زاد السفـر الأبديكيف نتعامل مع البرزخ والقيامة ؟

الوصول إلى القلب السليم

الجوهرة الإلهية :

إن حديثنا هو عن تلك الجوهرة التي إذا حصلنا عليها، فإننا سنكون في عرصات القيامة على ألف خير، وستفتح لنا الأبواب.. ومن المعلوم بأن الصراط الذي يمر عليه المؤمن في يوم القيامة، صراط دقيق، وحاد، ومخيف؛ فالمؤمن ينظر إلى أسفله فيرى العذاب، ويرى أمامه الجنة فيشتاق إلى الجنة، فيعيش حالة من حالات الترقب والخوف.. ففي ذلك الموقف الرهيب، إن الذي ينفع الإنسان هو ما ذكره القرآن الكريم بكل وضوح، في قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.. لنلاحظ قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ}.. في البلاغة: النكرة في سياق النفي، يفيد العموم.. ما قال: لا ينفع المال الحرام مثلاً.. ما قال: لا ينفع المال من السحت.. وإنما جعل القول مطلقاً.. ومعنى ذلك: أن أي مال هو لا يفيد.. قد يقول قائل: إذن، أين الخيرات؟!.. أين الصدقات؟!.. أين الأخماس؟!.. أين الزكوات؟!..

الجواب: بأن ذلك يعود إلى القلب السليم.. فإذا وجد القلب السليم، فإن هذه الإنفاقات يصبح لها معنى.. إن القلب السليم بمثابة التوقيع الذي يوقعه صاحب إدارة البنك المركزي على الورقة النقدية.. حيث أن هذه الورقة النقدية ليست لها أي قيمة، ولكن البنك عندما يوقع على الورقة النقدية، فإنه يصبح لها قيمة.. فإذن، عاد الأمر إلى الإمضاء.

إن الذي يطمح في بلوغ درجة القلب السليم -هذا المقام العالي-؛ لابد أولاً أن يتعرف على جزئيات هذا القلب.. إن القلب أو الروح في وجود الإنسان، ليس وجوداً بسيطاً، ساذجاً، غير مركب.. نحن نرى في وجودنا نزاعاً: هنالك جهة تراقِب، وهنالك جهة تراقَب.. هنالك جهة تلوم، وهنالك جهة تلام.. فما الذي يحصل في داخلنا؟.. أنا لست وجوداً واحداً، ولست روحاً واحدة.. هناك صراع في جوفي؛ هناك من يقول لي: افعل.. وهناك من يقول لي: لا تفعل.. هناك من يقول: افعل -لا عليك- هذه اللذة نقدية، وأما الحساب والعقاب أمر مؤجل!.. ومن يقول: العاقل لا يبيع العاجل بالمؤجل!.. ولهذا عندما يخالف هذا النداء المبارك، فإنه يعيش أيضاً وخز وألم الضمير.. فهذا الضمير أين موقعه من الإعراب؟.. والنفس اللوامة هل من الممكن أن تجتمع مع النفس المطمئنة؟.. نحن ننظر إلى جهة في النفس فنراها مطمئنة، وننظر إلى جهة أخرى نراها لوامة.. فهذه أبحاث معقدة في هذا المجال.

ومن هنا فإن المؤمن الذي يهمه أمر نفسه، لابد وأن يقرأ ويتأمل.. فقسم من هذه الأمور يأتي من باب القراءة المتأملة في الكتب التي ألفت في هذا المجال.. وينبغي أخذ الحذر، ومراعاة الدقة في الانتقاء؛ لأن ما يقوله البعض في هذا المجال قسم منه تكهن، وقسم منه حدس، لا يستند إلى دليل واضح.. ولكن الذي يمكن أن نستند إليه بكل قاطعية، هو ما جاء من خلال الكتاب والسنة.

فإذن، بإمكان الإنسان من خلال القراءة في الكتب، وما ورد في الكتاب والسنة؛ أن يحيط بشيء من أسرار هذه الروح، وإن كان أمر الروح أمرا غريبا عجيبا ولا يمكن دركه!.. ومن هنا نلاحظ في القرآن الكريم أنه يجيب على أسئلة كثيرة؛ فمثلاً: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ}، فالقرآن يجيب.. ويُسأل النبي (ص) عن قضايا كثيرة -كما في القرآن الكريم-، فيجيب.. ولكن عندما يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ}؛ يأتي الجواب: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}.. يبدو -والله العالم- أن استيعاب حقيقة الروح وأسرار الروح، أمر معقد جداً.. ولهذا يقول العلماء: أن من حصل على ذلك العلم، حصل عليه.. فهذا العلم يأتي من جهة، ويأتي بشكل خاص.. والبعض يكشف له الغطاء عن نفسه، وما يحصل عليه من معلومات، لا يمكن نقلها إلى الغير، يبدو أنها معلومات خاصة.. مثلها كمثل جهاز فيه برامج خاصة به، ولا يمكن تحميلها في باقي الأجهزة.

إن انكشاف الباطن المعنوي للإنسان، من أكبر النعم الإلهية.. ولهذا ورد في الحديث المعروف أن: (من عرف نفسه، فقد عرف ربه)؛ لأن هذه النفس جوهرة.. جوهرة من الله عزوجل جاءت مباشرة.. ويمكن القول: بأن سقف الوجود، هي الروح الإنسانية، والذي بعد هذا السقف هو الوجود اللامحدود وواجب الوجود، فهي أقرب الأشياء إلى رب العالمين.. ومن هنا يفهم معنى قوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}، أنه إشارة إلى شدة التجاذب فيما بينهما.. وعليه، فإن معرفة النفس تأتي من قناة التأمل، والإعانة الإلهية في هذا المجال.

قواعد مهمة لتحقيق القلب السليم :

قاعدة الترقيق :
إن الله سبحانه وتعالى عندما خلق آدم، كان على هيئة الطين والصلصال، ونفخ فيه الروح؛ أي أن هذه اللطيفة الربانية ممتزجة مع البدن.. ولكن كيف؟.. وفي أي زاوية؟.. وفي أي جزء؟.. نحن لا نعلم، ولكن لا شك أن هذه الروح لما نفخت في بني آدم، أصبحت أسيرة لعوالم الدنيا، وعلى رأس عناصر هذه الدنيا عنصران، وهما -كما نفهمه من قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}-:

الأول: عنصر الشهوة: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ}.. فأساس الفساد هو الشهوات.. ولا خلاف في أن الشهوة ضمن الشريعة، هي شهوة منتجة؛ فالإنسان يتكاثر على وجه الأرض، وهذا من بركات الشهوة المحللة.. ولكن السفاح والزنا وغيرها من الكوارث الأخلاقية، هي من الشهوة في القنوات غير المحللة.

والثاني: الغضب: {وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}.. فسفك الدم من آثار عنصر الغضب في وجود الإنسان.

فإذن، إن هذه الروح الشفافة اللطيفة، وهذا العنصر النظيف، تلوث بعوارض الوجود -كما قلنا-: عوارض الشهوة والغضب.. ومن هنا فإن أول خطوة في مجال كسب الروح كمالها المناسب، هي: إزالة هذه العوائق.. وللتقريب نضرب هذا المثال:

من المعلوم أن حجر العقيق أو الفيروزج عندما يؤخذ من الجبل، لا يجعل مباشرة فصاً للخاتم، وإنما لابد أن ينحت وتزال عنه الأحجار التي لا قيمة لها، حتى يستخرج الفص، ويصبح في اليد.. وعليه، فالذي يريد أن يعطي الروح القابلية، لتلقي الفيض من عالم الغيب، لابد له من تنقية هذه الروح.. ولكن كيف تكون التنقية؟..

إن البعض وجدوا أن أفضل طريق لتنقية الروح، هو: القضاء على متطلبات الوجود الإنساني، ومعاكسة الوجود.. وهذا الذي رأيناه في البلاد التي فيها الرياضات البدنية.. فنرى قوما هم من حيث الاعتقاد كالبهائم؛ ولكن من حيث القوة الروحانية، والقدرة، تكاد تكون حركتهم شبيهة بحركة الملائكة!.. والبعض منهم يعيش في قذارته المادية، ولكن بعينه، وبيده، يعمل الأعاجيب!.. هؤلاء رأوا أن من الطرق إلى كمال النفس وكمال الروح، سحق البدن وسحق متطلبات البدن؛ سواءً من خلال التجويع، أو من خلال التعذيب، أو من خلال النوم على سرير من المسامير، وغيره في هذا المجال.. والغريب أن هؤلاء يصلون إلى درجات ملفتة.. وهذا مما يجعل البعض يتحير في التمييز بين الكرامة وبين فعل هؤلاء.

إن رب العالمين كأنه أراد أن يفهمنا أن هذه طاقة الروح، وأنه جعل للروح خاصية، وهي: أن الذي يسلك سلوك مخالفة الطبع؛ تتفجر طاقته الروحية، ويفعل الأعاجيب.. أي أن الإنسان لو يخالف متطلبات طبعه، ولو في غير دائرة الحلال، ولو في دين منحرف، فإنه يصل إلى طاقته الروحية.. إن هذه خاصية للروح.. فالانفلاق مثلاً خاصية للذرة، فحتى الكافر لو يأتي ويفلق الذرة، فإنه ينفلق منها ما ينفلق.. وهذه طريقة رفضها الإسلام رفضاً كاملاً، وبتعابير مختلفة؛ لأن هذا الأمر فيه إلقاء في التهلكة، وفيه ما فيه من الأمور المنافية للشريعة.

وهناك قوم سلكوا طريق الرهبان الذين ادّعوا الانتماء إلى المسيح قبل الإسلام.. وهؤلاء طريقتهم أنهم لم يمارسوا التعذيب، ولكن توجهوا إلى عالم الغيب، وأهملوا الجانب الدنيوي.. ولهذا ذهبوا إلى الأديرة، لا حياة زوجية، ولا أولاد، ولا تناسل.. حتى لعله تركوا الجهاد في سبيل الله، لأن الجهاد عندهم حركة مادية، فلابد من القتال ومن مواجهة الناس، وهؤلاء كانوا يرون أن مواجهة الناس من أصله أمر مرفوض.. وهذا أيضاً طريق منحرف في هذا المجال.

فنلاحظ أن الصنف الأول سلكوا طريق معاندة متطلبات الطبع البشري، وأما الصنف الثاني فأرادوا أن يخففوا على أنفسهم، فتركوا بعض المتطلبات الأساسية في الحياة.. ولكن جاءت الشريعة الخاتمة وجعلت كل هذه الطاقات والقوى في طريق الشرع، وهذا هو الحل العملي.. وبهذا الكلام نسد على الشيطان باباً كبيراً؛ لأنه يحاول جهده تثبيط همم الذين يحبون شيئاً من التكامل والخروج عن مألوف الناس، موسوساً لهم بأن الذي يسلك هذا الطريق، عليه أن يعيش من الآن حياة لا لذة فيها، ولا سرور فيها، ولا متعة فيها؛ فيصده عن السبيل.

فالرد على إبليس اللعين وجماعته أن تقول له: أنه أنا أستمتع بكل ما أحله الله عزوجل، ولكن في الجو العام من الذكر.. ولك أن تنظر: أيهما أفضل: إنسان يعاقب نفسه بأن لا يأكل اليوم طعام الغداء، من باب الطريقة الكذائية طرق الهند وغيرها؛ وبين إنسان يأكل الطعام، ويسمي قبل الطعام، ويحمد ربه بعد الطعام، ويدعو بالدعاء المأثور بعد الطعام؟.. أهذا الإنسان أقرب إلى الله عزوجل، أو ذلك الذي عاقب نفسه بعدم الأكل؟.. والذي يتودد إلى زوجته، عندما يأتي للمنزل، ويدخل عليها السرور، ويدخل عليها الحبور، ويعطيها ما تريد؛ أهذا أقرب عند الله، أو ذلك الذي يعتزل النساء من أصلهن؟..

ولهذا عندما دخل الإمام أمير المؤمنين (ع) على ذلك العابد الزاهد الذي تخلى من الدنيا، قال له: (يا عُديّ نفسه!.. لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك، أترى الله أحلّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟.. أنت أهون على الله من ذلك).

فإذن، الحل أن نخفف العلاقة بين الروح والبدن أولاً.. فإن الاسترسال في الشهوات والاسترسال في الملذات، أيضاً قضية مرفوضة في الدين.. ومن هنا جاءت الشريعة لتعودنا على تحمل الأذى البدني، من خلال تحمل بعض المشقة في العبادات، كما في شهر رمضان.. فأقرب الشهوات إلى الوجود: البطن والنساء، وكلاهما ممنوعان في نهار شهر رمضان.

إن الترقيق هي السياسة الشرعية المناسبة في هذا المجال، لنصل إلى عالم المماثلة.. إن الإنسان عندما يرقق الروح، عندئذ هذه النفس تصفو، وتصبح أهلاً لتلقي الفيوضات الإلهية.. لتقريب المعنى لنلاحظ هذا المثال المعروف:

إن أشعة الشمس ساطعة، تسطع على كل شيء: النبات المحجوب، والنبات غير المحجوب.. ولكن النبات الذي ليس عليه ساتر، يتلقى ضوء الشمس؛ وأما النبات الذي يجعل في مكان مظلم، فإنه يحرم من ذلك الضوء.. إن أشعة الشمس ساطعة على الجميع.. ولا يعني عدم وصول طاقتها إلى النبات المحجوب، أنه تقصير من الشمس، أو عيب فيها، أو أن طاقتها قليلة، فلا نعرض النباتات كلها للشمس، لئلا تقل طاقتها!..

إن الشمس الإلهية ساطعة، ولكن علينا أن نعرض أنفسنا لهذه الشمس، بإزالة الحجب والموانع.. فالمشكلة في أننا لم نتعرض.. فإذا تعرضنا، تم التفاعل.. إننا عندما نخرج الشيء من الظلمة إلى النور، فالأمر لا يحتاج إلى معاملة أنه: أيتها الشمس!.. اعرفي وثقي بأنني أنا خرجت من الغرفة المظلمة، فرجاءً تفضلي علي بالشعاع!.. الشمس تضحك عليك، وتقول: أنت بمجرد أن خرجت من الظلمة، وإذا بأشعتي سطعت عليك، من دون أن تطلب.. إن الإنسان الذي يترقى في هذا المجال، حتى لو ما طلب من الله تعالى المقامات العالية، فإنه يعطى ذلك.

إن البعض منا -مع الأسف- يذهب للمشاهد المشرفة، أو يذهب إلى العمرة والحج، ويطلب من الله عزوجل بعض الدرجات الروحية، ويقرأ مناجاة الإمام أمير المؤمنين في الشعبانية: (إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك)!.. ويقول يا رب أين الاستجابة؟!.. دعوتك عند أمير المؤمنين (ع) بمناجاة أمير المؤمنين (ع)، ولكن لم أسمع جواباً!.. إن القضية ليست بهذه البساطة!.. أنت عندما تخفف القيود والتعلق بعالم المادة، فإن الانقطاع قهري.. وحتى لو ما سألت، فإنك تعطى هذه الهبة من قبل الله عزوجل.. ومن هنا قالوا: إن الكريم إذا رأى مادة قابلة للفيض وما منحها الفيض، فهذا نقص في جانب الكريم أو الحكيم.. إن رب العالمين كريم حكيم، وإذا رأى مادة قابلة للفيض، أعطاها هذه الفيوضات.

فالأمر -إذن- بيده تعالى وكرمه ولطفه، وإلا لو ترك الإنسان بحسب القوانين الطبيعية، فإنه لا يصل إلى شيء.. وأقرب مثال ما نلاحظه في حياة المسلمين الذين عاشوا في الجاهلية.. حيث أن أحدهم كان يسلم وعمره خمسون سنة، أي خمسون سنة في الجاهلية، خمسون سنة في عبادة الأصنام والوأد وما شابه؛ وإذا به يصبح من العناصر المتميزة في الإسلام!.. والبعض منهم يقاتل ويقتل في سبيل الله، فينال درجة الشهداء.. إن رب العالمين كان بالإمكان أن يقول: هذا التأريخ الجاهلي ماذا يمسحه؟.. وكان بالإمكان أن يعطيه درجات في الجنة على أنه أسلم، والإسلام يجبّ ما قبله، فيكفي أن يموت على الإسلام.. ولكن نلاحظ بأن الله عزوجل، أعطاهم من الدرجات ما أعطاهم.

ومن هنا فنحن نعتقد بأن ما وصل إليه أولياء الله، إنما كان سببه اللطف الإلهي، والجذبة إلهية.. أمثال الحر الذي ما بذل جهداً بليغاً في هذا المجال.. بذل جهدا سويعات، وإذا به يصل إلى درجة الحسين (ع) وأصحابه.. ولا نستبعد أبداً أن يكون الحر في نفس درجة الشهداء في يوم عاشوراء، والشهداء في درجة الحسين (ع)؛ وهم أصحابه في الدنيا، وفي البرزخ، وفي القيامة.

إن الرب المتعال هو الذي إذا أراد أن يفتح الباب، فإنه يفتح الباب في ليلة.. ومن هنا ينبغي لأصحاب المجاهدة عدم اليأس.. لأن الشيطان أيضاً يدخل على الخط هنا، ويثبط الهمم.. ويتفق هذا كثيراً: أن إنسانا بعد سنوات من التعبد، ومن التقوى، لأنه لا يرى شيئاً من علائم عالم الغيب، فيصاب بحالة من الانتكاسة.

وهذه ملاحظة مهمة في هذا المجال:

إن شأن الفيوضات المعنوية، كشأن تفجر الأنهار من الصخرة التي تطرق عليها طرقات.. أنت ضربت ألف طرقة، والآن الحجر مستعد لأن يتفجر ينابيع، ولكن تبخل بالضربة الأخيرة، فتحرم نفسك البركات.. إن الشيطان ينظر إليك، ينظر إلى صخرة النفس، كلما رآها قريب التشقق وانفجار الينابيع الجارية، يأخذ على يدك بكل الوسائل، ليمنعك.. والعاقل ينتبه لهذه الضربات الأخيرة.. ومنها ليالي القدر.. لعل ما تكتسبه طوال السنة، تكون الضربة المباركة في ليلة القدر.. ولكن الإنسان في تلك الليلة قد يتقاعس، فلا يضرب تلك الضربة التي تفجر له الينابيع.

قاعدة الإحراق :

إن البعض من الممكن أن يقول: إن هذا الكلام كلام قد يفيد البعض، الذي يمكنه العمل بما نقول.. والرد على هذا الكلام: لو أن إنساناً في هذه السنة لا ينوي الحج، لماذا تذكر له مناسك الحج؟.. لماذا تعلمه كيفية الذهاب إلى الحج؟.. هو في هذه السنة غير مستطيع، ولكن هو ناوٍ للحج في سنة من السنوات، فالكلام ينفعه في ذلك الوقت.

وعليه، فإن هذا الكلام بمثابة تعلم أحكام الحج، ولو لغير المستطيع.. أنت الآن إنسان غير مستطيع بحسب ما أنت فيه من الطاقات والقابليات، ولكن لماذا اليأس من رحمة الله تعالى؟!.. الذين يذهبون إلى الحج قسم منهم من الفقراء، ولكن بالكد والسعي صار مستطيعاً.

قال أمير المؤمنين (ع): حبّ الله نار لا يمرّ على شيء إلا احترق، ونور الله لا يطّلع على شيء إلا أضاء، وسحاب الله ما يظهر من تحته شيء إلا غطاه، وريح الله ما تهب في شيء إلا حركته، وماء الله يحيا به كل شيء، وأرض الله ينبت منها كل شيء، فمن أحبّ الله أعطاه كل شيء من المال والملك.

ما معنى: (حبّ الله نار لا يمرّ على شيء إلا احترق)؟..

من المعلوم أن الاحتراق عملية سلبية.. فمثلاً: هناك بيت يستفاد منه، وعندما يقال بأنه احترق، يفهم أنه أصابته آفة حالت دون الاستفادة.. ولكن ليس كل احتراق له معنى سلبي، فمثلاً: الاحتراق الذي يكون في السيارة، هذا الاحتراق أمر مبارك، ولولا الاحتراق لما وجدت الحركة في عالم السير.

إن الذي نفهمه نحن من معنى الاحتراق في هذا المجال: أن نور الله عزوجل إذا سطع على وجود، جعله متجانساً وعلى حد سواء.. لو أن بستاناً فيه أشجار مختلفة: شجر برتقال، وتفاح، وموز…؛ واحترق هذا البستان، فإن كل الأشجار تحولت إلى فحم -والفحم مادة كربونية بسيطة-؛ وفقدت هويتها.. فقبل الاحتراق شجرة البرتقال كانت تنادي، وتقول -بلسان حالها-: أنا برتقالة، أما الآن فتقول: أنا فحم لوني أسود، ولا خاصية لي إلا خاصية واحدة.. وهكذا، فالأشجار كلها تقول بلسان حالها: إننا أصبحنا بلون واحد.

إن المؤمن إذا احترق بهذه النار، فإن وجوده يصبح وجوداً متجانساً في كل مراحل الحياة.. إن هذا الذي يشتكي منه الناس جميعاً: أنهم في شهر رمضان متألقون، وفي الحج متميزون، وفي شهر محرم حسينيون، ولكن بعد ذلك تُفقد كل هذه المكاسب، لماذا؟.. لأنه لم نحترق.. وإلا لو احترقنا، لكانت الأيام كلها على حد سواء.

ومن المناسب هنا ذكر هذه المقولة لأحد الحكماء، يقول: (واعلم أن الأشياء متساوية المثول بين يديه تعالى).. أي نسبتك أنت إلى الله عزوجل في عالم التكوين، كنسبة أعدى الأعداء، وأفسق الفسقة في عالم التكوين.. في يوم عاشوراء الذي كان على صدر الحسين (ع) والحسين (ع)، في عالم التكوين وفي عالم الخلقة نسبتهما إلى الله سواء.. نعم، القاتل والمقتول نسبتهما إلى الله تعالى في عالم التكوين واحدة.. كلاهما مخلوقان: هذا مخلوق، وهذا مخلوق.. وأما الصفات الأخرى: هذا مخلوق إمام، وهذا مخلوق من أشقى الخلق؛ فهي مسألة ثانية.

إن الذي ينظر إلى الوجود بهذه النظرة، وإلى الأيام بهذه النظرة؛ ما الفارق عنده بين ليلة القدر، وبين الليلة الأولى من شهر ربيع الأول مثلاً؟.. الليالي كلها أزمنة بين يدي الله عزوجل، وكذلك الأماكن.. أنا عندما أرى بعض الأخوة وأريد أن اختبره، أقول له: يا فلان، مشاعرك تختلف من مكة إلى غير مكة ؟.. أنت في المشهد وعند الضريح كيف تعيش من مشاعر؟.. إن خرجت من الضريح إلى خارج الحرم، ومن الحرم إلى المنزل، ومن المنزل إلى الوطن؛ هل تعيش حالة تغير؟.. فإن قال: نعم؛ نعلم من ذلك أن هذا الإنسان لا يعيش المثول الإلهي.

رأيت أحدهم من الذين صفت أنفسهم، وزكا عملهم، قلت له: أنت عندما تذهب لزيارة الرضا (ع)، ماذا تعمل، هل تذهب إلى الضريح مثلاً؟.. فقال: لا، ليست لي حاجة، لا أذهب إلى الضريح.. وفهمت من معنى كلامه: أن هذا الحرم هو عنده كله جو واحد.. بل قال لي: أنا حالي في المنزل، كحالي في الحرم.. ليس هنالك فرق جوهري.. وإن كان هنالك بعض الفيوضات الخاصة في أماكن الطاعة.. طبعاً، لا يخفى أيضاً أن الأماكن لها قدسية.. ولكن أصل حالة الإقبال والتوجه موجودة.. بمثابة إنسان ورد على القصر الملكي، وهو تارة جالس بجوار الملك، وتارة على بعد مسافة، وتارة في الغرفة المجاورة.. وإن اختلفت الأماكن، فهو لازال في ضيافة الملك، ويعيش وجود الملك بكل وجوده.

فإذن، من الأمور التي تجعل الإنسان يعيش نمطاً واحداً في الحياة، من حيث الزمان، ومن حيث المكان، ومن حيث الأشخاص؛ أن يغير نظرته في الحياة.. ما الذي يجعل الإنسان تختلف علاقته مع زوجته بعد فترة من أول أيام زواجهما؟.. لماذا هذا الذي نراه هذه الأيام في الشباب، ففي أول أيام زواجهم حالاتهم تتبدل؟.. تراه يقدم على الزواج بدوافع غريزية، وتنطفئ هذه النار، فينظر إلى المرأة على أنها قطعة من أثاث البيت؛ لماذا؟.. لأنه من الأصل ما نظر إلى الوجود، تلك النظرة المتكاملة، وهو: أن كل من في هذا الوجود يرمز إلى الله عزوجل، فكيف إذا كان عبداً صالحاً مؤمناً.

قد يقول قائل: إن الذي يعيش قاعدة الإحراق لا يستلذ بالوجود، لأن الوجود لون واحد.. ولكن خفي عليه أن الله عزوجل يتجلى له في كل يوم مرات ومرات!.. حتى يقول بعضهم هذه العبارة -وإن كانت هذه العبارة لا تفهم إلا من قبلهم-: لا تكرار في التجلي!.. التجلي الإلهي في هذا اليوم، هو غير الأمس.. وهو في صلاة الظهر، غير صلاة العصر.. وهكذا يعيشون صوراً لا تعد ولا تحصى من التجليات الربوبية.

ومن هنا فإن أهل الجنة يعيشون نعيماً متنوعاً.. أنا أعتقد أنه لو كان الأمر منحصراً بالحور والقصور والغلمان، لعله حتى نحن في الجنة أصابنا الملل.. لأن الحياة حياة أبدية، لا مليون، ولا مليار؛ وإنما مليارات السنين، ونرى وجوهاً جميلة متكررة، نرى غلماناً متكررين.. فالذي يرفع الملل عن نعيم أهل الجنة، أن الله عزوجل يتجلى لك من خلال الحور العين، ويتجلى لك من خلال الغلمان، وحتى القصور الجامدة لها معنى من المعاني.

قاعدة الفراغ :

إن الإنسان -بمعنى الوجود الإنساني-، لا يمكنه أن يعيش في فراغ.. ولو أعطي إنسان مهلة دقيقة واحدة لأن لا يفكر في شيء، فإنه على وجه الأرض، قلّ من يمكنه أن يعيش اللاشيئية في دقيقة واحدة.. إذ بمجرد أن يفكر في اللاشيئية، يفكر ما هي الجائزة بعد ذلك، ثم يسترسل في الجائزة المعلنة في هذا المجال!.. فليس هنالك في الوجود من لا يحب شيئاً.. قد يكون هناك إنسان في البادية، ولا يرى إلا جمله والسماء والأرض، فيحب هذا الجمل، هذا الجمل له صورة محببة في النفس.

إن الإنسان عبارة عن جوارح – أي يد، ورجل-، وعبارة عن أحاسيس، وعبارة عن فكر؛ ولكلٍ ما يشغله.. لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دون تفكير، ولا من دون تعلق الفؤاد.. حتى أن بعض الناس لو طلب منه أن يجلس في جلسة ثابتة لمدة ساعة، أيضاً لا يتحمل، لابد أن يحرك يده، أو رجله.. فإذا كانت الجوارح لا تتحمل السكون؛ فكيف بالأفكار والجوانح؟!..

وعليه، فإن هذا الفراغ لابد أن يملأ بشيء.. فمثله مثل الكأس، إذا لم يملأ بالماء، فإنه سيملأ بالهواء.. ونحن لاحظنا في حياة الأمم والبشر، أن البعض منهم تعلق فؤاده بأمر سخيف جداً، لا قيمة له، ولا داعي لذكر الأمثلة في هذا المجال.. فالإنسان لابد أن يملأ هذا الفراغ بشيء.. وهذا الشيء من صفاته أنه مُدرَك.. ما الذي يجعل الإنسان يجمع الطابع، ويجمع الصور، ويجمع ما يجمع؟.. لأنه يرى شيئاً مدركاً أمامه، فيتعلق قلبه بذلك الشيء، وإذا به أصبح متشبثاً بذلك الشيء.. والمرأة عندما لا ترى شيئاً جميلاً في السوق: ذهباً، أو قلادة وما شابه ذلك، ما الذي يجعلها تضغط على الزوج لتشتري ذلك؟.. ومن هنا يقال: أن من قل فضول نظره، تقدم خطوة للإمام؛ لأنه ليس هنالك شيء مشغل.. فالذي لا ينظر إلى التلفاز كثيراً، ولا يذهب إلى السوق كثيراً، ولا ينظر إلى الناس النظرة البلهاء كثيراً؛ فإن هذا الإنسان ليست لديه معلومات متزاحمة في وجوده.

وبالتالي، فإن شرط التعلق هو الإدراك.. ومن هنا فإن الذي يريد أن يتعلق بعالم الغيب، لابد وأن يكون مدركاً لذلك الكمال.. فالذي ليست له آلية الإدراك، وقوة الإدراك لذلك العالم؛ من الطبيعي أن لا يتحرك في هذا المجال.. ومن هنا قيل: (أول التوحيد معرفة الجبار، وآخر التوحيد تفويض الأمر إليه).. فالأول في مقام العقائد، والثاني في مقام القلب.. وأما الجوارح فهي تابعة.. فالعقل والقلب إذا اكتملا، فإن الجوارح تكتمل بشكل قهري.

فإذن، أول التوحيد معرفة الجبار.. فكيف نصل إلى هذه المعرفة التوحيدية؟.. إن الأمر يحتاج إلى حديث لاحق بإذن الله عزوجل.. إن الذي ميز أصحاب الإمام الحسين (ع) في ليلة العاشر وفي يوم العاشر، هو هذه المعرفة المتأصلة.. إن الإمام الحسين (ع) عندما سأل القاسم (ع): (بني قاسم ما طعم الموت عندك؟.. قال: طعم الموت عندي أحلى من العسل، إذا كان بين يديك يا أبا عبد الله)!.. ما الحقيقة التي كان يعيشها القاسم (ع)، والتي جعلته يقول هذا الكلام؟.. وعلي الأكبر (ع) عندما سأل والده الحسين (ع): أوَ لسنا على الحق، وقال له الحسين (ع): بلى!.. ما الذي جعله يقول لأبيه: (إذن، لا نبالي أوقعنا على الموت، أم وقع الموت علينا)؟.. هذه المعرفة من أين جاءت؟.. إن هذه المعرفة جاءت من خلال النظرة الباطنية لحقائق الأمور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى