زاد السفـر الأبديكيف نتعامل مع البرزخ والقيامة ؟

السفر القهري: مراحله

اللقاء القهري..
إن هنالك سفراً قهرياً إجبارياً، حيث أننا كلنا صائرون إلى الله عز وجل، بمقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾؛ كلنا نلاقي رب العزة والجلال.. ولكن شتان بين لقاء حبيب بحبيبه، وبين لقاء متهم بقاض!.. على الإنسان بين وقت وآخر إن كان يعيش شيئاً من الارتياح النفسي والفكري، فليتصور الأبدية بعد هذه الحياة الدنيا!.. فنفس معنى الأبدية، معنى لا يتحمله العقل.. الأبدية: إما في النار، أو في الجنة، أو في الأعراف حيث لا عذاب ولا نعيم.. هذه الأبدية نكتسبها بهذه الأيام المحدودة في الحياة الدنيا: معنى ذلك أن كل جزء من الثانية يقابلها الأبدية، فنحن في هذه الحياة الدنيا، بهذه الأيام القصيرة، نشتري الأبدية.

ومن هنا يجب أن نعرف ما سيجري علينا بعد هذه الحياة الدنيا، من العقبات المخيفة في شتى الأصعدة: هنالك حياة برزخية، وهنالك حياة في عرصات القيامة، وهنالك ساعات الانتظار، والحساب بين يدي الله عز وجل.. هذا واقع سوف نلاقيه في يوم من الأيام، والإنسان المؤمن إنسان واقعي، إنسان يعيش الحدث بكل أبعاده.. يجب استكشاف المجهول الذي نحن مقدمون عليه!.. البعض يذهب إلى غابات الأمازون، أو إلى القطب الشمالي والجنوبي، أو إلى أعماق البحار؛ ليكتشف سمكة، أو ليكتشف شيئاً غريباً.. بعض الناس لديهم الهمة للذهاب إلى هذه الأماكن البعيدة النائية، ولكن العبد كإنسان ليست له الهمة الكافية لمعرفة نفسه أولاً، ومعرفة ما سيؤول إليه أمره ثانياً؟!..

إن الإنسان عنده حياة أخرى، عنده بيت جديد، كما يقول الإمام (عليه السلام): (وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي)!.. وسنوات المكوث في ذلك البيت، لا تقاس بالدنيا؛ لأن الإنسان في الدنيا يعيش جواً عائلياً اجتماعياً، أما في ذلك البيت فهو يعيش وحيداً فريداً.. بالإضافة إلى أن بعض النصوص تشير إلى أن عالم البرزخ عالم مخيف، وقد لا تمتد إليه الشفاعة.

مراحل السفر القهري:
سكرات الموت.. يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.. الإنسان عندما يعيش سكرة الموت، يذهل عن الشهادتين، ويذهل عن الوصية للأهل والأقربين؛ وهذه كارثة!.. لذا، فإن من الأمور التي نطلبها من الله -عز وجل- في ليالي الجمعة، أن يكفينا شر موت الفجأة.. ولهذا عندما يبتلى الإنسان بمرض خبيث، لعل هذا المرض للبعض نعمة؛ لأنه خلال المدة المتبقية من حياته، بدلاً من أن يعيش الاكتئاب والحزن واليأس من الحياة، يبرمج حياته برمجة جادة إلى أن يلتقي بالرفيق الأعلى.

حالة النزع.. من صور التعذيب في السجون، أن يقلع ظفر الإنسان وهو في حالة وعي.. فقلع ظفر من بدن الإنسان مؤلم جداً؛ فكيف بالأظافر جميعاً، وكيف إذا سلبت منه الروح!.. فارتباط الظفر بالبدن، كارتباط الروح بالبدن؛ ولهذا كان الأولياء يتعوذون بالله -عز وجل- من ساعة النزع، وإن كان لهؤلاء حساب متميز عن الناس.. قال الرضا (عليه السلام): (لما حضرت الحسن بن علي (عليه السلام) الوفاة بكى، فقيل: يا بن رسول الله!.. أتبكي ومكانك من رسول الله (صلی الله عليه) مكانك الذي أنت به، وقد قال فيك رسول الله (صلی الله عليه) ما قال، وقد حججت عشرين حجّةً ماشياً، وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل؟.. فقال (عليه السلام): إنما أبكي لخصلتين: لهول المطّلع، وفراق الأحبة).

ليلة الوحشة.. يقال بأن أصعب ليلة على الميت، هي الليلة الأولى لنزول القبر، قياساً إلى باقي الليالي؛ لأنه في باقي الليالي إجمالاً يتأقلم مع الوضع، ويكون قد اجتاز مرحلة المحاسبة الأولية، ويعرف تكليفه.. فالانتظار أشد العذاب، لأن الإنسان لا يعلم كيف يحكم عليه؟.. أما إذا حكم عليه بالمؤبد، فإنه يهدأ قليلاً، لأنه عرف ما الذي سيلاقيه.. وعليه، فإن الليلة الأولى من أوحش الليالي على الميت، ومن هنا أمرنا أن نصلي له صلاة الوحشة.. فلو أن إنساناً كان باراً بوالديه، ونسيهم في ليلة الوحشة؛ من الممكن أن يكتب عاقاً لهما؛ لأنه كيف يمكن أن ينسى من كان سبباً في وجوده، في ساعة هو بأمس الحاجة إلى من يخفف عنه؟!.. هذا الشيء لا يتوقع من المؤمن الوفي!..

إن بعض العلماء الأجلاء، وصلوا إلى درجات من الكمال، بحيث أنهم يلتزمون بصلاة الوحشة في كل ليلة لكل مؤمن.. ما يضر الإنسان أن يقول: يا رب، أنا أصلي صلاة الوحشة، لكل من مات في هذه الليلة؟!.. رب العالمين كريم واسع!.. صحيح هو صلى ركعتين، ولكن الله -عز وجل- يوصل ذلك إلى آلاف البشر أو إلى الملايين لو ماتوا -مثلاً- في ليلة واحدة، هو قادر على ذلك.. فإذن، نصلي لهم هذه الصلاة، من أجل تخفيف الوحشة في تلك الليلة.. الركعتان هما: بآية الكرسي، وعشر مرات سورة “القدر”.

البرزخ.. يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ ما هي حقيقة عالم البرزخ؟.. هل يكون الإنسان كالنائم، أو كالمغمى عليه، لا يعرف شيئاً كأنه بين الموت والحياة؟.. أم أنه منعم؟.. هل القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار؟.. أو هنالك تفصيل: البعض يعذب وينعم، والبعض يتوقف لا ينعم ولا يعذب؟.. قال الصادق (عليه السلام): (يُسأل الرجل في قبره، فإذا أثبت فُسح له في قبره سبعة أذرع، وفُتح له بابٌ إلى الجنة، وقيل له: نم نومة العروس قرير العين).. في عالم البرزخ العمل منقطع، إذا مات ابن آدم انقطع عمله: الدواوين تغلق، والأقلام تجف.. ولكن هنيئاً لمن كان له حساب جار وهو في قبره!.. البعض إلى يوم لقاء الله عز وجل، وهنالك عمل يصل إليه من خلال ما قام به.. فقد روي عن النبي (صلی الله عليه) أنه قال: (إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).. وفي الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، هناك ما يدل على أن من يقوم ببعض الأعمال، رب العالمين مكافأة لصاحبه، يخلق ملكاً يعمل الصالحات، ويكون ثوابها لهذا الميت إلى يوم القيامة.. فعن رسول الله (صلی الله عليه) أنه قال: (من قرأ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ عند منامه؛ خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة).. وقد روي عن محمد التقي (عليه السلام) (ثواب جزيل لمن قرأ سورة “القدر” في كل يوم وليلة ست وسبعين مرة، يقرؤها: بعد طلوع الفجر، قبل صلاة الغداة سبعاً، وبعدها عشراً، وإذا زالت الشمس قبل النافلة عشراً، وبعد نوافل الزوال إحدى وعشرين، وبعد صلاة العصر عشراً، وبعد العشاء الآخرة سبعاً، وحين يأوي إلى فراشه إحدى عشرة.. ومن ثوابها أنّه يخلق الله -تعالى- له ألف ملك يكتبون ثوابها ستة وثلاثين ألف عام).. يا له من توفيق!.. إنسان في قبره، وهنالك ملك يعبد الله عز وجل، ويقدم ثواب العمل لهذا الإنسان.. كما قال الإمام الهادي (عليه السلام): (الدنيا سوق: ربح فيها قوم، وخسر آخرون).

النفخ في الصور.. يقول الإمام (عليه السلام): (وَمالي لا أَبْكي… اَبْكي لِخُرُوجي مِنْ قَبْري: عُرْياناً، ذَليلاً، حامِلاً ثِقْلي عَلى ظَهْري).. هل كل الناس عراة يوم القيامة؟.. الكفن يتحلل ويبقى الإنسان بلا ثياب، عندئذ ما هو التكليف؟.. أليس هذا وهن لبني آدم، أن يخرج عريانًا من قبره ذليلاً؟!..

المساءلة.. ما الفرق بين مساءلة البرزخ، وبين مساءلة القيامة؟.. الإنسان في البرزخ ألا يحكم عليه؛ فلمَ ينتظر المساءلة في القيامة؟!..

الصراط.. يقول تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾؛ هل حقيقة نحن سنرد جهنم؟.. وكيف نرد جهنم، هل وهي خامدة، أم وهي مشتعلة؟..

صور من نعيم الجنة.. هنالك نعيم أشارت إليه الآية، نعيم لا يوصف: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ﴾.. ما هي طبيعة الرضوان؟.. وهل الرضوان لكل أهل الجنة، أو للبعض منهم؟.. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ طبعاً بالنظر المعنوي لا الحسي.. وما هي صفات هؤلاء الذين يرون ذلك العالم؟..

الموت هو البداية:
إن كلمة الموت في حد نفسها كلمة مخيفة، حتى أن البعض يتحرز من الذهاب للمقابر؛ لئلا يتذكر الموت.. ولا يذهب إلى المستشفيات، ولا ينظر إلى الجرحى والمرضى؛ لئلا يصاب بالذعر والخوف.. ولكن هذا لا يغني عنه شيئاً، لأننا كلنا سنلاقيه في يوم من الأيام.. لو أن الله -عز وجل- أراد أن يكتب الخلود لأحد، فأولى الناس بالخلود والبقاء، هو النبي المصطفى (صلی الله عليه)؛ ولكن الله -عز وجل- كتب عليه الموت؛ ليعرف الجميع أن هذا هو المستقبل الحتمي لكل فرد.

إن الحديث عن الموت، هو حديث عن بداية الحياة، لا نهاية الحياة.. فنحن حياتنا الآن، كما يصفها القرآن، ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ والحيوان يعني الحياة؛ فالحياة الحقيقية هي ما بعد الموت.. أما حياتنا في الدنيا، فهي حياة مزيفة، حياة اللعب واللهو.. هنا الحياة فانية هي لفترة زمنية محدودة، ولكن هنالك الحياة مستمرة.. والنعيم في الدنيا نعيم متقطع: الطعام يمر على الفم لحظات وتنتهي لذته، وكذا لذة النساء، وغيرها من شهوات الدنيا كما في العبارة المعروفة: (لكل جديد بهجة)!.. فبعض أماكن الاصطياف، فيها مناظر طبيعية خلابة جداً: من المناخ، والجمال الطبيعي، والأنهار، وأصوات الطيور وغير ذلك.. ولكن أصحاب تلك البلاد لا يرون ذلك الجمال الأخاذ؛ لأنه جمال متكرر.. ويتمنون أن يعيشوا في صحراء، ليستمتعوا بلون الصحراء، الذي هو لون واحد في كل مكان.. وأحياناً هناك طلاق يقع بين الزوجين، رغم أن المرأة تكون غاية في الجمال والكمال؛ ولكن الزوج تعوّد على ذلك، ولم يعد يرى شيئاً جديداً في هذا المجال.. فالمرأة عندما يُنظر إلى جمالها فقط، هذا رأس مال سيزول، فلابد من التفكير فيما بعد الجمال، وهو الجوهر الإنساني للمرأة، وأنها أمانة الله عز وجل.. إذا نظرنا للمرأة بهذا المقياس، لو تقدم بها العمر ما تقدم، المؤمن معاملته لزوجته في ليلة الزفاف، كمعاملته لزوجته وهي كبيرة في السن وطريحة الفراش؛ فهي أمانة: سواء في ليلة الزفاف، أو في ليلة الاحتضار.

الموت هو الحياة:
إن الحديث عن عالم البرزخ، حديث لا مجال فيه للعقل، ولا للتكهن.. فالذي يمدنا بالمعلومات الوافية في هذا المجال: الكتاب، والسنة.. رب العالمين هو الذي خلق الموت والحياة، وقد ذكر الموت قبل الحياة، لعله إشارة إلى شرافة الموت: أي أن الموت هو الحياة، ثم أن صورة الحياة الدنيا، هي أدنى من صورة الموت.. فالموت شكله فناء، وواقعه بقاء.. الموت شكله الأولي نهاية، وواقعه بداية ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؛ إن الله -عز وجل- خلق الموت والحياة، وهو الأدرى بالجزيئات.. والقرآن الكريم أشبع الحديث في هذا الموضوع من خلال الإشارات المختلفة، فآيات البرزخ والقيامة، آيات معدودة في القرآن الكريم؛ إلا أنها بليغة.. ثم السنة النبوية، والثقل الأكبر؛ أي الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام).

ونحن عندما نقول: “أئمة أهل البيت (عليهم السلام)”، علينا أن نعلم أن هنالك امتداداً للكتاب والسنة النبوية.. فالإمام الرضا (عليه السلام) عندما ورد نيسابور، تعلق الناس بلجام دابته، وأخذوا يصيحون ويبكون؛ لأنهم رأوا جمال ابن المصطفى.. فالإمام له جمال صوري وباطني.. (لما وافى الرضا (عليه السلام) نيسابور، وأراد أن يخرج منها إلى المأمون، اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا بن رسول الله!.. ترحل عنا ولا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك -وكان قد قعد في العماريّة- فأطلع رأسه وقال: سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي بن أبي طالب يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: سمعت رسول الله (صلی الله عليه) يقول: سمعت جبرائيل يقول: سمعت الله جلّ جلاله يقول: لا إله إلا الله حصني، فمَن دخل حصني أمن عذابي.. فلما مرّت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها).. الإمام (عليه السلام) في جعبته آلاف الأحاديث، ولكنه اختار من بين كل هذه الروايات كلمة التوحيد.. المتكلم يرمز للولاية، فهو إمام من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، هو الإمام الثامن الذي لمع في عصره، حتى ضرب اسمه على سكة التعامل على أموال المسلمين، ولكنه اختار حديث التوحيد، ليفهمنا أنه لا إثنينية بين طريق الولاية وبين طريق التوحيد؛ فهما صورتان لعملة واحدة!.. قال أحمد بن حنبل عن إسنادهم: (لو قرئ هذا الإسناد على مجنون، لأفاق من جنونه)!.. ولهذا سمي الحديث بحديث سلسلة الذهب، لأن الراوي هو الإمام الرضا (عليه السلام)، والمروي عنه هو رب العزة والجلال.

سمع الإمام الصادق (عليه السلام) البعض ممن ينتحل التشيع، يذكره بوصف يليق بمقام الربوبية، فماذا عمل (عليه السلام)؟.. (قلت له: جعلت فداك!.. لقد ادّعى أبو الخطاب وأصحابه فيك أمراً عظيماً، إنه لبّى بلبّيك جعفر، لبّيك معراج، وزعم أصحابه أن أبا الخطّاب أُسري به إليك، فلما هبط إلى الأرض دعا إليك، ولذا لبّى بك!.. فرأيت أبا عبد الله (عليه السلام) قد أرسل دمعته من حماليق عينيه وهو يقول: “يا رب!.. برئت إليك مما ادّعى فيّ الأجدع عبد بني أسد، خشع لك شعري وبشري، عبدٌ لك ابن عبدٍ لك، خاضع ذليل.. ثم أطرق ساعة في الأرض كأنه يناجي شيئاً، ثم رفع رأسه وهو يقول: أجل أجل!.. عبد خاضع خاشع، ذليل لربه، صاغر راغم، من ربه خائف وجل، لي والله رب أعبده لا أشرك به شيئاً.. ما له أخزاه الله وأرعبه، ولا آمن روعته يوم القيامة، ما كانت تلبية الأنبياء هكذا، ولا تلبيتي ولا تلبية الرسل، إنما لبّيت: بلبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك”، ثم قمنا من عنده.. فقال يا زيد: “إنما قلت لك هذا لأستقر في قبري، يا زيد استر ذلك عن الأعداء”)!..

فإذن، من مصادر التشريع الذي يمكن أن يلقي لنا الضوء على هذا العالم المخيف، الأحاديث الشريفة المروية عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، ومن قبل ذلك سنة النبي (صلی الله عليه)، وفوق كل ذلك كتاب الله عز وجل.

تمني الموت:
إن أكثر الآيات شهرة في هذا المجال ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.. والله العالم أن الحديث في الآية في هذا المجال يشبه: إياك أعني، واسمعي يا جارة!.. أي الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾!.. ولكن الملاك هو الملاك.. أي: يا أيها الذين هادوا لا تدّعوا أنكم أولياء لله عز وجل؛ لأنكم لا تتمنون الموت.. أين نحن وأين ما تريد الآية؟!.. الآية تريد أن تقول: إياك أن تخاف الموت أولاً، وعليك بتمني الموت ثانياً.. ولكن تمني الموت لا يكون من باب اليأس من الدنيا؛ لأن الدنيا مزرعة الآخرة.. لذا المؤمن يسأل الله -عز وجل- أن يطيل عمره في خير وعافية؛ لكي يتزود لذلك العالم.. فالمزرعة التي مساحتها كيلو متر مربع، غير المزرعة التي مساحتها ضعف ذلك، فهذه عطاؤها أكثر!.. والمؤمن طبعه عزيز، يقول: يا رب لا تمتني بهذه الحالة المذلة، سواءً في حالة الذل المادي، أو الذل الجسدي.. فالإمام (عليه السلام) يطلب من الله -سبحانه- أن يجعل أوسع رزقه عند كبر سنه، وأن يجعل أفضل عمله عند اقتراب أجله: (واجعل أوسع رزقي عند كبر سني، وأحسن عملي عند اقتراب أجلي).

إن الذي يتمنى الموت من باب اليأس؛ إنسان لا يعي ما يقول.. ولكن إذا عمل ما عليه؛ فإنه يكون مستعداً ليلاقي ربه -سبحانه وتعالى-.. حيث أن هناك ستارة في الوسط، وهذه الستارة ترفع، وإذا به يلتقي بمن يتمناه.. مثلاً: لو أن شاباً عُقد له على فتاة، وقيل له: هذه المرأة هي أكمل امرأة على وجه الأرض جمالاً وكمالاً، ولكنّ هنالك ستاراً بينكما، سيتم رفعه بعد قليل.. هذا الشاب ألا يعد الساعات والدقائق، ليكشف له عن الغطاء، ويرى ذلك الجمال الذي وعد؟!.. فالأنبياء والرسل جاؤوا ليعلمونا أن هنالك صوراً من الجمال المعنوي، الذي حرمنا منه في الحياة الدنيا.. نحن جربنا اللذائذ الحسية ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.. أولياء الله أولى بمتاع الدنيا من الفجار، فرب العالمين خلق هذا الجمال، ليستمتع به المؤمن قبل غيره.. ولكن لنكتشف عالماً آخر، هذا العالم الذي كان يراه النبي الأكرم (صلی الله عليه)، فقد روي عن عائشة أنها قالت: (كان النبي محمد (صلی الله عليه) يحدثنا ونحدثه، ويلاعبنا ونلاعبه.. فإذا حضرت الصلاة، كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه)؛ النبي (صلی الله عليه) كان يتغير وينكر كل من حوله.. وهذه مقولة معروفة عن النبي (صلی الله عليه) حيث يقول: (يا بلال أبرد)!.. وأبرد مأخوذة من البريد؛ أي بمعنى عجّل.. أو من البرد؛ أي أطفئ نار الشوق إلى الله عز وجل.. ما الذي كان يراه المصطفى (صلی الله عليه) حتى يكون هكذا حاله مع رب العالمين؟.. وهناك بعض الذين أوتوا الكفاءة في هذا المجال، اكتشفوا شيئاً من هذا العالم، الذي يتجلى لعباد الله -عز وجل- في جوف الليل.. قال رسول الله (صلی الله عليه): (أشراف أمتي حملة القرآن، وأصحاب الليل)؛ ما الذي يراه أصحاب الليل حتى يهجروا النوم؟.. يقول تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾!..

العلاقة بين العبد وربه..
إن هذه الرواية من أجمل الروايات القدسية التي وردت، لبيان هذه العلاقة العاطفية الشفافة بين العبد وبين ربه: (إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، أرزق ويشكر سواي.. خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد.. أتحبب إليهم بطاعتي، وأنا الغني عنهم.. ويتبغضون إلي بالمعصية، وهم أفقر شيء إلي.. أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل طاعتي أهل مغفرتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي: فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم؛ فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين.. وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب؛ كي أطهرهم من الذنوب والمعاصي.. الحسنة عندي بعشر أمثالها وأزيد، والسيئة بواحدة واغفر.. وإني لأرحم بهم من الوالدة بولدها!.. لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي لترك معاصيهم؛ لماتوا شوقا إلي، ولتقطعت أوصالهم من محبتي.. فإذا كان هذا حالي بالمدبرين عني، فكيف يكون حالي بالمقبلين إلي)؟!..

(إني والجن والإنس في نبأ عظيم).. إن رب العالمين يشكو علاقته بالبشر، في بعض الآيات الكريمة، حيث يقول: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾؛ أي الموت لبني آدم!.. إلا من خرج بالدليل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.. وفي آية أخرى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾.. وفي آية ثالثة: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي أنتم ما قدرتم الله عز وجل ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾!..

(أخلق ويُعبد غيري).. أي أنا الخالق، ولكن يأتي إنسان سخيف كفرعون، ويقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ وله جمهوره، وله أتباعه.. في زمان فرعون، يبدو أنه كان هنالك ثقافة لا بأس بها.. فالذين صنعوا الأهرامات، أناس عندهم تفكير، وعندهم ثقافة، ولكن مع ذلك استخف قومه، فأطاعوه، وإذا به يجد من يقبل مقولته.

(أرزق ويُشكر سواي).. أي أنا الرازق!.. الإنسان الذي يلبي دعوة البعض على مائدة طعام، يشكر صاحب المائدة على ما قام به، ولا يشكر رب العالمين أنه أعطاه، فهو صاحب هذه النعمة.. ولهذا المؤمن لا يفوّت الحمد والشكر بعد المائدة، إلى جانب شكر صاحب المائدة، “فمن لم يشكر المخلوق، لم يشكر الخالق”، يجب أن يجمع بين شكر الخالق وشكر المخلوق.. فقد روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: (مَن لم يشكر المنعم من المخلوقين، لم يشكر الله عز وجل).

(خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد.. أتحبب إليهم بطاعتي، وأنا الغني عنهم.. ويتبغضون إلي بالمعصية، وهم أفقر شيء إلي).. ولهذا قيل: (لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت).. هنا الطامة الكبرى في هذا المجال!..

(وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي: فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم؛ فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين).. يا له من تعبير!.. هل رب العالمين يحب المطيعين والأنبياء فقط؟.. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.. والتواب: صيغة مبالغة، وهو الذي يكثر المعصية.. هذا الإنسان تواب؛ لأنه كلما أذنب تاب ورجع إلى الله عز وجل.. فالذين تزل أقدامهم، ويعصون ربهم في موضع غفلة، أو في غلبة شهوة؛ عليهم أن يستغفروا الله -عز وجل-، ولا ييأسوا من رحمة الله تعالى.. فالشيطان يستفرد بالإنسان، وفي بعض الحالات يتركه يتقدم ويتقدم، ويحلق في الأجواء العليا، ولكن في لحظة من اللحظات، إذا رآه في حالة ضعف ينقضّ عليه.. ومن هنا يمكن تفسير سبب صدور الكبائر من بعض الصالحين، حيث أن الشيطان ينتظر الفرصة المناسبة، ليلقي القبض على الإنسان.. يخدره أولاً بأمانيه ووساوسه، ثم يدفعه إلى الحرام دفعاً ووسوسة؛ ولكن رب العالمين تواب رحيم!.. وقد ورد في بعض النصوص أن الإنسان إذا عصى ربه، يمهل سبع ساعات -أي مدة زمنية معينة- إن تاب إلى الله -عز وجل- لا يسجل الذنب في ديوان عمله.. وهناك فرقٌ بين ذنب ممسوح، وبين ذنب غير مسجل!.. كالفرق بين إنسان أُدين في المحكمة ثم عُلّق ملفه، وبين إنسان صفحته بيضاء في المحاكم.. قال الصادق (عليه السلام): (ما من مؤمن يُذنب ذنباً إلا أُجّل سبع ساعات، فإن استغفر الله غفر له، وإنه ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة، فيستغفر الله فيغفر له.. وإنّ الكافر لينسى ذنبه؛ لئلا يستغفر الله).

فإذن، على فرض صدور المعصية، لنبادر إلى التوبة.. البعض يؤجل التوبة ليرجع إلى المنزل، ويغتسل غسل التوبة، ثم يصلي ركعتين في جوف الليل، ثم يسجد، ويقول ما قاله يونس النبي (عليه السلام): ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ مائة مرة مثلاً.. هذا جيد، ولكن لا داعي لتأخير التوبة، فالرجوع إلى الله -عز وجل- لا يحتاج إلى استغفار لفظي، إذ يكفي الندم، والعزم على عدم العودة؛ أليست هذه من أمور القلب؟!.. وبالتالي، فإنها لا تحتاج إلى لفظ، أو إلى قراءة دعاء طويل!.. وعليه، فإنه بإمكان أحدنا أن يحوز على مقام المغفرة بهذه السهولة.

(وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم: أبتليهم بالمصائب؛ كي أطهرهم من الذنوب والمعاصي).. يا لها من علاقة رقيقة!.. إن البلاء والأمراض والفقر وغير ذلك، هو من باب محبة الله -عز وجل- لعبده.. مثلاً: قام الإنسان بمعصية، فلو أُجّل العقاب عليها إلى البرزخ والقيامة، ربما يُحبس مائة سنة في العذاب، مقابل هذه المعصية.. ولكن إذا أُصيب بصداع ليلة، أو حمى ليلة، أو نكبة، أو حادث سير، أو… الخ؛ وإذا برب العالمين يصفي معه الحساب في هذه الحياة؛ فهنيئاً للمؤمن!.. المؤمن عزيز على الله -عز وجل-، يضع رجله على الشوكة سهواً فيتألم، وإذا بها ترفع عنه بعض الأوزار.. قال النبي (صلی الله عليه) يوماً لأصحابه: (ملعونٌ كلُ مالٍ لا يُزكّى ملعونٌ كلّ جسدٍ لا يُزكّى، ولو في كل أربعين يومٍاً مرة، فقيل: يا رسول الله!.. أمّا زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟.. فقال لهم: أن تُصاب بآفة.. فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه، فلمّا رآهم قد تغيرت ألوانهم قال لهم: هل تدرون ما عنيت بقولي؟.. قالوا: لا يا رسول الله!.. قال: بلى، الرجل يُخدش الخدشة، ويُنكب النكبة، ويعثر العثرة، ويمرض المرضة، ويشاك الشوكة وما أشبه هذا.. حتى ذكر في آخر حديثه اختلاج العين).

(وإني لأرحم بهم من الوالدة بولدها).. هل هناك علاقة أرقى من علاقة الأم بولدها؟.. علاقة الأب علاقة حميمة، ولكن علاقة الأم علاقة أخرى!.. يقول في هذه الحديث علاقتي بهم أرق من هذه العلاقة!..

(لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي لترك معاصيهم؛ لماتوا شوقا إلي).. نعم، هذا هو الخالق الرؤوف!.. قيل للرضا (عليه السلام): لأي علة أغرق الله فرعون، وقد آمن به وأقر بتوحيده؟.. قال (عليه السلام): (… ولعلة أخرى أغرقه الله -عز وجل- وهي: أنه استغاث بموسى لما أدركه الغرق، ولم يستغث بالله، فأوحى الله -عز وجل- إليه: يا موسى!.. لم تغثْ فرعون؛ لأنك لم تخلقْه، ولو استغاث بي لأغثته)!.. العلاقة موجودة، ورحمة رب العالمين لا حدود لها، لدرجة أنه تشرئب لها عنق إبليس يوم القيامة، عندما يرى كيف أن الله -عز وجل- يغفر للعصاة، وينشر رحمته على العباد!..

(فإذا كان هذا حالي بالمدبرين عني، فكيف يكون حالي بالمقبلين إلي).. أي إذا كنت أتعامل هكذا مع العصاة؛ فكيف أتعامل مع المطيعين؟!..

فإذن، إن المؤمن عليه أن يبدّل هذه العلاقة؛ علاقة الخوف من الله -تعالى-، وكأن الله -عز وجل- حاكم فقط، والمهم هو اللقاء بنا يوم القيامة، ليدخل من يشاء في العذاب.. رب العالمين خلقنا للرحمة، يحب أن يعرّفنا نفسه، فقد جاء في الحديث القدسي: (كنت كنزاً مخفياً، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لكي أعرف).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى