زادك في دقائقزادك في دقائق

نفحات من سورة محمد (ص) – 3

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.. إن هذه الآيات نزلت بعد آيات القتال.. والمعنى الكامل لنصرة الله -عز وجل-: ما كان عليه البدريون والأحديون، الذين قاتلوا مع النبي المصطفى ()!.. فرب العالمين له عالم الأسباب يقول تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾؛ وقد ورد هذا اللحن كثيراً في القرآن الكريم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾، ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾؛ أي معاملة متكافئة!.. فهؤلاء المؤمنون ومعهم النبي () لو جلسوا في المدينة من دون قتال؛ لما نصرهم الله -عز وجل-؛ وهذا قانون الحياة: إن تنصروا الله في كل زمان، وفي كل مكان، وفي أية حالة: فالإنسان الذي له معاشرة مع الفاسقين، ينصر الله -عز وجل- بالنهي عن المنكر.. والذي له صلة مع غير المسلمين، ينصر الله -عز وجل- بدعوتهم إلى هذا الدين.. فلكل زمان، ولكل إنسان؛ طريقته في نصرة الله -عز وجل-.. والنصر معنى عام!.. ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾؛ هنا التأكيد!.. في عالم الحروب يقولون: النصر في كفة، والحفاظ على مواطن النصر في كفة أخرى.. أي أن تأخذ أرض العدو؛ هذا نصر!.. ولكن المهم أن تثبت في مكانك، وتتحمل القصف المقابل!..

فإذن، إن ثبات الأقدام هو أهم علامة من علامات النصر.. وعليه، فإن هذه الآية من أهم مبشرات النصر للمؤمنين!..

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.. منذ أن خلق الله -عز وجل- آدم إلى يومنا هذا، لم تبق أي حكومة ظالمة، أو كافرة؛ فكل تلك الحكومات اندثرت، يقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس﴾.. وآخر الحكومات الظالمة التي بنيت قديماً على أساس الكفر، هي الحكومة الملكية في بلاد فارس وقد انقرضت، فهذا كان آخر ما بقي من الماضي القديم.. لذا، فإننا اليوم لا نرى أي حكومة: للفراعنة والجبابرة، أو للقياصرة والأكاسرة، ﴿فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾.. إن البعض يتساءل: هل الذين اخترعوا هذه الاختراعات المذهلة، لهم أجر وثواب عند الله -عز وجل-؟!.. الجواب هو من القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾!.. فهؤلاء لم يعملوا لوجه الله -تعالى- حتى يطالبوا رب العالمين بالأجر، إنما كان عملهم لأنفسهم، ومن أجل كسب المال، وفي أحسن التقادير للإنسانية.. لذا، فليأخذوا أجرتهم من أهل الأرض جميعاً.. ولكن لمَ كل هذا الكلام: ﴿َأَضَلَّ﴾ و﴿أَحْبَطَ﴾؟.. بينما المؤمنون: ﴿يُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾، ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّة﴾؟.. إن الجواب في الآية اللاحقة:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾.. والله العالم!.. أن أهمّ آية في سورة محمد () هي هذه الآية!.. فـ﴿مَوْلَى﴾ بمعنى: الولي، والولي فيه صفتان:
الصفة الأولى: صفة تنطبق على المؤمن والكافر، وهي التي بمعنى: المدبر والمالك؛ فرب العالمين مولى لفرعون، ومولى لموسى -عليه السلام-.
الصفة الثانية: هي مولوية: النصر، والمحبة، والقرب؛ وهذه خاصة بالمؤمنين.

إن كل ما سبق من آيات النصر ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وغيرها؛ سببه أن ﴿اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾.. فإن قال قائل: ولكن نحن نقرأ في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي الكافرون لهم مولى، وإن كان الطاغوت.

الجواب هو: لا مولى لهم؛ لأن هؤلاء أولياء وهميّون، يتولوهم فقط لسنوات، ثم يُفرّق بينهم.. وفي عرصات القيامة هناك نزاع بين الظالمين ومتبعيهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾.. فإذن، لا مولى لهم!.. وهنا لفتة قرآنية جيدة في آية الكرسي، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾؛ أي أن المؤمن عمله وارتباطه مع ولي واحد، وهو الله -عز وجل-.. بينما الأولياء الوهميون كثيرون، ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى