. والبعض يقول: أنها من البرْد، أي أطفئ نار الشوق إلى الله عزوجل.. أنا كرسول قلبي مشتعل نار، أريد أن أصلي!.. أرأيت عندما يغيب ابن عن أمه عشر سنوات، ما هي حالة هذه الأم؟.. إنك ترى في المطار عندما ينزل من الطائرة، الأم لا تحتمل صالة المنتظرين، وتريد أن تقتحم إلى ما وراء الحدود، لتصل إلى باب الطائرة؛ تريد أن تبرد غليل قلبها المشتعل ناراً، ولا تطيق أن تنتظر هذه الدقائق!.. هكذا كان النبي (ص).

فإن كنت تحب أن تستن بسنة النبي (ص)، فهذه سنته.. وإن كنت تحب أن تستن بسنة أمير المؤمنين (ع)، فهو وليد البيت وشهيد البيت.. وإن كنت تحب أن تستن بسنة الحسين (ع)، فانظر في يوم عاشوراء ماذا فعل وقت الزوال.. وإن كنت تحب أن تستن بسنة سيدتنا زينب (ع)، فمن المعلوم أنها في الليلة الحادية عشرة صلت صلاة ليلها وهي جالسة، لفَرْط ما أخذها الإعياء والجهد في يوم عاشوراء.. حتى يقال أن من وصايا الحسين (ع) لأخته زينب (ع)، أن لا تنساه في صلاة ليلها.. وإن كنت تريد الاستنان بإمامنا زين العابدين، فهذه سنته..

ما الفائدة أن أجلس الليلة إلى الصباح، وأسمع وأقرأ عن الإمام السجاد (ع)، وأبكي لمصابه، وثم صلاة الفجر غداً أصليها قضاء؟!.. إذن، أين التأسي بإمامنا السجاد (ع)؛ الذي كان كثير السجود، وكثير العبادة؟!..

من المعلوم أن بعض التجار عندما يعطى ثروة جيدة، أو يكتسب ربحاً مهماً، وهو يسكن في البلاد التي تؤخذ فيها الضرائب بدقة، أنه يفرح من ناحية، ويخاف من ناحية.. يفرح لأنه اكتسب اليوم ألف دينار، ولكنه يفكر في الضرائب، في أنه كم سيؤخذ منه بعد ذلك.. إن معرفة خط أهل البيت (ع) والولاية هي مزية، وضريبة في نفس الوقت.. قال الباقر (ع): (أبلغ شيعتنا أنه لن يُنال ما عند الله إلا بعمل، وأبلغ شيعتنا أنّ أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم يخالفه إلى غيره).. هو في مقام الكلام يذكر أن له أئمة كهذه الأئمة، ولكن في مقام العمل سلوكه اليومي ليس فقط لا يختلف عن غير الموالي، بل قد لا يختلف عن غير المسلم!.. إن هذا الإنسان ماذا ستكون حالته عندما يأتي في عرصات القيامة، وقد وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره؟!..

حكومة أئمتنا (ع) على القلوب:

صحيح، أن حكومتهم كانت منحصرة بسنوات قليلة، من حياة أمير المؤمنين (ع)، وشيء بسيط من حياة الإمام الحسن (ع)، وأما الإمام الرضا (ع) -كما قلنا- لم يكن حاكماً.. ولكن انظروا إلى سلطانهم في قلوب الرعية!.. كلنا يعرف قضية الفرزدق وهشام، عندما جاء في ذلك الموقف، وذكر الفرزدق تلك القصيدة الخالدة.. رحم الله هذا الشاعر، الذي سينال قطعاً شفاعة أوليائه!.. الفرزدق كان بمثابة فضائية تلك الأيام، وليس فضائية عادية، وإنما من أرقى الفضائيات، والدليل على ذلك أنه حتى أطفالنا هذه الأيام يحفظون قصيدته:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرم

فأي فضائية أعظم من هذه الفضائية؟!.. لقد بث برنامجاً منذ قرون، وهذه القصائد تتلى في مناسبات مختلفة!.. وهكذا، حكومة الحق على القلوب!.. وهذا من بركات دم الحسين (ع).. لولا دم سيد الشهداء، لما انبرى الفرزدق لوصف الإمام (ع) بهذا الوصف البليغ.

من أهم مآثره (ع):

– الصحيفة السجادية:

إن الإمام (ع) معروف بأدعيته، ومن أشهر ما أثر عنه (ع) في هذا المجال: الصحيفة السجادية.. ومن المعيب أن يكون الإنسان موالٍيا لأهل البيت (ع)، ولا يقرأ الصحيفة السجادية!.. ومن باب الجفاء لإمامنا زين العابدين (ع)، أن البعض لا يعرف من أدعية الإمام إلا المناجيات الخمسة عشرة، ودعاء أبي حمزة الثمالي!.. والحال بأنه -مثلاً- دعاء الجمعة من أجمل الأدعية المنسوبة له (ع).. والإنسان عندما يقرأ دعاء يوم الجمعة، ينتعش في ذلك اليوم.. فإن من منعشات يوم الجمعة، هذا الدعاء المفصل في يوم الجمعة!..

فهذا الطنطاوي -العالم الأزهري الكبير، صاحب التفسير المعروف، المتوفى في سنة 1358 هـ-، له عبارة جميلة، يقول: (ومن الشقاء إنّا إلى الآن لم نقف على هذا الأثر القيم الخالد، في مواريث النبوة وأهل البيت)!.. يتأسف على عمره، أنه لماذا لم يقرأ الصحيفة قبل هذه الفترة.. ثم يقول: (وإني كلما تأملتها، رأيتها فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق).. إن هذا الإنسان لا يتكلم من منطلق الحب الشديد للإمام زين العابدين (ع)، ومن منطلق الولاية، وأنه من أتباع هذا المذهب؛ وإنما هو إنسان منصف، قرأ الصحيفة السجادية، وأعطاها هذا الوصف.

إننا بكل قاطعية نقول: ليس تحت هذه السماء -تحت هذه القبة الزرقاء- مجموعة دعائية كالصحيفة السجادية!.. نعم، النبي (ص) أعظم من الإمام زين العابدين (ع).. النبي (ص) نبي الأئمة (ع)، والأئمة فخرهم أنهم أوصياء النبي (ص)، وأنهم خلفاء النبي (ص)، ومن المعلوم الفرق بين المستخلِف والمستخلَف والنسبة بينهما.. ولكن أدعية النبي (ص) متناثرة، لم تجمع بشكل جامع؛ أما أدعية الإمام أدعية متنوعة وجمعت.. ولاشك أنه لو جمع الجامع أدعية النبي (ص)، لكانت هي الأبلغ.. ولهذا نلاحظ أن باقي الأئمة أيضاً لهم صحائف، كالصحيفة المهدوية ولكنها أدعية مختصرة.. لكن أدعية الإمام زين العابدين (ع) متنوعة: للوالدين، والاستعاذة من الشيطان، وفي الفطر، وفي الأضحى، والمناجيات الخمسة عشرة… أي أنها في أبواب شتى، مما يجعلها في الصدارة.

– رسالة الحقوق:

ومن مآثر الإمام (ع) أيضاً: (رسالة الحقوق) التي تضمنت خمسين حقاً، يجب على الإنسان المؤمن رعايتها، والعمل في تأديتها.. والحق، إن هذه الرسالة من المفروض أن تعرض في هيئة الأمم المتحدة.. الإمام (ع) بعد أن ذكر حق إمام المسجد، والمؤذن، والأب، والأم، والإمام…-في آخر وصايا إمامنا زين العابدين (ع)- ذكر حق الذمي.. لو أننا طرحنا الإسلام من زاوية أهل البيت إلى العالم -هذا العالم الذي يخاف اليوم من العنف والإرهاب-، ماذا كان سيصير حال الأمم الأخرى؟.. نعم، هذا الذي في بلاد المسلمين ولم يقبل الإسلام، هذا له حق عليك.. يقول الإمام (ع): (وحقّ أهل الذمّة: أن تقبل منهم ما قبل الله عزّوجلّ، ولا تظلمهم ما وفوا لله عزّوجلّ بعهده).. أي أن رب العالمين أعطاهم حصانة، أعطاهم حماية في بلاد المسلمين.. إياك أن تتجاوز هذه الحماية، ما داموا أناسا مسالمين ويؤدون ما عليهم!..

مع الأسف، نحن فقط نعرف من إمامنا: العليل، والأغلال الجامعة، ومظهر الذل في طريقه (ع)!.. صحيح، هنالك مآسٍ وقعت على الإمام (ع)، ولكن ذلك كان في برهة زمنية، وهنالك أيضاً جوانب أخرى من حياة الإمام (ع)، لا بأس نذكر الجانب المأساوي إلى الجانب الجهادي والثقافي لإمامنا (ص).. ومن المعلوم أن رسالة الحقوق مشروحة في كتب؛ فعلماؤنا ما قصروا في إعطاء هذه الرسالة أبعادها.

وفي ختام الحديث من المناسب أن نتكلم عن موضوع يتعلق بالدعاء، وهو عن:

موجبات الاستجابة، وموانع الاستجابة، وكيف يتعامل الإنسان مع الدعاء الذي لا يستجاب:

أعتقد أن هذا البحث يهمنا جميعاً، باعتبار أن كل واحد منا لو يراجع نفسه بسرعة، فإنه إذا ما عنده عشر حوائج الآن مستعجلة، عنده على الأقل حاجة واحدة.. على الأقل يقول: أنا أخشى أن الله عزوجل غير راضٍ عني.. وهذا حقيقة شيء مخيف!.. إن الإنسان الذي يشك في رضا رئيس القسم عنه، فإنه يعيش دائماً حالة الوجل، لأنه يخشى تبعات ذلك: من حرمانه من الترقيات، واحتمال طرده من العمل، وخاصة إذا رأى بعض بوادر السخط من رئيسه أو من الوزير.. فكيف بإنسان يعيش في هذه الدنيا، وهو لا يدري أن الله عزوجل راضٍ عنه أم لا!.. لو جيء الآن بالقرآن الكريم وقيل للبعض: أتقسم بالقرآن الكريم أن الله عزوجل راضٍ عنك؟.. تراه يتردد، ولا يقطع، بل حتى أنه لا يطمئن، إذ هو يعيش حالة الشك في رضا الله تعالى عنه.. وهذه كارثة!..

إن المؤمن إذا لم تكن عنده أي حاجة مادية، فإن له ما يشغله وما يهمه، تراه يدعو ويقول -كما في دعاء عرفة-: اللهم إني أسألك: (حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، وإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني).. هذه الحاجة ما هي؟.. إنها رضا الله تعالى عن عبده.. وفي مناجاة الشعبانية يقول: (اِلـهي!.. ما أَظُنُّكَ تَرُدُّني في حاجَة، قَدْ أَفْنَيْتُ عُمْري في طَلَبَها مِنْكَ).. وكأن هذا الإنسان المؤمن يريد أن يقول: أنه أنا عندي حاجة إستراتيجية كبرى، وهذه الحوائج فرعية، سواء إن أعطيتني أو ما أعطيتني، فليس مهماً عندي، وإنما المهم هي حاجتي التي تنفعني في أبديتي.. فإذن، كل واحد له حوائج..

شروط الدعاء المستجاب:

إن الدعاء المستجاب ذكر في القرآن الكريم.. ومن المعلوم أن القرآن الكريم فيه لفتات عجيبة غريبة.. فقد ترى آية بحسب الظاهر عادية، ولكن عند التحليل والتأمل تخرج منها معاني غريبة.. من باب المثال نذكر عينة قرآنية، حتى نعرف أيضاً قيمة القرآن الكريم.. إن الدول -على اختلاف توجهاتها- قائمة على ثلاث قوى: القوة التنفيذية -المتمثلة بالحكومة-، والقوة الفضائية، والقوة التشريعية.. فإن هذا تقسيم فطري، وإن الدول من قديم الأيام إلى الآن، تعيش هذا التقسيم الطبيعي.. نلاحظ في القرآن الكريم أنه عندما يذكر سلطنة الأنبياء، يقول تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}..

{وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ}: إشارة إلى التنفيذ المحكم.

{وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ}: إشارة إلى التشريع الحكيم.

{وَفَصْلَ الْخِطَابِ}: إشارة إلى القوة القضائية، عند وجود ما يتنازع عليه.

المقصود أنها آية قصيرة، ولكن انظروا إلى اللفتات!..

قال تعالى بالنسبة للدعاء: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.. كلمة {ادْعُونِي} فيها شرائط الدعاء المستجاب.. وليس بين ادعوني وأستجب، أي شيء آخر.. ما قال: ادعوني في المسجد.. ما قال: ادعوني عند بيتي.. ما قال: ادعوني في ليلة القدر.. ولو كان هنالك قيد آخر، لذكره القرآن الكريم، لأن المقام مقام بيان.. نلاحظ في هذه الكلمة: {ادْعُونِي} شرطين أساسيين:

أولاً: أن نعيش حالة الدعاء:

إن الإنسان الداعي، إنسان يطلب شيئاً.. فإذن، هنالك طلب، والطلب هل هو من صفات اللسان، أو من صفات القلب؟.. إن الطلب من صفات القلب.. والقلب متى يطلب؟.. إن القلب يطلب عندما ينكسر، ويعيش المسكنة والحاجة.. أرأيت فقيراً يقول: أعطني مالاً، ووجهه مكفهر، ويأمرك!.. لا شك في أنك ستستنكر عليه هذا الفعل، أنه إنسان فقير، ويتشرط!.. وتقول: لتكن إنساناً مؤدباً في الطلب!.. وعندما نكتب كتاباً إلى الوزير، نكتب: (نلتمس منكم أن تقضي لنا تلك الحاجة).. إذن، نحن هكذا نطلب من بعضنا بعضاً.. وكذلك الدعاء، إن معنى: ادعُ.. أي اطلبْ الدعاء بانكسار.. وإلا لو أن إنساناً يضع رجلاً على رجل، ولعل بيده سيجارة، ويقرأ دعاء كميل، أهذا طلب؟!.. إن هذا ليس طلباً، وإنما هذا قراءة الطلب، ومن الواضح أن قراءة الطلب شيء، والطلب شيء آخر.. حتى يقال في عقد الزواج أنه عندما يأتي العالم ويقول للرجل: (زوجتك موكلتي فلانة)، أن عليه أن ينتبه لمّا يقول: (قبلت التزويج)، لا فقط على نحو اللفظ، بل على نحو أن يعيش حالة القبول في نفسه.. فإن قال لاهياً: (قبلت التزويج)، فهذا العقد باطل، لأنه ما قبل شيئاً، وإنما قال: (قبلت التزويج)!.. ولفظة (قبلت التزويج) شيء، وقبول التزويج شيء آخر.

إذن، {ادْعُونِي}: أي اطلب مني الدعاء.

ثم إن الدعاء له آداب.. إن الإنسان الداعي يعيش حالة المثول بين يدي الله عزوجل.. ومن هنا ينبغي مراعاة الهيئة أثناء الدعاء، وذلك بأن يكون جلوسه مؤدبا، وفي جهة القبلة، وأن يكون متطيباً، وفي ملابس لائقة.. رأيت بعض الإخوان وهو في حال الطواف يطوف بملابس داخلية -سروال طويل وقميص-؛ فهل هذه هيئة الطائف؟!.. إنسان يدعو وهو بهذه الحالة!.. والبعض يسأل: أنه هل يجوز أن أصلي صلاة الصبح بملابس داخلية قصيرة؟.. الجواب: يجوز.. ولكن هل هذا هو الأدب؟!..

إن إمامنا الحسين (ع) -الذي ذبح يوم عاشوراء- خلوده أنه صاحب دعاء عرفة، هذا الدعاء العظيم.. وكما يُروى عنه أنه (ع) عندما قرأ دعاء عرفة، كان يبكي وعيونه كأفواه القرب من البكاء.. وكان الإمام يمد يديه، ويستطعم كما يستطعم المسكين.. إن الإمام (ع) يدعو الله عزوجل، ولكن دعوة المسكين، دعوة المستطعم.. أرأيت إنساناً جائعاً، ويوشك أن يموت من الجوع، يقول: يا فلان أعطني خبزاً!.. أم تراه يقبل رجليه وقدميه، ويقول: أعطني خبزاً، سوف أموت من الجوع!.. إذن، الإنسان الداعي إنسان مؤدب.

ثانياً: معرفة من ندعو:

وهذا الشرط بُين بحرف وهو (الياء) في قوله تعالى: {ادْعُونِي}.. نحن هل نعرف الله عزوجل؟.. إن الإنسان عندما يخاطب الله عزوجل ويقول: يا الله!.. فهل عنده معرفة في أولى درجات المعرفة؟.. نحن لا نعني تلك المعرفة التي في قلب أمير المؤمنين (ع).. فعلى الأقل معرفة إجمالية، تجعل الإنسان عندما يخاطب الله عزوجل في الدعاء، قائلاً: (يا الله، أعطني حاجتي)!.. لا يخاطب جهة مجهولة، وإنما يعرف من يخاطب.. من اللازم أن يعرف الله إجمالاً: بجلاله، وجماله، وقدرته، ووحدانيته.. وقد ورد في الحديث: (ما عبدناك حق عبادتك، وما عرفناك حق معرفتك).. ثم إن الإنسان الذي يعرف المنعم ألا يحبه؟..

لو أن إنساناً طوال خمسين سنة، يجعل في حسابك حوالة مجهولة، قيمتها: ألف دينار.. فإذا اكتشفت أن هذا الدافع هو فلان الفلاني ألا تحبه؟.. نعم، تحبه لأنه منعم.. الآن اكتشفت أنه منعم، فتحبه؛ بل أن حبك يزداد له، لأنه منعم طول هذه المدة، وما منَّ عليك بإنعامه.

نحن عندما كنا في عالم الأجنة، ما كنا نعرف الله عزوجل.. ثم بعد ذلك في عالم الطفولة، كنا أطفالاً، أيضاً ما عرفنا الله عزوجل.. وإنما ما عرفناه إلا بعد البلوغ.. والبعض إلى هذا السن، وما عرف الله عزوجل بعنوان المنعمية.. فلما عرفناه في سن العشرين والثلاثين والأربعين، فالإنسان ألا يزداد حباً له، أنه أنعم عليه هذه السنوات بهذه النعمة الكبرى، وما أعطاه حقه؟..

فإذن، إن الإنسان الذي يعرف الله عزوجل، فإن هذه المعرفة الإجمالية، ثمرتها الحب الإجمالي، وبذلك فإنه لو دعا، فإن الإجابة قطعية.

إن البعض قد يستشكل، ويقول: إن الإنسان قد يكون من الصالحين، ويدعو بمعرفة واستكانة ومحبة، وفي مواطن الإجابة: كقبة الحسين (ع)، أو عند الحطيم… أي هو يجمع كل شرائط استجابة الدعاء، ولكن لا تستجاب دعوته.. فلماذا؟..

الجواب: إن الله عزوجل قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، أي ما وعد بإعطاء الحاجة.. {أَسْتَجِبْ لَكُمْ}: أي أن الملف قبل عند رب العالمين، ثم الأمر بعد ذلك له عزوجل، فإنه تعالى الأعلم بالمصالح.. قد يرى بحكمته أن يعجل الاستجابة، أو يؤخرها إلى حين، أو يدخرها له لتلك الساعة في عرصات القيامة، حيث يكون فيها أحوج ما يكون إلى الاستجابة.. ولهذا ورد في مضمون بعض الروايات: أن العبد عندما يرى سعة رحمة الله تعالى، وعظيم جزائه وتعويضاته، يتمنى أنه لو لم تستجب له دعوة واحدة في الدنيا.. فمثلاً: إنسان في الدنيا كان في ضائقة، مديون بألف دينار مثلاً، فسأل الله عزوجل، فاستجاب له وفك ضائقته.. في يوم القيامة هذا الإنسان عندما يقال له: إن هذا الثواب: ألف قصر، وفي كل قصر فيه ألف حورية، كان سيعطى لك، لو لم تعطَ الألف دينار في الدنيا.. فيقول: يا رب، ليتك لم تعطني هذا المال، وأعطيتني هذا النعيم!.. فيتحسر على ذلك.

وعليه، فإن المؤمن لا يرى أن له حاجة غير مستجابة، وإنما كل الحوائج مقضية بهذا المعنى الذي ذكرناه.. فينبغي للإنسان أن يوسع دائرة الرجاء عنده، في دعائه لربه، غير مكترث بالاستجابة المعجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى