جولة في نهج البلاغةكيف نتعامل مع نهج البلاغة

مظاهر جمال الله عزوجل

– إن أمير المؤمنين (ع) ليست بطولته في قلع باب خيبر مثلاً، وليست شجاعته في ليلة المبيت فحسب!.. فأمير المؤمنين (ع) أعلى صفاته أنه مظهر بشري، للصفات الإلهية!.. هذا هو اعتقاد المؤمن بالمعصوم (ع)، وليس هذا بأمر غريب، لأن الرسول الأكرم (ص) يوصي المسلمين بالتخلق بأخلاق الله، فيقول: (تخلقوا بأخلاق الله، إن أكثر الناس يدخلون الجنة بتقوى الله، وحسن الخلق).. والأئمة (ع) هم مظهر لأسماء الله الحسنى، ومن هذه المظاهر وصف الشكورية.. فرب العالمين شكور، يقبل يسير ما يعمل له، نقول في دعاء يوم الجمعة: (يا من يشكر على القليل، ويجازي بالجليل).. ويكفي مصداقاً لهذه الصفة الإلهية الشكورية الإلهية، أن الإنسان يخلد في جنات الخلد، ما دامت السماوات والأرض، لأعمال دنيوية محدودة.. فالحر بن يزيد الرياحي، أمضى سويعات فقط من الطاعة في هذه الدنيا، عندما انضم إلى معسكر أبي عبد الله الحسين (ع) يوم عاشوراء، وفي غروب ذلك اليوم كانت روحه عند المليك الأعلى.. سويعات من الطاعة، وإذا بالحر بن يزيد يتحول إلى واحد من أعمدة الخلود في تأريخ المسلمين.

– إن في تراث أهل البيت (ع) شاء الله -عز وجل- أن يكون لبعض شهداء الطف مزية، منهم شخصيتان أفرد قبرهما، يزاران زيارة مستقلة: أحدهما حبيب بن مظاهر الأسدي، والآخر الحر بن يزيد الرياحي، يشدون الرحال إليه، للسلام عليه، والتشفع به عند الله عز وجل.. هذه هي شكورية الله -عز وجل- سويعات من الطاعة المخلصة، وإذا برب العالمين يعطي هذا العبد الصالح الدرجات التي يغبطه عليها جميع الشهداء!.. فالشهداء في العالم، يغبطون الشهداء الذين كانوا بين يدي الحسين (ع)؛ لأن الإسلام أخذ منعطفه الصحيح في يوم عاشوراء.. يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تقومت فيه مسيرة الإسلام والرسالة.

– إن هذه شكورية الله عز وجل، يعطي الحياة الأبدية مقابل حياة فانية.. هذا هو كرم رب العالمين!.. وهذا كرم المتربين في مدرسة نبيه المصطفى (ص): علي (ع) وفاطمة الزهراء (ع)، صاموا تلك الأيام الثلاثة، وتصدقوا بإفطارهم على المسكين، وهذا أمر راجح.. وفي اليوم الثاني تصدقوا على اليتيم، والتصدق على اليتيم في محله، فاليتيم يستحق الحنان والعطف.. ولكن الغرابة: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}.. إن كان الترتيب في هذه الآية بحسب الأيام، أي التصدق الأعظم والأصعب، كان بعد صيام ثلاثة أيام حسب ترتيب هذه الآية للأسير، والأسير في المدينة المنورة، وفي زمان رسول الله (ص)، كان أسيراً كافراً.. هؤلاء هم أهل بيته!.. علي (ع) وفاطمة الزهراء (ع) يقدمان قوتهما إلى أسير كافر.. هذا الأسير أعطي ذلك الطعام، لأنه طرق باب أهل البيت؛ فما رجع خائباً!.. قوت علي أفضل أنواع القوت!.. ومال علي عين الحلية، وعين الحلال.. وخبز فاطمة الزهراء (ع)، أفضل أنواع الخبز.. -الأئمة (ع) يتوارثون ذلك النسج الذي نسجته فاطمة بيدها، وأصبح في تراث أهل البيت- هذا الخبز عليه أنفاس فاطمة الزهراء (ع) (إنّها استقت بالقربة، حتى أثّرت في صدرها.. وجرّت بالرحى، حتى مجلت يداها.. وكسحت البيت، حتى اغبرّت ثيابها.. وأوقدت تحت القدر، حتى دكنت ثيابها).. هذه الخبزة التي خبزتها فاطمة، بمال علي (ع)، وإذا بهذا الخبز يصبح قوتاً لأسير كافر.

– إن الحسن (ع) هو السبط الأكبر، هو أول أولاد فاطمة (ع)، يعلم الله ما داخلهما من السرور عندما جيء لهما بهذا المولود المبارك، الذي كان أشبه الناس برسول الله (ص).. بلغ الجمال الحسني إلى درجة أنه عندما كان الحسن (ع) يمر في مكان، أو يقف في مكان، تنقطع المارة للنظر إلى ذلك الجمال العلوي والفاطمي من سلالة الجمال المحمدي.. هؤلاء مظهر الشكورية ومظهر العطاء الإلهي.. فالذي يقيم احتفال ولادته: مشاركة، وحضوراً؛ بأدنى درجات المشاركة المخلصة، هؤلاء سيردون الهدية أضعافها.. ومن هنا عندما يخرج الإنسان من مجالس أهل البيت (ع)، ليأخذ محطة خفيفة وهو على الباب، وإذا كان في المسجد، فعليه بركعتين من الصلاة بين يدي الله عز وجل.. ركعتان مقتصدتان، فيهما توجه وإنابة، ولا زالت دموع البكاء على الإمام الحسين على خديه.. يقف بين يدي الله -عز وجل- وقفة خاشعة، أو يأخذ خلوة وهو في طريق عودته إلى المنزل.. ولكن مع الأسف فإن البعض يلتهي بالشراب والطعام وما شابه ذلك، ويضحك مع إخوانه.. لا زالت الدموع على خديه، وإذا به يدخل في عالم الغافلين.. فنحن لا نقطف ثمار عاشوراء والمجالس كما ينبغي: المجالس فرحاً، أو حزناً لا فرق.. مثل إنسان يزرع شجرة، يسقي الشجرة، ويعتني بها، وبالتالي تعطي الثمار اليانعة، ولا يقطفها إلى أن تذبل.. نحن في تعاملنا في مجالس أهل البيت هكذا: مجلس عقد باسم معصوم من أئمة أهل البيت (ع)، نخرج ولا نقطف الثمرة.

– إن هذه الليلة، ليلة النصف من شهر رمضان المبارك، الإنسان لا يعلم هل يعيش الفرح أو الحزن.. يعيش الفرح لميلاد الإمام المجتبى (ع).. هذا فرح!.. وأما الحزن فلأن العد التنازلي قد بدأ لهذا الشهر الكريم، ولا يدري الإنسان إلى أين وصل؛ هل قطف نصف ثمار الشهر؟.. ها قد مضى نصف الشهر وبقي النصف الآخر، وكل البركات في النصف الأول من النصف الثاني.. وبعد الانتهاء من ليالي القدر، يكون قد انتهى شهر رمضان، كما ينتهي الحج بعصر عرفة.. من السادس عشر إلى الثالث والعشرين أسبوع مصيري تقريباً: الإنسان تطوى مقدراته، وتكتب سعادته أو شقاوته، تكتب حياته أو مماته.. ليته يكتب للإنسان مماته فحسب!.. فالموت للمؤمن نقلة إلى اللقاء مع المليك.. ولكن المصيبة أن تكتب له مصيبة في دينه، ألا ندعو بهذا الدعاء: (لا تجعل مصيبتنا في ديننا)!.. فمن الممكن أن يكتب رب العالمين للإنسان في السنة القادمة الخذلان والشقاوة.

– إن من أصعب الدرجات أن يصل العبد إلى درجة أن يكله الله إلى نفسه؛ أي يلقي حبله على غاربه.. إذا كان للإنسان دابة في المنزل يركبها ويستفيد منها، ورأى بأن هذه الدابة مصابة بمرض تعدي باقي الدواب، ماذا يعمل صاحب الدابة؟.. هل يخرجها من المنزل ويتركها في الصحراء إلى أن تموت، ويقول: لا حاجة لي بهذا الحيوان المريض؟.. إذا كان كذلك، فإن هذا يسمونه الإيكال إلى النفس.. والعبد يصل بعد فترة من المعصية، أن يقول له رب العالمين: أوكلت أمرك إليك؛ أي رفع الحصانة والحماية عنه.. هل تعلم أن من يحضر إلى المجالس الحسينية، لم يأت إلا بالحماية الإلهية.. هو لم يأت بنفسه، إنما هنالك من دفعه إلى هذا المجلس دفعاً، يقول تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.. الشيطان لا يرتضي هذه المجالس، ويئن عندما يدخل الإنسان المسجد، ويصيح عندما يكمل صيامه.. ما الذي يجعل الإنسان يشتاق إلى مجالس الذكر ومجالس أهل البيت؟.. هذا فضل من الله، وهذه رحمته، كما يقول القرآن الكريم: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا}؛ فرب العالمين هو الذي منّ علينا بذلك.. ولكن لو رفعت هذه الحماية والحصانة -كما يعبر القرآن الكريم- {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}، وفي آية أخرى يقول: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}.. فالغضب الإلهي كسحابة العذاب بين السماء والأرض، هذه السحابة لا تنزل فهي مؤجلة.. ولكن يصل العبد إلى مرحلة من المراحل، يقول الله -عز وجل- لهذه السحابة من الغضب: انزلي على العبد؛ عندها يكون الغضب قد حل على الإنسان.. أي أن الغضب كان متوقفا، ولكن تكرار المعاصي وكثرتها أدى إلى حلوله.. يقول الصادق (ع) في دعاء يوم الجمعة: (وأطلت الإمهال، وأخرت، وأنت مستطيع بالمعاجلة.. وتأنيت، وأنت ملئ بالمبادرة.. ولم تكن أناتك عجزا، ولا إمهالك وهنا، ولا إمساكك غفلة، ولا انتظارك مداراة.. بل لتكون حجتك أبلغ، وكرمك أكمل، وإحسانك أوفى، ونعمتك أتم…).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى