جولة في نهج البلاغةكيف نتعامل مع المجتمع ؟كيف نتعامل مع نهج البلاغةلقاء مع طالبات الحوزة

تفعيل المعرفة

– إن على المؤمن أن يتقن صلاة الظهر والعصر، خاصة في المجالات الأكاديمية: في الجامعات، وفي الحوزات، فالأمر يحتاج إلى تصفية الفكر.. إن الإنسان في البيئ الأكاديمية العلمية يكون مشغول الذهن بالقضايا العلمية، وطبيعة القضايا العلمية أنها مذهلة!.. ومن هنا فإن الإنسان عندما يصلي، يعيش الجو العلمي أثناء الصلاة، فيصبح هناك تداخل بين هذين الجوين: فالقضايا العلمية مشغلة للب، والإنسان يفكر بباطنه.. والصلاة أيضا تحتاج إلى باطن وإلى لب؛ فيصبح هنالك منافسة وتزاحم بين الأفكار الصلاتية.. والقضايا الروحية التكاملية، لا يمكن فيها الطفرة.. فالإعجاز له عالمه، والذي يعيش هموم غير إلهية، من الطبيعي أنه بتكبيرة الإحرام، لا ينتقل فجأة إلى عالم الأنس والحديث مع رب العالمين.

– إن الذي لا يعيش جو الأنس الربوبي طوال السنة، لا يمكنه بسهولة أن يعيش هذا الجو، بمجرد دخول شهر رمضان -مثلاً- ولهذا نلاحظ أن أغلب الناس صومهم لا يتجاوز صوم العوام، أي الإمساك عن الطعام والشراب.. والحال أن الصوم أرقى من ذلك!.. فهنالك صوم الخواص، وهو الإمساك عن المعصية.. وهنالك صوم خواص الخواص، وهو الانصراف عما سواه، وهي مرحلة راقية جداً.. ولكن الوصول إليه، هي أن ينظر الإنسان في قلبه، فلا يجد محبوباً سواه.. وينظر إلى فكره، فلا يجد مذكوراً سواه.. وينظر إلى جوارحه، فلا يجد مطاعاً سواه.. إذا حقق الإنسان هذه النقاط الثلاث، فإنه يكون قد بلغ ما بلغ!..

– إن العبد يعلم قربه من ربه، من خلال الوقوف بين يديه.. فمن رأى في نفسه كمالاً، وتقدماً في أي حقل من الحقول.. فليدخل نفسه في مختبر الصلاة، لأن الصلاة مختبر كاشف لمدى قرب العبد من ربه.. وبمقدار عمق هذه العلاقة، فإن الأمر يتبين من خلال صلاته بين يدي الله عز وجل.

– إن التعلم حتى العلم الديني، عبارة عن عملية آلية مادية.. فالإنسان يتلقى المعلومات عبر الأذن، حيث أنها تنتقل إلى جهاز الإدراك، وجهاز الإدراك يلتقط، وتتكدس المعلومات في زاوية من زوايا الفكر البشري.. وهذه الأيام إدخال المعلومات في الحاسوب، هو عبارة عن هكذا ذبذبات تنتقل إلى الحاسوب، فتتكدس المعلومات في ملف معين.. إن القضية ليست بهذه القدسية!.. والتي ترى أنها بمجرد دخول حوزة علمية، أو مجال أكاديمي قد أصبحت مميزة، فهي مخطئة!.. الأمر ليس فيه أي تميز، إنها آلية طبيعية!.. هنالك تحويل للمعلومة المكتوبة، والمعلومة الملفوظة، إلى معلومة مدركة.. وخلاصة طلب العلم الأكاديمي والحوزي، هو تبديل لحروف الكتاب إلى شحنات كهربائية الكترونية عصبية؛ أي تحويل الملفوظ والمكتوب إلى معلومة.. هذا المقدار ليس فيه حالة من حالات القدسية، فالقدسية في عالم آخر، وهو تحويل المعلومة إلى حالة التبني القلبي.. وبتعبير المنطقيين: هو تحويل التصور إلى تصديق، والتصديق إلى أداة للتبني القلبي.. فالقلب هو الذي يحب ويبعض، وإذا أحب الإنسان معلومة من المعلومات، سعى إلى تطبيقها على الجوارح.

– إن مفهوم الانقطاع إلى الله، له معنى نظري: انقطع فلان إلى فلان؛ أي أكثر من الذهاب إليه، ولا يذهب إلى غيره.. فإذن، إن مفهوم الانقطاع إلى الله كمعلومة أمره واضح جداً.. فالذي يستوعب حقيقة الانقطاع إلى الله بأدلتها ببراهينها؛ برهان الفناء.. إن الإنسان العاقل، يقدم الباقي على الفاني.. والإنسان العاقل ينسجم مع هدف خلقة الوجود، ألا وهي العبودية!.. بعد أن يعتقد أن الانقطاع إلى الله أمر حسن: يتصوره تصوراً، ثم يصدقه تصديقا، ثم يحول هذا المفهوم إلى شيء محبوب.. أي هو يحب أن يصل إلى هذا المستوى من الانقطاع إليه، ويستميت من أجله.. فإذا أحب الإنسان هذا المفهوم، عندئذ يأمر القلب البدن أن يتوجه للعبادة للحوزة، لأن هذه مقدمات لحصول الانقطاع إلى الله عز وجل.

– إن القلب سمي قلبا، لكثرة تقلبه.. هذه المساحة من الوجود، التي على أساسها الإنسان يحاسب ويثاب.. والروح، والنفس، والقلب، كلها معاني واحدة.. يعني هنالك جسم، وهنالك روح حيوانية.. والمسؤولة عن النبض والتنفس والأجهزة اللإرادية في البدن، هي الروح الحيوانية.. وهنالك روح وهي لطيفة ربانية، تلك الروح عندما وضعت في آدم، أمر الملائكة بالسجود لآدم.. وانتساب الروح إلى الله -عز وجل- فيه كمال التشريف، ولا يخفى أن هذه النسبة؛ أي نسبة الروح إلى الله -عز وجل- هذه النسبة في كل المخلوقات حتى نحن {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}، يقال المراد على بعض التفاسير: ساعة نفخ الروح في الجنين، أيضا نفخ الله -عز وجل- فيه من روحه.. ويكفي الروح فخراً، بأن الروح من عالم الغيب، كما أن الله -عز وجل- من عالم الغيب!.. ولأن الروح من عالم الغيب، ورب الأرباب، واجب الوجود من عالم الغيب، أي هنالك سنخية بينهما.. لعل بهذه المناسبة رب العالمين جعل النسبة إليه، بخلاف خلقه الجسم الآدمي قال: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}.. جعل هنالك فاصلة بينه ويبن جسم آدم، أنه خلقه بيده.. قد يقول قائل: أن التعبير {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، ناظر إلى الوجود المادي لآدم.. {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}، ناظر إلى البعد الروحي لآدم.

– إن هذه الروح باعتبار غيبها، وباعتبار أنها من الموجودات المجردة، لا تدرك ولا تلمس ولا ترى.. ومن هنا أصبح العمل على الروح من أصعب الأمور، رغم أنها من أشد الأمور إستراتيجية في الحياة.. إذا صلح الأمير، صلحت المملكة.. وإذا صلح القلب أيضا، صلحت الجوارح.. فالعمل على تنقية الروح من الشوائب وتهذيبها، من أجلّ الحركات، وأدق الحركات وأصعبها!.. ومن هنا الذين لا يعيشون حالة التجرد، وحالة الغور فيما وراء الطبيعة، يهملون هذا الجانب.. نرى عامة الناس المتدينين، يشغلون أنفسهم بالأعمال الجوارحية؛ إراحة لوجدانهم.. فإذا أحب أن يتقرب إلى الله -عز وجل-، فإنه يشغل نفسه: بالصيام، وبالحج، والعمرة، والصلوات اليومية، والنوافل، وغير ذلك.. أي ينظر إلى عبودية الله -عز وجل-، المتمثلة بالحركات الخارجية.. ومن هنا نلاحظ أن عامة الناس، لا يعيشون حالة القرب من المولى.. بل يعيشون حالة إرضاء المولى، ويحوزون على الثواب.. ولكن القرب القلبي غير متحقق، والشاهد على ذلك: أن المكثرين من الحج والعمرة والنوافل، عندما تجلس مع أحدهم، لا ترى فيه أي معنى من معاني: القرب، والأنس، واطمئنان القلب.. هذه المعاني الروحية التي ذكرت في القرآن الكريم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.. حتى هذا الخشوع الصلاتي، الذي هو علامة الفلاح، لا نراه في أعمال هؤلاء.. ومن هنا لابد أن نضاعف الجهد على هذه اللطيفة الربانية.

– إن بني آدم وجود معقد، وبواعثه على قسمين: بواعث ظاهرية، وبواعث في الأعماق.. ففي الوزارات والدوائر الحكومية، هنالك لائحة وزارية، ولائحة إدارية، والموظف يعمل بهذه اللائحة الظاهرية.. ولكن الأهداف من وراء هذه اللائحة، لا يعرفها إلا الوزير؛ لأنه هو الذي جعل ذلك.. فالرؤساء الكبار هم الذين يعرفون الخلفيات لهذا القانون.

– فإذن، إن هنالك أهدافا معلنة بحسب الظاهر، وهناك أهدافا غير معلنة، لا يعلمها إلا المقنن والمشرع، هذا في سياسة المدن.. وكذلك الأمر في سياسة الأرواح، هنالك الوجود الظاهري يرى بعض الدوافع، ولكن هنالك دوافع لهذه الدوافع، لابد أن نميز بين هذين القسمين من الدوافع.. مثلاً: إنسان يجاهد في سبيل الله -عز وجل- وهذا يتفق كثيراً.. إن كثيراً من الذين يرفعون راية الإسلام، ويدافعون عن الإسلام، الدافع الظاهري هو: نصرة الدين، والغيرة على الشريعة، والإحساس بمظلومية الكتاب والسنة، وأن الإسلام بدأ غريباً وعاد غريباً، وهو يريد أن يخرج الإسلام من هذه الغربة، هذا الدافع الظاهري!.. ولكن لو ننتقل إلى البواعث الخفية، نلاحظ أن هنالك إثباتا للأنية، وللأنا، وللذاتية، وحب الظهور، والاشتهار.. (آخر ما يخرج من قلوب الصدّيقين، حبّ الرئاسة).. وبالتالي، فإن الهدف المعلن هو: خدمة الدين.. ولكن الهدف غير المعلن، والباعث الحقيقي الأصلي، هو عبارة عن: إثبات الذات، وإظهار الذات.. ولهذا علماء الأخلاق يقولون: لو أن النبي الأكرم (ص) رأى أعربياً من أعراب البادية، وُكّل إليه أمر الشريعة، لصار من تابعيه، فالمهم هو أن ينتشر الإسلام لا على يده هو.. بينما البعض يحب أن ينتشر الإسلام، ولكن بشرط أن يكون هو حجة الإسلام!.. إذا كان هو حجة الإسلام، فلينتشر الإسلام!.. أما إذا وجد من ينشر على يديه الإسلام غيره، فهو لا يرضى بذلك!

– إن طلب العلم له هدف ظاهر، وهو: التفقه في الدين، وتبليغ الرسالة.. وشعار الحوزات -داخلاً وخارجاً، نساءً ورجالاً- شعار مأخوذ من القرآن الكريم: التفقه في الدين، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.. والهدف الثاني للحوزات العلمية: تبليغ الرسالة، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ}.. هذا هو الهدف المعلن: تفقه، وتبليغ للرسالة.. ولكن لو تأملنا في الدوافع الخفية، من الممكن أن تكون هنالك دوافع خفية أخرى!..

– إن رب العالمين هو الغني، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.. ورب العالمين الذي في مقعد الصدق، وفي جواره روح النبي المصطفى (ص)، وأرواح الأئمة من أهل بيته (ع).. فرب العالمين إذا كان لابد من النظر إلى شيء في هذا الوجود، فنظره إلى هذه الأرواح، وإلى هذه الأنوار اللامعة.. فهؤلاء حققوا هدف الوجود.. (وكل شريف في جنب شرفك حقير خاب) كما نقرأ في دعاء عيد الفطر!.. ليس هنالك شيء أمام الله -عز وجل- يستحق النظر في نفسه.. والذي يتبرع ببناء مسجد أو مأتم أو غير ذلك، فلينظر!.. ما قيمة الدنيا في عين الله -عز وجل-، حتى تكون هناك قيمة لمشروعي في هذه الزاوية من زوايا الأرض، التي هي بدورها زاوية من زوايا المجموعة الشمسية الضائعة في درب التبانة؟.. لا قيمة لهذه الأمور!.. وإن كانت هنالك قيمة، فهي بالانتساب إليه هو.. إذا عاد الأمر إليه، فإن القضية تكتسب الشرافة والانتساب.. فهذه حجارة مكة، حجارة سوداء غير مصقولة، ليس فيها جمال.. ولكن الله -عز وجل- جعله بيتا آمنا له، فأعطاه ما أعطاه من الشرافة والعظمة.

– وعليه، فإن كل أمر، وكل عمل في حد نفسه هو لا شيء في جنب الله -عز وجل-، كما يقول يعبر القرآن الكريم عن القلة فيقول: {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}.. والنقير عبارة عن الخط الموجود في داخل نواة التمر.. فهل هناك من يشتري هذا الخط؟.. النواة يمكن أن تشترى لغرض الزراعة، أما هذا الخيط الموجود في نواة التمر، غاية في عدم القيمة.. أي الوجود في جنب الله -عز وجل- لا يسوى نقيرا!.. وبالتالي، فإنه إذا أتقنا هذا الجانب، سرت بركات هذا التحول الباطني إلى كل أنشطتنا في الحياة.

– صور الشرك الخفي في طلب العلم:
الصورة الأولى: الاستئكال بالدين.. الاستئكال بالدين؛ أي جعل الدين أداة لكسب الدنيا، وهذا شيء موجود طوال التأريخ.. فهنالك قسم من علماء السلاطين، هؤلاء يحترفون الدين احترافاً، ويعيشون على اسم الدين.. وهذا الاستئكال بالدين موجود منذ خلق الله -تعالى- آدم (ع).. وكم من القبيح أن يحول الإنسان مادة القرب إلى الله -عز وجل- إلى مقدمة لكسب المال والمتاع العاجل.. إذن، البعض يرى بأن دنياه تؤمن من خلال الدين.. وهذا نوع من أنواع الشرك الخفي.

الصورة الثانية: تلميع الذات وتفخيم الذات.. كل واحد منا يعشق نفسه، لا معشوق في الوجود، أعظم وأجمل في نفس الإنسان من ذاته!.. حتى الزوجة التي تدعي أنها متفانية في حب زوجها، فذلك لأن الزوج أداة لسعادتها هي.. ولو أن الزوج أعرض عنها، وتزوج بأخرى.. فإن هذا الحب يزول بمجرد أن تطلع على إعراض الزوج عنها، أو خيانته، أو حتى قيامه بعمل محلل ولكن هي لا ترتضيه!.. هذا الحب كله يزول في دقيقة!.. إن المعشوق الأول في عالم الوجود، هي الذات مهما ذهبنا يمينا وشمالا هذا هو الواقع!.. فالناس يعشقون ذواتهم: البعض يضيع ذاته، ويرى بأن الذات هي الجلد، وهذا البدن.. فتلمع المرأة جلدها بأنواع: العطور، والمرطبات، والمبيضات، إلى آخره.. هي ضيعت نفسها، ورأت أن النفس هي هذا الجسم، فهذا الجسم ينبغي أن يجمل، حتى لو استلزم الأمر عمليات جراحية تجميلية.. هذا الجسم الذي هو ضيف لدينا، إن البدن الإنساني لو بقي ساعات بعد الممات، لا يتحمل لا شكله ولا رائحته!..

– إن الشرك الخفي -ليس الشرك الجلي- أي شرك الخواص: البعض اكتشف ذاته، ورأى بأن الذات ليست هي هذا البدن، وإنما تلك الإلهية، هذا جيد!.. ومن الطبيعي أن الذي يعشق ذاته، يحب أن يرى ذاته جميلة.. ومن صور الجمال، الجمال العلمي.. أن يفهم الإنسان أسرار الوجود، وخاصة بعد الأبحاث الفلسفية.. فبعض الناس يستذوق الفلسفة؛ لأن الفلسفة عبارة عن الارتباط بمبدأ الوجود، وفلسفة الوجود صيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم السفلي.. ومن موجبات طلب العلم، تجميل الذات، وتجميل الذات بما يربطها بالله عز وجل.. فهذه امرأة تعتني بجمال ونعومة بدنها، وهذه امرأة تعتني بنعومة وجمال ذاتها.. وبالتالي، فإن الأمر مازال في دائرة الذاتية، وإن كانت إحداهما أرقى من الأخرى.. ولكن هم في وصف واحد!..

الصورة الثالثة: البحث عن السعادة الباطنية والاطمئنان الباطني: البعض اكتشف هذا الحقيقة بوضوح، وهي: أن سعادة القلب وراحة القلب؛ إنما هي بذكر الله.. {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.. هذه الآية بحسب الظاهر هنالك مجرور مقدم، وفعل، وفاعل، وأداة تنبيه.. ولكن هنالك معاني كبيرة في هذه الآية، لو أن أحدنا حاول أن يكتشف لطائف الآيات والنكات الخفية، لوصل إلى بحارٍ من المعرفة.
أولاً: الآية مصدرة بأداة تنبيه {أَلاَ}، وهذه الأداة من أدوات لفت النظر في القرآن الكريم، وهنالك تقديم لما حقه الحصر بذكر الله.. موقعها الأعرابي هو بعد الفعل والفاعل، ولكن قُدم لإفادة الحصر.
ثانيا: {تَطْمَئِنُّ} فعل مضارع؛ بمعنى أن هذا الاطمئنان عملية مستمرة.. فالقرآن لم يقيد الاطمئنان بحالٍ ولا بزمانٍ ولا بمكانٍ، لم يقيده ببيته الحرام، ولم يقيده بشهره الحرام.. فالآية مطلقة.
ثالثا: {الْقُلُوبُ} جمع محلى بأل، والجمع المحلى بأل يفيد العموم.. كل كلمة في هذه الآية فيها تأكيد، ولكل واحد نكتة من النكات..
فالبعض اكتشف هذه الحقيقة بالتجربة، ورأى بأن تلك الساعة التي كان يعيش فيها حالة الذكر القلبي -حول الكعبة، أو ليلة الجمعة، أو ليلة القدر، أو تحت قبة الإمام الحسين (ع)- عاش حالة الاطمئنان.. فهو يبحث عن هذا الاطمئنان!.. على كل هذا الاطمئنان شيء مقدس، وشيء ممدوح.. إلا إنه ليس أيضاً من مصاديق التوحيد.

– فإذن، هذه أيضاً بحثت عن راحة نفسها، وعن جمال ذاتها: لا الجمال الجلدي، ولا الجمال العلمي.. بل الجمال القلبي، وراحة الباطن.. وخاصة من تعيش أزمة في حياتها.. فالتي تدخل الحوزة، لابد أن تتأكد من نيتها، هل هي رغبة في أمر إيجابي، أو فرار من أمر سلبي.. لابد أن نشخص بين هذين الأمرين، فلا يكون الأمر فرارا من شيء: لا يكون فرارا من عقدة حياتية، ولا فرارا من فشل في الحياة، ولا فرارا من ضغط منزلي، ولا فرارا من أزمة مع الأبوين، إلى آخره من الدوافع الكثيرة.. وعليه، فلابد أن ننقح هذه النوايا في هذا المجال.. فمعظم موجبات الشرك الخفي، يعود إلى تجميل وتلميع الذات، وإذا خرجنا من هذا الشرك، يصبح العمل منتسباً إلى الله عز وجل.

– إن في عالم الطهارات والنجاسات، إذا جعلنا ماء قليلا في طشت، والماء القليل من خواصه أنه يتنجس بملاقاة النجاسة، وقد لا يطهر في بعض الحالات.. ولكن إذا فتحنا عليه الماء الكثير، فإن هذا الماء القليل يتحول إلى ماء كر.. وكذلك فإن هذه النفس: الفانية، الصغيرة، غير الكر، التي تتنجس بأدنى ملاقاة للنجاسة.. هذه النفس إذا انتسبت إلى مصدر الطهر في الوجود، -ذلك الذي قال عن أوليائه: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}..– فإن الصفات الربوبية تتجلى في هذا الإنسان، ورب العالمين يضفي عليه من صفاته على هذا الوجود بمقدار بشريته.. فإذا أصبح الأمر كذلك، ماذا ستصبح النتائج، عندما يرتبط الفاني بالباقي!.. والوضيع يرتبط بالشريف!.. هو يتصرف في مخلوقه، كما تصرف في هذه البنت -مريم (ع)- التي لم تقم بجهاد: لا بقلمها، ولا بقدمها، ولم ترفع سيفاً في سبيل الله، ولم تتحمل أذى في طاعة الله.. ولكنها أصبحت متعلَقاً لهذا الجذب الرباني!.. -يقولون: السالك المجذوب، والمجذوب السالك-.. مريم (ع) اتصلت بالكر، فانتسبت إلى الله -عز وجل- {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}.. زكريا (ع) نبي من أنبياء الله، لا ارتباط له بمريم (ع)، ولكن الله -عز وجل- جعل زكريا (ع) في خدمة هذه المرأة، بحيث رأى زكريا (ع) منها ما لم يره في نفسه {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا}.. فرب العالمين أعطى مريم الامتياز، وجعلها سيدة نساء زمانها، واصطفاها، وطهرها، وأكرمها بالمائدة الإلهية في المحراب.. ولكن لكل امتياز ضريبة، وضريبتها كانت المحنة التي مرت بها، وجعلتها تتمنى الموت {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا}.. هي حامل بروح الله، وبإذن الله، ومع ذلك فيها هذا العفاف!..

-فإذن، علينا أن نعرض أنفسنا لهذا الجذب الإلهي، فالله -عز وجل- لا يختار إلا ما كان خالصاً، كما في بعض الروايات: (وأخلص العمل، فإن الناقد بصير)؛ فهو لا يخدع.. وما على الإنسان إلا أن يخلص العمل، عندئذ يخرج من بعض صور الشرك الخفي.. وبإمكان الإنسان بالتأمل وبالدراسة أن يصل إلى مصاديق أخرى للشرك الخفي.

عودة لصفحة لقاء سماحته مع طالبات الحوزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى