جولة في نهج البلاغةكيف نتعامل مع نهج البلاغة

كن في الفتنة كإبن اللّـبون

– إن ظلامة علي -عليه السلام- في حياته ظُلامة تاريخية معروفة!.. عندما سُئل أحد المؤلفين المسيحيين، الذي ألف كتاباً عن علي -عليه السلام-: أنت الذي تصف علياً -عليه السلام- بهذه الأوصاف، فلمَ لا تُسلم؟.. فما كان منه إلا أن قال: إن دفاعي عن علي، هو دفاع عن إنسان مظلوم، وطبيعة الإنسان أنه يتأذى على ظُلامة مظلوم.. وعلي ظُلم في التاريخ، ولم يُعرف قدره، وأردت أن أدافع عنه.

– إن ظلامة علي -عليه السلام- في التاريخ وقعت، وكما يقال: الزمن لا يرجع إلى الوراء، فما وقع وقع!.. ولكن الكلام الآن هو عن ظُلامة علي -عليه السلام- في حياتنا اليوم، الظلامة المعاشة.. وهذا أمر قابل للارتفاع؛ لأن الإنسان إلى أن تقبض روحه بإمكانه أن يتدارك، كم فعل العبد الصالح الحر، حيث انتقل من أسفل سافلين إلى أعلى عليين.

– إن ظلامة علي -عليه السلام- في أتباعه وفي شيعته، هذه الظُلامة لها صور منها: إدعاء الموالاة إدعاءً، من دون مطابقةٍ لفعله، ولما أراده علي -عليه السلام-.. لعل البعض أراد أن يدخل في هذا المنهج، وفي هذه المدرسة.. ولكن عندما يرى سلبيات بعض أتباع هذه المدرسة، وإذا به ينصرف!.. وهذه جريمة كبرى، أن يُنفِّر الإنسان الآخرين عن منهج أهل البيت (ع)، ويكون مصداقاً لذيل الرواية لا لصدرها: (كونوا زينا لنا، ولا تكونوا شيناً علينا)!..

– إن نهج البلاغة هو الصورة الأخرى من ظلامة علي -عليه السلام-.. هنالك الكثيرون ممن يذكرون علياً -عليه السلام- كشفيع لهم في يوم المحشر، والبعض من الممكن أن يكون قد ذرف دموعاً على عليٍ -عليه السلام- في شهر استشهاده، ولعل البعض أنشد أو قرأ فيه شعراًً.. ولكن لعله طوال حياته، لم يفتح كتاب علي (ع) في العمر ولو مرة واحدة؛ وهو كتاب نهج البلاغة، هذا التراث الذي بين أيدينا.. فالبعض يتمنى أن يكون في زمان أمير المؤمنين (ع)، ليحارب معه، وليستمتع بخطبة من خطبه.. هذا التمني جيد، ولكن هذه الأمنية متحققة!.. إن كان الإنسان صادقاً في هذه الأمنية، فليفتح النهج وليستمع إلى كلمات علي (ع) في الحروب، وإلى كلماته (ع) في خطب الجمعة، وفي وصف المتقين.. فإذن، ما عليه إلا أن يذهب إلى مكتبته، ويستخرج نهج البلاغة، ويأخذه بيده ليعيش في رحاب علي عليه السلام.

فإذن، إن من أفضل أنواع الضيافة الرمضانية هذه الأيام والليالي، أن نعيش على مائدة علي -عليه السلام-.. والغرض من ذلك أولا: رفع الظلامة إجمالاً، وثانيا: شهر رمضان هو أقرب الشهور إلى ذكر علي -عليه السلام-، وثالثا: ليالي القدر فيه مقترنة باسمه الشريف.. فهذا شهر اقتران بركة الصيام، ببركة ذلك الدم الطاهر الذي أريق في محراب العبادة.

– إن أول حكمة من حكمه، حكمة تناسب أوضاعنا الاجتماعية.. فبعض كلمات علي -عليه السلام- تصب في عالم التربية والأخلاق، وبعض كلماته تصب في عالم التربية الاجتماعية والتعامل مع الغير.. والحقيقة أن هذا الكتاب نهج للسعادة، ونهج للرقي، وليس للبلاغة فحسب!..

– إن عليا -عليه السلام- يقول: (كن في الفتنة كابن اللبون: لا ظهر فيُركب، ولا ضرع فيُحلب)!.. فهذه الكلمة على قصرها، كأنها تجربة حياة علي -عليه السلام- مع الفتن، فهو منذ نعومة أظفاره، ويعيش الفتن المختلفة: في صدر الإسلام كانت فتنته مع المشركين، لأن فتنة النبي هي فتنته، والمؤامرة على النبي في ليلة المبيت، دفعها علي -عليه السلام- بذلك المبيت الخالد، ذلك المبيت الذي استحق عليه علي -عليه السلام- وساما {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}.. هذه أولى ابتلاءات علي بالفتنة.. وفي المدينة فتنته مع اليهود، وفي حروبه مع المنافقين، وغير ذلك من الآلام التي كانت تعتصر قلب علي والزهراء -عليهما السلام-.. وكذلك بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وآله- وما أدراك ما جرى على علي!.. تلك الفتن التي يقول عنها: (فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى).. بعض الموالين عندما يمر على هذه الكلمة، تدمع عينه بل يبكي لحالة علي.. فكلمة (صبرت) لا يعني أنه صبر يوماً أو بعض يوم، بل كل حياته كان القذى في عينه، والشجى في حلقه، وقبل أن يتوفى أخوه المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذه محنة علي (ع).. إن ما يُعطى لعلي من لواء الشفاعة في عرصات القيامة، من صبره في هذه الأمة، وليس هذا بتصريح غريب عندما يقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت)!.. وقياساً صحيحاً مدللاً بالتاريخ والنصوص: ما أوذي وصي مثل ما أوذي علي صلوات الله وسلامه عليه!.. وكلمته الآنفة (فصبرت) نعم الدليل على هذه الحالة.

– إن عليا -عليه السلام- إلى أن استشهد في محراب العبادة، وهو يعيش الفتن تلو الفتن، الفتن التي تشيب لها الرؤوس، والفتن التي تنهدّ لها الجبال.. إذ يجد قوماً من هذه الأمة وعلى جباههم كآثار ركب المعز من كثرة السجود، فيضطر علي -عليه السلام- أن يسحب سيفه ليُريق هذه الدماء.. علي مظهر الرأفة، الذي يتألم لنزع خلخالٍ من رجل ذمية، فكيف نفسه تطاوعه بأن يلج بسيفه في دماء المتظاهرين بالإسلام؟!.. إن فتنة الخوارج قصمت ظهر علي -عليه السلام-، لأن الشعار كان شعاراً مغرياً، و(ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأصابه)!.. هؤلاء المساكين خرجوا بدعاوي مغرية جذابة، ولكن انتهى أمرهم إلى أن يكون سيف ممثلهم ابن ملجم، هو ذلك السيف المرشح ليريق دم أشرف وصي في تاريخ البشرية.

– إن عليا -عليه السلام- إذن خبير في الفتن، بل نشأ في الفتن؛ بمعنى أنه رآها وعاشها، واكتوى بنارها، وأخيراً قُتل بسيفها!.. عليٌ مع هذه الخبرة الطويلة في تاريخ الفتن -إن صح أن نُعبر فشأن علي أكبر من هذه التعابير، ولكن من باب تقريب الفكرة- خبير بالفتن، وكيفية الخلاص منها.. يقول: (كن في الفتنة كابن اللبون)؛ وابن اللّبون هو ولد الناقة الذكر، لم يقو ظهره على الركوب، وليس له ضرعٌ يُحلب منه.. وبالتالي، فهو لا يقوم بأي خدمة.. إنما الإنسان يستبقي عنده ابن اللبون، ليكبر في يوم من الأيام، فيصبح ظهراً، أو يصبح ذا ضرع فيحلب منه.

– إن الفتن على ثلاثة أقسام: الفتنة الأولى: الفتنة العقائدية، الفتنة الثانية: الفتنة الحُكمية، والفتنة الثالثة: الفتنة الموضوعية.

أولاً: الفتنة العقائدية: أن يعيش الإنسان حالة من الترجرج والزئبقية في فهم العقيدة الصحيحة: ما هو الحق في مجال التوحيد، وفي مجال العدل، وفي مجال الإمامة، وفي مجال المعاد، وفي مجال فهم جزئيات الشريعة؟.. هناك كتاب جميل وطريف، وهو (شبهات المشككين حول الإسلام) هذا الكتاب كتبه مجموعة من المحققين، جمعوا الشبهات التي وردت على القرآن الكريم.. هنالك قسم من علماء النصارى المتخصصين في العلوم الإسلامية أو المستشرقين، هؤلاء أخذوا يبحثون عن الآيات التي ظاهرها التناقض، مثلاً: عيسى المسيح رفعه الله إليه، الرفع يعني أنه ما مات وأنه حي.. وكيف رب العالين توفاه أي أماته، وفي آية يقول: (رفعه)؟.. كيف نجمع بين الوفاة وبين موضوع الرفع؟.. وما شابه!..

– إن الإنسان في هذا العصر إلى سنوات وإلى قرون، هو في عصر التشكيك العقائدي؛ لأنه زمن الحروب المباشرة.. قد لا يكون هذا الزمن زمن الحروب الكبرى؛ لأن الحروب الكبرى يصل رمادها إلى عيون الجميع.. والأفضل الاستعاضة عن ذلك بالغزو الثقافي والغزو الفكري.. وهنالك دلال في الوسط، الدلال الذي يجعل الشبهة تنتقل إلى القلب.. فالوسائل المضللة، والوسائل التي توجب الانحراف الفكري، والشبهة، والشهوة.. تدخل القلب، فيصبح دلالاً لورود الشبهة إلى العقل.

– إن الإنسان إذا تميّع، وفقد قوامه الباطني، وتوجه للانحرافات السلوكية المختلفة.. فكأن هنالك جهازا مشككا في المخ، يمشط أقل شبهة تنغرز فيه.. وهو يعيش دوامة فكرية معينة، والقرآن الكريم أشار إشارة جميلة ولطيفة، ولكن -والله العالم- لعل هذه الآية شاهد على ذلك، هذه الآية التي تُقرأ عادةً في المجالس الحسينية: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون}؛ أساءوا السوء في مقام العمل.. والتعبير تعبير عام: أي كل صور الانحراف تندرج في أساءوا السوء!.. هم أساءوا السوء، ولكن العاقبة موقف عقائدي: التكذيب بآيات الله، والاستهزاء بها.. وعند قراءة تاريخ بعض المنحرفين عقائدياً، حتى في زمان الأئمة -عليهم السلام- يلاحظ أن هؤلاء مُبتلون في السر بالمعاصي الكبيرة.. والمعاصي الأخلاقية والشهوية، هي أرضية خصبة للانحرافات الفكرية العقائدية.

– إن علياً -عليه السلام- لا يُريد هذا المعنى: (كُن في الفتنة العقائدية كابن اللبون)؛ أي كن إنسانا ليس لك شغل بالعقائد، وابتعد عن الأبحاث العقائدية.. لا، ليس هذا بصحيح، كن في الفتنة العقائدية صاحب رأي!.. أنت إنسان تُسافر إلى بلاد مختلفة، يُسأل عنك أنت من أي دين؟.. ومن أي مذهب؟.. ومن أي مدرسة من مدارس المسلمين؟.. لذا لابد أن تثبت ما أنت عليه، لا يكفي أن تفتخر ببطولات الأئمة -عليهم السلام- وتقول: إمامي هو فاتح خيبر!.. بل عليك أن تأتي ببراهين، وبأدلة.. هذه الأيام هنالك هجمة شرسة على الإسلام، وهنالك شُبهات حول الإسلام، وحول القرآن الكريم، وحول نبوة النبي، وحول عصمة النبي من أعداء الإسلام.. الأعداء الكبار هؤلاء يطرحون شبهات لهم في مواقعهم، لذا على الإنسان أن يكون مُتسلحاً بسلاح العقيدة الحقة.. وهذه الأيام -بحمد الله- المواقع العقائدية، والكتب العقائدية ما أبقت لأحد حجة في هذا المجال.

فإذن في الفتنة العقائدية لا بد أن ندخل، ونخوض، ونتسلح بسلاح العقيدة الحقة، ولكن بشرطها وشروطها.. فالإنسان الذي لم يتقن أوليات الشريعة، ولم يتقن التقليد، والعبادات، ويريد أن ينتقل من ألف باء الدين إلى أدق الأبحاث العقائدية التفصيلية.. والبعض لا يمتلك القدرة الذهنية، فإنسان في مستوى متوسط لا يمتلك القدرة على التحليل، يأخذ الشبهة فتستقر في ذهنه، ثم يقرأ الجواب، فلا يعرف معنى الجواب، فيأخذ بالشبهة ولا يأخذ بالرد.. فيزيد الطين بله!.. وبالتالي، لا بد أيضاً أن نخوض في الأبحاث العقائدية في الوقت المناسب، وعلى أيدي أناس مهرة، ومن كتب منقحة في هذا المجال.. حفظ الله بعض العلماء الأبرار في الحوزات العلمية، هذه الأيام ألفوا موسوعات عقائدية منقحة في أصول الدين.. عليكم بالمعروفات في هذا المجال، وعليكم بالمعروفين من المؤلفين في هذا المجال، لا تذهب يميناً وشمالاً، ولا تقرأ الكتب العقائدية التي هي من مصادر غير موثقة؛ لأنها قد تزيدك شكاً وانحرافاً في هذا المجال.

ثانياً: الفتنة الحُكمية: أن لا يعلم الإنسان تكليفه في الحلال والحرام، هذه الفتنة أيضاً أمرها سهل، فالإنسان المُقلِّد أراح نفسه من هذه الفتنة.. مثلا: هذا عليه نزاع: هل هو حلال أم حرام؟.. فيبحث من بين العدول من المجتهدين، فيقلد الأعلم منهم، فإذا ثبت يوم القيامة أنه ارتكب الحرام الواقعي، الذي أفتى له المجتهد ظاهراً، يقول: يا رب!.. ما شأني، خذ بيد هذا العالم وعاقبه.. إن كان له القابلية في الفتوى وأفتى؛ فهو مأجور على فتواه، حتى لو كان مخطئاً.. وهذا المقلد يأخذ طريقه إلى الجنة، لأنه لا حساب عليه.. البعض يكتب في أول الرسالة العملية، ويقول: العمل بهذه الرسالة مُجزٍ، ومُبرئ للذمة!.. بعض العلماء عندما يكتب هذه العبارة في أول رسالته العملية، يعلم الله ماذا ينتابه من الشعور!.. أي يوم القيامة أيها المقلدون أنا أجيب عنكم، لا عليكم أنتم اعملوا بالرسالة، وهذه رقبتي بيني وبين الله!.. لذا حق للبعض من العلماء أن يفر من الفُتيا فراره من الأسد.. فإذن، إن الفتنة الحكمية أيضاً أمرها سهل!..

ثالثاً: الفتنة الموضوعية: أثناء تشخيص الموضوعات الخارجية، مثلا: الإنسان عليه أن يعادي أعداء الله، ويجب أن يعرف هل هذا الإنسان عدو لله، أم ليس بعدو؟.. لا يدري!.. وهذا الكلام الذي يقوله منكر، أو معروف؟.. لا يدري!.. هذه الجهة الفلانية التي تدعو الناس إلى نفسها: حزباً، أو مؤسسة، أو جهة، أو أي شيء كان؛ هؤلاء مخلصون في كلامهم، أم أنهم يطرحون الشباك للصيد.. كل من في الوجود يطلب صيداً، إنما الاختلاف في الشبكات، هل هم من هذا القبيل؟.. هل هذا الإنسان من مصاديق الرواية التي تقول: أن البعض من الناس يستأكل بالدين، إذ أن بعض الناس يستأكل بالشركات التجارية وبالمحلات، وبعض الناس يأكل باسم الدين، هل هذا من هذا القبيل أم لا؟.. هنا المصيبة في تشخيص هذه المصاديق!.. إنها قضية محيرة جداً، فماذا يعمل الإنسان في مفترق الطرق؟.. هنا عدة حلول:

الحل الأول: تحكيم الموازين.. وهو الجانب العملي، (اعرف الحق، تعرف أهله)، (قس الرجال بالحق، ولا تقس الحق بالرجال).. هنالك موازين لتمييز المخلص من غير المخلص، وهنالك موازين لمعرفة المعروف من المنكر.. اعمل بهذه الموازين، تعرف أهله.

الحل الثاني: الفطنة.. قال النبي (ص): (المؤمن كيس فطن حذر)!.. أي أن المؤمن موجود ذو ذكاء اجتماعي قوي جداً، لأن ذكاء المؤمن ليس ذكاء جامعيا، وليس ذكاء مأخوذا من رسالة الماجستير أو الدكتوراه.. إنما ذكاء المؤمن قسم منه من تجارب الحياة، وقسم منه أبحاث أكاديمية.. ولكن قسم منه اتصال بعالم الغيب: (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله)؛ ينظر بعين الله، نعم المؤمن يمتلك هذه النورانية في باطنه، لأنه طالما دعا في جوف الليل في مناجاة خاشعة، والدموع على وجنتيه في صلاة الليل: (وهب لي نوراً أمشي به في الناس، وأهتدي به في الظلمات)، وطالما قال لربه: (اللهم!.. أرني الأشياء كما هي)؛ أي لا تجعل عليها غشاوة، ولا تجعل الشيطان يُلبس الباطل بثوب الحق.. فإذن، إن المؤمن بفراسته يعيش هذا النور الباطني.

الحل الثالث: الوقوف عند الشبهات.. لو أن الإنسان لم يعرف الحق، والأمور مشتبهة؛ فعليه أن يقف عند الشبهات!.. لماذا يجعل نفسه جسراً لعبور الآخرين، حيث يقول علي عليه السلام: (كن في الفتنة كابن اللبون: لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب)!.. هذا الضرع في الجمل، وحتى في الأم المسكينة.. بعض الأمهات يتوقفن عن الصيام عند الإرضاع، لأن هذا الحليب خلاصة دمها، والدم يتحول إلى لبن، عصارة الوجود.. وهكذا الأمر في الحيوان، هذا الحيوان المسكين يحول الدم إلى حليبٍ سائغ يشربه بني آدم، يقول علي عليه السلام: لماذا تعطي دمك للآخرين؟.. لماذا تعطي حليبك للآخرين؟.. إذا كان الطرف لا يستحق ذلك، لماذا تجعل الضرع مفتوحاً هكذا، يأتي كل من هب ودب ليمتص من حليبك، فالعمر من الحليب؟..

– إن البعض يذهب إلى الجلسات الباطلة، ويجالس البطالين؛ فهذا من أسباب قسوة القلب.. إن دعاء أبي حمزة الثمالي ليس للبكاء فقط، وإنما للتدبر (لعلّك رأيتني آلف مجالس البطّالين، فبيني وبينهم خلّيتني)!.. لذا على المؤمن عندما يذهب لزيارة أحد، أو عندما يصادق أحداً، أو جهة، أو تياراً، أو حتى عالماً.. عليه أن ينظر لمن يعطي هذه الأوقات التي يصرفها في محضرهم أو في اجتماعاتٍ مطولة؟.. هذا العمر، يجب أن يوضع في الموضع المناسب، لا يرتبط بكل أحد، (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).. فالبصيرة في التعامل مع الآخرين، من موجبات النجاة من الفتنة.. أما لو اتضح الحق للإنسان، فعليه أن يعطي وجوده للدين وأهله، الذين تفانوا في خط عليٍ وفي خط الحسين -عليهم السلام- وفي خط العلماء الأبرار طوال التاريخ.. رحم الله الميرزا الشيرازي الكبير عندما حرم التبغ عن المؤمنين، لأجل مقاطعة الشركات الاستعمارية، يقال: أن السلطان في إيران طلب كعادته التبغ، ولكن زوجته قالت: لا!.. فالميرزا الشيرازي حرم التبغ.. السلطان يطلب من زوجته التبغ، وهي مؤتمرة بأمر مرجعها في ذلك العصر.. نعم إذا كان الأمر بهذا الوضوح، فأكرم وأنعم بأن نعطي النفس والنفيس، في سبيل رفع الفتنة واجتثاث جذورها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى