زادك في دقائقزادك في دقائق

أسرار سورة الليل-2

إن آيات “سورة الليل”، تشير إلى آيات الآفاق، وإلى آيات الأنفس ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾.. فالقرآن الكريم جعل الآفاق في كفة، والأنفس في كفة، لهذا يقول تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾.. فإذن، بني آدم في حد نفسه مظهر في قبال كل الموجودات، يقول الإمام علي -عليه السلام-: (أتزعم أنك جرم صغير، وفيك أنطوى العالم الأكبر)؟!..
إن هناك إشارة إلى مسألة الإنفاق في هذه السورة المباركة، حيث يقول تعالى:
﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾.. أي جعل العطاء مقترناً بالتقوى!.. فالبعض قد يكون على رأس قائمة الخيّرين؛ أي: له عشرات المساجد، والمراكز، ويتكفل مئات الأيتام؛ ولكن لا نور له: يغتاب، ويتكلم في الباطل؛ شأنه شأن الآخرين.. وذلك لسببين:
أولاً: الرياء.. فهذا العمل قد يكون في الأصل لا قيمة له؛ لأن صاحبه كان مرائياً عند القيام به.. والمرائي عمله غير مقبول؛ بل يذهب هباء منثوراً.. فالعمل الذي يكون لله ولغير الله -عز وجل-؛ فإن الله -عز وجل- يتنازل عن حقه في ذلك العمل ولا يقبله.. روي عن النبي (ص) أنه قال: (قال الله -عز وجل-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك!.. فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري؛ فأنا منه بريء، فهو للذي أشرك).. أي أنا خير الشريكين، وأنت عملت لي ولغيري، فخذ الأجر من الشريك الثاني، أنا لا أريد هذا العمل.
ثانياً: البعد عن الله.. إن المرائي ليست مشكلته أن عمله غير مقبول؛ فهذا أمر مسلّم به.. ولكن هناك ادّعاء أعظم!.. فالذي يعمل لغير الله -عز وجل- لم يراوح في مكانه، بل ازداد من الله -عز وجل- بعداً؛ لأنه بريائه نزّل مقام الربوبية: فهو يعمل لله -عز وجل- وللناس، أو أن عمله الظاهري لله -عز وجل- وكله للناس؛ وهذه مصيبة!..
فإذن، إن السر في أننا نرى البعض من أهل الخير لا نور لهم، أنهم ما عملوا بهذه الآية: ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾؛ فالعطاء يجب أن يكون مع التقوى.. كما أن التقوى من دون عطاء؛ لا قيمة لها!.. فالإنسان الذي له محراب، وليس له حراب، أي ليس له عمل خارجي؛ أيضاً هذا إنسان ناقص.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.. إن رب العالمين كريم، لذا فإنه يعطي الإنسان الكريم، والذي يقدّم المساعدة للمحتاجين؛ فهذا ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾.. وعليه، فإن السبيل إلى الكرم الإلهي؛ هو في إكرام الآخرين!.. وهنا نكتة تفسيرية جداً رائعة، يقول أحدهم: القرآن لم يقل: نيسر اليسرى له، بل قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.. وهناك فرق بين إنسان تُيسّر له الأعمال، وبين إنسان هو يُيسّر للأعمال: فتارة رب العالمين يُيسّر العمل للإنسان؛ دون أن يُغيّر فيه شيئاً.. وتارة يُغيّر الإنسان؛ فيرى الأمر الكبير صغيراً، ألم يقل الإمام علي -عليه السلام-: (إذا هبت أمراً فقع فيه، فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه)!.. مثلاً: هناك إنسان يريد أن يبني مسجداً، فيقول: هذا الأمر بسيط، لا يحتاج إلى أكثر من دعاء وسعي، وإن شاء الله -تعالى- أوفق لذلك.. فهو يطلب من الله -عز وجل- أن يحوّل باطنه، لا ييسر المسجد له، بل ييسره للمسجد.. وشتان بين أن يكون الأمر سهلاً، وبين أن يرى الإنسان الأمر سهلاً، فبينهما فارق كبير!..
هنا رواية ملفتة عن الإمام الباقر -عليه السلام- في تفسير هذه الآيات، حيث يقول: (﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى﴾ مما أتاه الله، ﴿وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾؛ أي بأن الله يعطي بالواحد عشراً إلى مائة ألف فما زاد؛ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾؛ لا يريد شيئاً من الخير إلا يسر الله له)!.. ولهذا قد يكون هناك إنسان متواضع، لا وجاهة له، ولا مال له؛ ولكن رب العالمين يجري على يديه الخير الكثير: فيجعل له صدقة جارية كبيرة، ويرزقه بولد صالح يدعو له، ويعطيه علماً كثيراً ينتشر بين الناس.. فرب العالمين ييسر هذه الأمور للمؤمن!..

﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.. أي الذي يبخل بماله، ويجمعه، ولا ينفقه في سبيل الله -عز وجل-، ويكذب بالثواب؛ فهذا الإنسان سيخذله الله -عز وجل-، ولا يوفقه للأعمال الصالحة.. وعندها سيكون العقاب، هو السقوط في نار جهنم.

﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾.. الحيوان عندما يسقط من شاهق؛ يموت.. وهذا الإنسان البخيل، والمكذب بالثواب: في الدنيا يسقط، وفي الآخرة يسقط.. بعض الناس في الدنيا يسقط من عين الله -عز وجل-، ومن عين الخلق.. وإذا لم يسقط من عين الخلق؛ فهو ساقط من عين الله عز وجل.

﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى﴾.. أحياناً يكون الإنسان كريماً ومعطاءً لمن له يد عليه، يريد أن يرد الجميل؛ هذا شيء طيب!.. ولكن في منطق القرآن، هذا العمل ليس لوجه الله -عز وجل-، إنما يريد أن يردّ الجميل بالجميل.. بينما الأتقى لا يكرم مقابل جزاء لنعمة أخرى،لا يعطي جزاء الإحسان، وإنما عطاؤه يكون لوجه الله -سبحانه وتعالى-.. أما الذي يردّ الجميل، فهذا العمل عاد إلى نفسه: فهو يريد أن يرتاح ضميره، أو يريد أن يُفهم الناس أنه إنسان يردّ الجميل.. فإذن، عاد العمل إلى الذات.. والقرآن الكريم جداً دقيق حيث يقول: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى﴾؛ أي لا يريد أن يجازي أحداً بنعمته.
﴿إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾.. أي يؤتي ماله؛ قربةً إلى الله -عز وجل- وطلباً لرضاه -سبحانه وتعالى-.
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.. هنا احتار المفسرون في فاعل ﴿يَرْضَى﴾: من الذي يرضى: هل رب العالمين هو الذي يرضى، أم العبد يرضى؟.. كلاهما محتمل!.. فهذا الإنسان الذي يبتغي وجه ربه، سيأتي يوم يرضى فيه عن الله -عز وجل- ألا يقول تعالى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾؟.. وذلك اليوم هو يوم القيامة، حيث يعطيه الله -عز وجل- من الثواب والأجر ما لم يخطر على قلبه!.. قال صاحب تفسير الميزان: “أي ولسوف يرضى هذا الأتقى، بما يؤتيه ربه الأعلى من الأجر الجزيل، والجزاء الحسن الجميل”.. ومن الممكن أن يكون الفاعل هو رب العالمين؛ فهنيئاً لمن رضي رب العالمين عنه!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى