عباد الرحمن

إرتباط الإيمان الواقعي باليقين

– قال تعالى {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}.. نحن لا نعتقد بالقيامة اعتقاداً مؤثراً بليغاً، إذ أن هناك فرقا بين اعتقاد نظري وبين إيمانٍ يدعونا للعمل.. فالمدخن إذا كان أخصائيا في أمراض الرئة، فإنه يذكر عشرات الآثار المدمرة لمسألة التدخين، ولكن في مقام العمل، لا يطبق ذلك.. فهذا الشخص لو رأى ملكوت التدخين وضرره، لتركه.. ولكن إجمالاً الأفضل عدمه، فأقل ما يمكن أن يقال: أن فيه شبهة الإسراف، فهو يجعل مالاً على شكل لفافة سيجارة ويحرقها، بالإضافة إلى مسألة الإضرار بالبدن.. فلو أن المدخن اكتشف يوم القيامة أنه لو لم يكن مدخناً، لزاد من عمره خمس سنوات، كم كان يمكن أن يمضي فيها من الطاعات، وهذه الخمس سنوات من عمره باعها بالتدخين، أضف إلى مسألة الشبهة في الإسراف في المال.. فكم ستكون حسرته وندمه!.

– إن الإنسان إذا وصل إيمانه باليوم الآخر، إلى مستوى اليقين الذي يراه الإنسان بعينه، لتغيرت حياته كليا، وانقلب رأسا على عقب.. ولكن المشكلة أننا لا نرى ملكوت الحرام، فالحرام له ظاهر وله باطن.. والملكوت هو البُعد الذي لا يُرى من الحرام، وما يعبر عنه في اصطلاح علماء الأخلاق والعرفان بالبُعد البرزخي.

– هل هنالك شيء غير هذه الحياة الدنيا؟.. نعم، هنالك أشياء كثيرة والقرآن الكريم يقول: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.. وإلا فإن الفضاء مليء بالأمواج الصوتية، والأمواج الكهربائية، والأشعة الضارة والنافعة، ولكن كل ذلك لا يُرى.. والإنسان إذا ترقى بعالم المعرفة، فإنه يرى واقع الأشياء، وهذا الذي ذكره النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- عندما مر على بعض قبور أهل البقيع -طبعاً ليس كل من يدفن في البقيع، أو في وادي السلام معناه أن أمره على خير، فالإنسان مرهون بعمله.. من المؤكد أن هنالك بعض البركات، ولكن بشرط وجود القابلية.. فإذا كان الإنسان هو بذاته في الواقع لا يستحق إكرام أمير المؤمنين، فإذا دُفن بجانبه، فمن الطبيعي أن هذا الإنسان لا يستمتع بخصوصيات وادي السلام- أتى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بقيع الغرقد فوقف على قبرين ثريين فقال: أدفنتم هنا فلاناً وفلانة -أو قال وفلاناً- فقالوا: نعم يا رسول الله، فقال: قد أقعد فلان الآن يضرب.. ثم قال: والذي نفسي بيده!.. لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع، ولقد تطاير قبره ناراً، ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الثقلين من الجن والأنس، ولولا تمريج في قلوبكم وتزيدكم في الحديث، لسمعتم ما أسمع.. والتمريج في القلوب، أي أن القلوب غير منضبطة، وغير سليمة، والأفكار متفرقة.. إن الإنسان إذا ضبط خواطره الباطنية، يصل إلى مرتبة يرى فيها الصور البرزخية، وقد ورد: (إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت ويهرب من الناس.. فاقتربوا منه، فإنه يلقن الحكمة)!.

– إن الموتى في عالم البرزخ كالمرضى في المستشفيات، يفرحون عندما يقوم أحد بعيادتهم.. إذا أراد المؤمن أن يتقرب إلى الله -عز وجل- فعليه بزيارة المرضى في المستشفيات، وخاصة إذا كان من الأرحام، فإن أفضل هدية تقدم للمريض هي الزيارة في فترات متقاربة.. ولهذا عندما يزور الإنسان مريضا، فإنه يطلب منه أن يدعو لحوائجه، فيستجاب له.. لأنه إنسان مُبتلى ويعيش الآلام والانكسار، وفي الحديث القدسي: (أنا عند المنكسرة قلوبهم، والمندرسة قبورهم).. والموتى في عالم البرزخ كهؤلاء المرضى، فهم ينتظرون من يتفقدهم بذكر أو بفاتحة.. فهذه الفواتح والقراءات القرآنية، تصل إليهم كالبرق الخاطف.. فالبعض ينكر فائدة قراءة القرآن للميت!.. وهذا الكلام باطل، لأن الإنسان عندما يقرأ القرآن، فهو يتقرب إلى الله -عز وجل- ويدخل السرور على النبي (صلى الله عليه وآله) الذي أنزل عليه القرآن، ثم يقول: يا رب!.. هذا السرور الذي أدخل على النبي، حوّله للميت الفلاني، وهذا النور الذي اكتسبته من قراءة سورة الفاتحة، أرسله إلى قبر الميت الفلاني.

– إن الإنسان في الليلة الأولى من الدفن، يعيش حالة من الأذى والضيق، ما قد يفوق نزع الروح من البدن.. فهنالك محطتان للميت:

– المحطة الأولى: محطة تسمى نزع الروح، والذي يحب أن يعلم ما معنى نزع الروح من البدن، فليحاول أن يشد ظفره قليلاً ليرى، ولهذا من صور التعذيب قلع الأظافر.. لأن الجسم يعيش حالة من الآلام التي لا تُتحمل، فكيف إذا أُريد من الإنسان أن تُخلع روحه من بدنه!.. فهي من المراحل الثقيلة على الإنسان، وقد أشير إلى هذه الحالة في سورة الواقعة: {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ}.

– المحطة الثانية: مسألة الليلة الأولى من الدفن، وهي أول مراحل القبر والقيامة.. فالليلة الأولى ليلة موحشة، ولكن بني آدم وفاؤه جداً قليل، فيرجع الأهل إلى المنازل بعد طول نهار، كانوا مشغولين فيه بالتشييع والدفن، فينامون نومة هنيئة.. وهذا الميت المسكين الذي كان قبل ليلة معه عائلته، وإذا به هذه الليلة يجاور هوام الأرض.

– لذا على المؤمن أن لا ينسى موتاه، فأقل من يمكن أن يقدمه صلاة الوحشة، والصدقة في الليلة الأولى.. وكذلك على الإنسان المؤمن أن يحسب حساب هذه الليلة الموحشة، فيقدم لنفسه لربما نساه الأرحام.. هنالك دعاء يوضع في يد الميت، أو في كفنه، ويا حبذا لو أن أحدنا كتب هذا الدعاء في الحياة الدنيا، في ساعة من ساعات الإقبال على الله -عز وجل- ويا حبذا لو كان عند البيت، أو عند الحطيم، أو تحت قبة الإمام عليه السلام!.. ليكون شهادة معه في قبره.

– روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من كتب هذا الدعاء وألقي في كفن الميت، أو وضع في يده لا يعذب في قبره، والله والله والله!.. وهذا هو الدعاء:
(بسم الله الرحمن الرحيم اللهم!.. هذا أول قدومي إليك فأكرمني، فإن الضيف إذا نزل بقوم يكرم، وأنت أولى بالكرامة.. اللهم مادمت حيا عصيتك وأنت أحسنت إلي، والآن انقطع عصياني، فلا تقطع إحسانك عني.. يا رب أعتقني من النار، بمحمد وآله الأطهار الأخيار الأبرار، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين).. فالمؤمن في الدنيا هو في ضيافة الله، يعيش مع أهله وزوجته وقصره، مشغول بهذه الأمور.. أما عند الحياة البرزخية، فإنه يودع كل هذه الأمور، ولا يأخذ من الدنيا إلا قطعتين من الكفن.. إن الضيف إذا نزل بقومٍ يُكرم، وأولياء وأئمة أهل البيت عادتهم الإحسان، وهم تربية رب العالمين.. فكيف برب العالمين وهو الذي ربى هذه النواة!.

– إن الإنسان في تلك الليلة الموحشة، يحتاج إلى رعاية إلهية.. يقال أن الإنسان إذا أراد أن يبطل مفعول الشهوات، فليذكر نفسه بهذه العوالم التي هو صائر إليها.. هناك حوارية لسليمان مع الأموات، سجل بطريقة جميلة بليغة بصوتٍ شجي مؤثر، فليحاول الإنسان أن يستمع إلى هذا التسجيل، فهو يذكر الإنسان بعقبات وأهوال يوم القيامة.

– قال تعالى {ربنا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}.. نحن لا نعلم كيف نُحاسب، قد يحاسب الإنسان في عالم القيامة لأمور لا تخطر على باله.. أحدهم حُبس أو عُذب فترة من الزمن في عالم البرزخ، لأنه كان لا يوافق على تزويج أخته، كي تكون في خدمته.. إن الولاية هي للأب، ولكن مع الأسف عندما يموت الأب، فإن العم والخال والأخ يتحكمون في مصير البنت.. والحال بأن هؤلاء لا سلطة لهم على البنت، إلا من باب الإرشاد والنهي عن المنكر.. وكذلك لو أن الأب أو الأم قاما بمنع ابنتهما من الزواج، لتكون خادمة في المنزل، فإن نفس العذاب يتوجه إليهما، لأن هذا من صور الظلم.

– ولهذا يقال: من ألطاف الله -عز وجل- في حق الإنسان المؤمن، أنه يؤذن له في الاتصال بورثته بعد الموت، من خلال المنام للتنبيه إلى أنه مشغول الذمة في القبر، ومُعذب بسبب قضية ما، فيقوم الأولاد بتخليصه من هذه المشكلة من خلال إبراء ذمته.. ولكن ليس كل ميت يؤذن له أن يأتي في المنام إلى ولده، ليُرفع عنه عذاب القبر {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}.

– إن الخلود في نار جهنم مرفوع عن المؤمن، فهو مهما عمل من المعاصي، لا يمكن أن يكون من المشركين.. إن هنالك صنفا من الشباب يرى نفسه أسوأ الناس، فهذا الإنسان في مظان الرحمة الإلهية، لأنه يحتقر نفسه إلى أبعد الحدود.. نعم، هذا الاحتقار الباطني، سيفتح للإنسان أبواب الهدى والتقوى.. روي (أن رجلاً كان يدعو الله -عز وجل- ستين سنة في حاجة، وبعد ستين سنة ما أجاب الله -تعالى- دعاءه، فنظر هذا الرجل العابد إلى نفسه، وقال: والله يا فلان!.. لو كان فيك خير لأجاب الله دعاءك، ما تركك الله طيلة هذه الستين سنة إلا لأنك لست أهلاً لأن يجاب دعاؤك.. فسمع منادياً يقول له: والله لاحتقارك لنفسك في هذه الساعة، أحب إلينا من عبادتك ستين سنة).

– لو أننا بُشرنا بالجنة فقيل لنا: كلكم من أهل الجنة، ولكن حكم عليكم جميعاً بالانتظار خمسة أيام في طابور الموالين لأمير المؤمنين قبل دخول الجنة، ولكن هذا اليوم كألف سنة مما تعدون، أي خمسة آلاف سنة، وطابور القيامة ليس طابورا فيه ما فيه من صور المتاع واللذة، لأن اللذة مكانها الجنة، {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ}.. فالإنسان إذا أوقف في السجن لمدة سنة كاملة، ينهار عصبياً، فكيف إذا قيل له في عرصات القيامة: قف خمسة أيام!.. وكيف إذا قيل هذه الخمسة أيام في نار جهنم!.. وهناك ما يسمى بالأعراف، وهي منطقة بين الجنة والنار {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}.. يكفي أن يقال للإنسان: أنت من أهل الأعراف خمسين سنة، ثم تذهب إلى الجنة؛ أي يلتفت فيرى يزيد وشمر وقتلة الحسين يتعذبون في نار جهنم.. وينظر إلى الجهة الأخرى، فيرى درجات النعيم، والحور العين.. {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ}.. إن الذي يعتقد بهذه الأمور، لا بد أن يعد له العدة.

– إن الإنسان إذا لم يكن عبداً للرحمن، فهو عبد للشيطان.. وماذا بعد الحق إلا الضلال!.. فالإنسان: إما رحماني، أو شيطاني.. هل الذي يعتقد بالقيامة وبعذاب القبر، يرتكب المخالفات الأخلاقية، وهو في موكب عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)، أو في المأتم وبثياب ترمز إلى الحداد؟.. فالذي يتجاوز حدود الدولة إلى دولة أخرى، يعتبر متسللا.. والمتسلل يطلق عليه طلقة أولى لتخويفه، وإذا لم يستجب واقتحم البلد فإنه يُردى قتيلاً.. هذا عُرف الدول، والذي يهين علم دولة محترمة يعاقب؛ لأنه يعتبر أنه هتك حرمة تلك الدولة.. فالقضية ليست قضية اعتداء على قماش لا قيمة له في السوق!.

– والأخت المؤمنة التي تظهر قليلا من شعرها، هي تعدت حدود الله {ومن يتعدى حدود الله}.. فالمرأة التي تكشف كل شعرها سافرة، والتي تكشف بعض شعرها سافرة أيضا، فهذه سافرة أسفرت عن الكل، وهذه أسفرت عن البعض.. فمن يصلي صبحاً وظهراً ولا يصلي ليلاً، يسمى تارك الصلاة، سواء ترك الفرائض كلها أو ترك بعضها.

– لماذا المؤمن أكثر الناس ابتلاء: فحياته حياة فقر، ومشاكل عائلية، ونكبات دراسية، وأمراض نفسية؟.. إن رب العالمين يريد أن يؤدب المؤمن، لأنه سفير الله في الأرض.. فالإنسان عندما يرتدي السواد أيام عاشوراء، أي أنه يقول: أنا حسيني الانتماء.. ولذا، فإنه عندما يعصي الله بهذا الثوب، فينظر إلى امرأة وهو في حداد، فإن رب العالمين لا يؤخر العقوبة له.

– وقد ورد في مضمون رواية: أن الإمام الصادق (عليه السلام) جاءه خبر عن مرض ولده إسماعيل، فقال: اذهبوا وسلوا إسماعيل ماذا عمل حتى أصيب بهذا المرض!.. فذهبوا وإذا به كان منه شيء من الظلم على إحدى الجواري.. فقال الإمام (عليه السلام) – ما مضمونه-: إنا أهل البيت تعجل لنا العقوبة في الدنيا قبل الآخرة!.. وهنا الكلام للذين يسيئون معاملة الخدم: فليحذروا من مغبة هذه الإساءة!.. فإنها عظيمة عند الله عز وجل، فما أسرع انتصاره لعباده المستضعفين الذين لا ناصر لهم إلا هو تعالى!.. فالبعض ينظر إلى الخادم كأنه عبد أو أسير!.. والحال بأنه ما هو إلا موظف، وهنالك عقد عمل، وساعات عمل محددة، ولا معنى لفرض التحكم والاستعباد بخلق الله تعالى!.. فالذي لا يأمن من نفسه هذا الظلم أو الوقوع في الحرام، فليجنب نفسه ويلات ظلم الخدم، فإن التبعات التي يجرها على نفسه لا تقاس بالنفع الحاصل منهم!.

– وعليه، فإن رب العالمين يعجل لنا العقوبة في الحياة الدنيا، إذا أخطأنا.. فالذين يكثرون الذهاب إلى المآتم، ويقيمون مجالس أهل البيت، ويلطمون على صدورهم في مراثي أهل البيت.. فهؤلاء رب العالمين يصفيهم في الدنيا قبل الآخرة.. فما دام الأمر كذلك، فلننظف ملفاتنا مع رب العالمين، ولا نعمل ما يوجب لنا تسريع العقوبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى