زادك في دقائقزادك في دقائق

الامتحان عند ثلاث

طرق الاختبار..
إن رب العالمين جعل لبني آدم محطات اختبارية، وهذا دأب البشر، ففي كل المعاهد التعليمية هناك في السنة عدة محطات اختبارية، فهذا ليس بالأمر الغريب!.. ولكن من المهم أن نعلم أن اختبارت رب العالمين خفية، حيث أن الإنسان يُفاجأ ولا يعلم أن ما كان فيه هو اختبار؛ إلا بعد الانتهاء منه والفشل فيه.. وهنا المصيبة، لأن الإنسان لو يعلم أن هذا اختبار؛ فإنه يعدّ نفسه؛ ولكن لا يعلم إلا بعد فوات الأوان!.. والاختبار الإلهي للعبد له عدة طرق، نفهم بعضها من الروايات وبعضها من الآيات.

الآيات..
إن الاختبار الإلهي يكون في:

أولاً: المحبة.. إن الإنسان يختبر عند محبته للشيء، يقول تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ أي عندما يحب الإنسان شيئاً، فإنه يختبر في ذلك المحبوب.. ولهذا رب العالمين ابتلى الأنبياء بأعزتهم؛ فإسماعيل (عليه السلام) كان محبوباً عند إبراهيم الخليل (عليه السلام) لذا ابتلي به.

ثانياً: الحاجة.. وقد يكون الابتلاء بما يحتاج إليه الإنسان، يقول تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.. فإبليس اللعين ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى﴾؛ وبما أن آدم (عليه السلام) كان يحب أن يبقى في هذه الجنة أبد الآبدين، لذا جاءه من هذا الباب وأغراه؛ مما جعل آدم (عليه السلام) يأكل من الشجرة!.. فإذن، إذا احتاج الإنسان إلى الشيء، يمكن أن يكون فيه الاختبار.

الروايات..
إن هناك مواضع أخرى للاختبار، منها:

أولاً: عند الرضا والغضب..
إن أمير المؤمنين (عليه السلام) يعتبر أن الاختبار يمكن أن يكون في الرضا والغضب، فمن وصيته لابنه الحسين (عليه السلام): (يا بني!.. أوصيك بتقوى الله عز وجل في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب).

1. الرضا: إن الإنسان إذا أحب شخصاً؛ فإنه يبتلى به: أي إن كان -ذاك المحبوب- ظالماً؛ فإنه يحب الظالم، ويدافع عنه؛ وهنا يكون قد سقط في الاختبار.. كأن يرى ولده أو رحمه أو صديقه، في خصومة مع شخص آخر، فإذا به بلا سؤال وبلا تحقيق، يأخذ جانبهم!.. وهذا الإنسان ينطبق عليه هذا البيت من الشعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** ولكن عين السخط تبدي المساويا

2. الغضب: إن الإنسان الذي يبغض شخصاً، عندما يُذكر عنده ذلك الشخص من قبل إنسان عنده حقد وعداوة؛ فإنه يؤيد ذلك الكلام، ولا يدافع عنه.. بينما المؤمن عنده ميزان: أي مادام هذا الإنسان المغتاب مؤمناً؛ فلابد أن ينصره، ولو كان بينهما خلاف أو عداوة.. روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (ما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته؛ إلا خذله الله في الدنيا والآخرة).

ثانياً: عند الصلاة والأسرار والأموال..
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (امتحنوا شيعتنا عند ثلاث: عند مواقيت الصلوات؛ كيف محافظتهم عليها!.. وعند أسرارهم؛ كيف حفظهم لها عن عدونا؟.. وإلى أموالهم؛ كيف مواساتهم لإخوانهم فيها)!..

-(امتحنوا شيعتنا عند ثلاث).. إن هناك امتحاناً، قسم منه سهل، وقسم يحتاج إلى جهاد نفس في بعض الحالات..

1. الصلاة: إن سافر الإنسان مع أخ مؤمن، وأراد أن يختبر إيمانه، فلينظر إلى حاله في المطار أو في الطائرة، عندما يحين وقت الصلاة: فإن كان مرتبكاً، يبحث عن مصلى؛ فليعلم أن هذا الإنسان اجتاز أحد الامتحانات.. فمن صفات المؤمن أنه عند الأذان، يرتبك ويبحث عن مكان يصلي فيه.. مثل مدمن التدخين؛ عندما يأتي موعد التدخين، فإنه يبحث عن دخانه أينما كان.. المؤمن هكذا عندما يدخل وقت الصلاة؛ يعيش هذه الحالة الارتباكية.

2. الأسرار: إن أسرار أهل البيت (عليهم السلام) يمكن أن تفسر بأحد معنين:

المعنى الأول: إن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يعيشون ظرف تقية، لأن الإمام كان يُبحث عنه من قبل طاغية عصره، كما حدث مع الإمامين العسكريين اللذين أجبرا على الذهاب إلى سامراء!.. فالإمام الهادي والإمام العسكري، لم تكن لهما كرسي التدريس كجدهما الصادقين: الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام)، كانا في المدينة صاحبا مدرسة.. أما الإمام الهادي والإمام العسكري، فقد كانا في مدينة سامراء، في منطقة العسكر، لذا سميا بالعسكريين، وكانا تحت الإقامة الجبرية.. فإذن، إن بعض أسرار الأئمة (عليهم السلام) كانت عند شيعتهم، فيأتوا لهم بالأموال، ويستفتوهم في شؤون الحياة.

أ- قال أبو عبدالله (عليه السلام): (يا معلى!.. اكتم أمرنا ولاتذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه: أعزه الله به في الدنيا، وجعله نورا بين عينيه في الآخرة، يقوده إلى الجنة.. يا معلى!.. من أذاع أمرنا ولم يكتمه: أذله الله به في الدنيا، ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجعله ظلمة تقوده إلى النار.. يا معلى!.. إن التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له.. يا معلى!.. إن الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية.. يا معلى!.. إن المذيع لأمرنا كالجاحد له).

ب- وفي رواية أخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: (إن أمرنا مستور مقنع بالميثاق، فمن هتك علينا؛ أذله الله).

ج- عن عيسى بن أبي منصور قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: (نفس المهموم لنا، المغتم لظلمنا؛ تسبيح.. وهمه لأمرنا؛ عبادة.. وكتمانه لسرنا؛ جهاد في سبيل الله).. قال لي: (محمد بن سعيد!.. اكتب هذا بالذهب)!.. فما كتبت شيئاً أحسن منه.

المعنى الثاني: أما الآن -في زماننا هذا- فلم يعد هذا الأمر بسر، ولكن هناك بعض الروايات، هذه الروايات تحتاج إلى القبول بمبدأ الإمامة، وأمثال هذه الروايات لا يقبلها إلا من يعتقد بعصمة الأئمة (عليهم السلام).. لذا، يجب عدم نقلها إلى من لا يعتقد بالإمامة، ولا يعتقد بعصمتهم -فهؤلاء غاية الأمر عندهم أنهم يقولون: أئمتكم علماء كبار-!.. لأن هذه الروايات قبلوها، يحتاج إلى شرح صدر، فلابد أن يقبل المقدمات أولاً، حتى يقبل الفكرة.. فلماذا يذكر الإنسان بعض المستحبات الغريبة أمام الآخرين؟.. عندما يريد الإنسان أن يناقش من يخالفه، عليه أن يبدأ معه من الغدير والإمامة، ويدع عنه الفروع الفقهية؛ لأن هذا الإنسان إذا اعتقد بالإمامة؛ عندئذ يعتقد بالرسالة العملية.. أما إذا كان لا يعتقد بأمير المؤمنين؛ فلا يتعب نفسه بالجزئيات كـ: السجود على التربة، والزواج المنقطع، والجمع بين الصلاتين، والتكتف، وغيره.. لأن هذه أحكام شرعية مأخوذة عن أهل البيت (عليهم السلام)، فلابد أن يثبت له الأساس؛ أي “ثبّت العرش ثم انقش الفرش”!.. هذا هو القانون.

أ- روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: (خالطوا الناس بما يعرفون، ودعوهم ممّا ينكرون، ولا تحملوهم على أنفسكم وعلينا.. إنّ أمرنا صعب مستصعب: لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد قد امتحن الله قلبه للإيمان).

ب- وفي رواية أخرى: أن الإمام علياً (عليه السلام)، قد قال للرجل اليوناني بعدما أسلم: «وآمرك أن تصون دينك، وعلمنا الذي أودعناك، وأسرارنا الذي حملناك.. فلا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، ويقابلك من أجلها بالشتم واللعن، والتناول من العرض والبدن.. ولا تفش سرنا إلى من يشنع علينا عند الجاهلين بأحوالنا، ويعرّض أولياءنا لبوادر الجهال..» إلى أن قال: «فإنك إن خالفت وصيتي؛ كان ضررك على نفسك وإخوانك، أشد من ضرر الناصب لنا، الكافر بنا..».

ج- روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (مـا قَتَلَنـا مَنْ أَذاعَ حَدِيثَنـا قَتلَ خطأ، وَلَكِن قَتَلَنـا قَتلَ عَمد).

3. الأموال: بعض الأوقات عندما يطلب المؤمن من أخيه المؤمن مالاً؛ قد يكون هذا الطلب اختباراً لإيمانه: فإذا واساه بالمال؛ كان من شيعتهم حقاً!..

النتيجة..
إن هناك إصراراً على أن نلتفت إلى الامتحانات، لأن الإنسان عندما يموت يرى النتائج، ويرى العلامات.. هو في الدنيا لم يعلم شيئاً، ولكن عند الموت تفتح الملفات الاختبارية، يقال له: في ذلك اليوم اختبرناك في كذا، ولكنك سقطت في الامتحان.. فالآن إما عقاب وإما عتاب: إذا كان الامتحان الذي سقط فيه حرام؛ فعقاب.. أما إذا كان: ترك أولى، أو ترك مستحب، أو مكروه؛ فعتاب.. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ، وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ؛ أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ، وَعَثْرَةِ الْإِمْتِحَانِ)..

-(حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ).. الكل ذهب ونام في المنزل.

-(وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ).. كل المتفجعين حتى الأم الثكلى بعد أربعين يوماً تهدأ، وبعد سنتين أو ثلاث؛ تنسى الشاب المأسوف على شبابه.

-(أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ).. الآن اجلس أيها الميت!..

-(نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَال، وَعَثْرَةِ الْإِمْتِحَانِ).. الآن تصيبه حالة من الذهول، مثله مثل إنسان كان يتوقع النجاح، وإذا به يسقط في الامتحان!.. هذا الإنسان عندما تعطى له الشهادة الراسبة؛ فإنه يتفاجأ بها!.. الناس في قبورهم هكذا، يتفاجؤون بالعثرات.

التعويض..
إن خير حل لتجنب هذه العثرات، أن نعد أنفسنا لامتحان الآخرة، حيث أن هناك فرقاً بين امتحان الدنيا وامتحان الآخرة:

1. امتحان الدنيا: إن الطالب إذا رسب -هذه الأيام- في الامتحانات؛ فليس له مجال للنجاح، إلا إذا كان الرسوب في درجة أو درجتين؛ فإنه يراجع مجلس الرحمة.

2. امتحان الآخرة: أما في امتحان الآخرة، فمادامت الروح لم تفارق البدن؛ بإمكان الإنسان أن يعوض، ألا نقرأ في الدعاء: (يا مدرك كل فوت)!.. فالذي يسقط في الامتحان، بإمكانه أن يطلب أحد أمرين:

أ- يقول: “يارب!.. أنا سقطت في الامتحان، الأمور بيدك؛ تمحو ما تشاء وتثبت ما تشاء.. يارب!.. أعطني درجة الناجحين، وأنا من الراسبين”!.. ما المانع؛ إنه أكرم الأكرمين؟!..

ب- يقول: “يا رب!.. أعد لي الامتحان، إن شاء الله سوف أنجح في امتحاني لاحقاً”.

فإذن، إما أن يطلب من الله عز وجل النجاح من دون امتحان؛ وهو الأفضل!.. أو إن كان ولابد من الاختبار؛ يطلب منه أن يعينه على الاختبار اللاحق.. عندئذ -إن شاء الله- رب العالمين يأخذ بيده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى