زادك في دقائقزادك في دقائق

سورة الشمس

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا}.

إن الله -عز وجل- في الجزء الأخير من القرآن، يقسم كثيراً بمظاهر الطبيعة.. وفي سورة الشمس، هناك أقسام كثيرة ومتعددة على أمر واحد.. فـ: “وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالنَّهَارِ، وَاللَّيْلِ، وَالسَّمَاء، وَالأَرْض”؛ هذا مقسم به.. وهناك مقسم عليه؛ أي الأمر الذي يريد رب العالمين أن يفهمنا إياه، وهو: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.

{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}.. رب العالمين يقسم بالأشياء المرئية، ما أقسم بالجن، ولا بالملائكة، ولا بالجراثيم مثلاً، وهي مادية أيضاً.. بل أقسم بهذه الشمس التي نراها كل يوم، هذا الجرم المنير، هذه الكتلة الهائلة في السماء.. والضحى: انبساط الشمس، وامتداد النهار.. وفي الآية إقسام بالشمس، وانبساط ضوئها على الأرض.

{وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا}.. إقسام بالقمر حال كونه تالياً للشمس.. والمراد بتلوه لها، إن كان كسبه النور منها، فالحال حال دائمة.. وإن كان طلوعه بعد غروبها؛ فالإقسام به من حال كونه هلالاً إلى حال كونه بدراً.

{وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا}.. التجلية: الإظهار، والإبراز.. والمعنى: وأقسم بالنهار إذا أظهر الأرض للأبصار.. وقيل: المراد الإقسام بحال إظهار النهار للشمس، فإنها تنجلي وتظهر إذا انبسط النهار.. إن تعاقب الليل والنهار من آيات الله عز وجل، لأن الليل والنهار ينشأن من حركة الكرة الأرضية حول نفسها.. ولكن من المحرك؟.. وما هذه الحركة العجيبة المنتظمة منذ ملايين السنة؟.. فهذه الجاذبية الكونية، وارتباط المجرات بأنفسها؛ من الأشياء المذهلة!..

{وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}.. ما المقصود بـ{وَمَا بَنَاهَا}؟.. المراد هو رب العالمين.. ولكن لماذا لم يقل: و”من بناها”، فرب العالمين يعبر عنه بـ”بمن” لا بـ”ما”؟.. يقول المفسرون: هنا المراد القوة التي مسكت السموات، وحفظت هذا الوجود.. والله العالم!.. قد يكون المراد هذه الجاذبية الكونية، التي حفظت الأفلاك في مداراتها.. ولهذا قال: {وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا}؛ أي الأمر الذي جعلها مبنية بهذا الشكل.. {وَمَا طَحَاهَا}: طحو الأرض ودحوها: بسطها، والذي طحاها هو الله تعالى.. والتعبير عنه -تعالى- بـ”ما” دون “من” لإيثار الإبهام المفيد للتفخيم والتعجيب.. فالمعنى: أقسم بالأرض، والشيء القوي العجيب الذي بسطها.

{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}.. الفلاح: هو الظفر بالمطلوب، وإدراك البغية.. والزكاة: نمو النبات نمواً صالحاً ذا بركة.. والتزكية إنماؤه كذلك.. فالنفس نفس بسيطة، والطفل عندما يولد تكون فيه براءة الطفولة، ولا يعرف الكذب، وعندما يُكذب عليه، ينبهر ويتعجب؛ هذا هو صفاء الفطرة!.. لذا ينبغي أن ننمي هذا الصفاء الذاتي.

{وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.. الخيبة: خلاف الظفر.. والدس: إدخال الشيء في الشيء، بضرب من الإخفاء.. والمراد بها: الإنماء على غير ما يقتضيه طبعها، وركبت عليه نفسها.. هذه النفس التي كانت على فطرتها، وإذا بها أصبحت في مقابل التزكية.. البعض عندما يصبح في سن الستين والسبعين، تصبح له صفات قبيحة، لم تكن معه أيام بلوغه وأيام طفولته.. رغم أنه أمضى ستين سنة في العبادة من: الحج، والعمرة، والصيام، وغيره.. وإذا بهذه النفس تزداد سوءاً: كان إنساناً وديعاً؛ فأصبح وحشياً.. كان إنساناً سليماً عادلاً مستقيماً؛ فأصبح منحرفاً.

{فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}.. المراد برسول الله: صالح (ع) نبي ثمود؛ أي احذورا ناقة الله وسقياها.. والمعنى: فقال لهم صالح برسالة من الله: احذروا ناقة الله، ولا تتعرضوا لها بقتلها، أو منعها عن نوبتها في شرب الماء.. حيث جعل لهذه الناقة وقتاً معيناً لشربها من الماء، وفي المقابل تعطيهم الحليب.. ناقة الله، ناقة لا كباقي النوق!.. فالصحراء فيها نوق كثيرة، ولكن هذه الناقة منسوبة إلى الله -عز وجل- لذا لها حرمة.. ولهذا قيل: أن أشقى الآخرين الذي تورط في قتل أمير المؤمنين، وأشقى الأولين الذي عقر ناقة ثمود.. انظروا إلى عظمة القضية!..

الدرس العملي:
1. أن الشيء بما هو، له قيمة ما.. ولكن عندما ينتسب إلى الله -عز وجل- يصبح له شأن آخر.. فالكعبة هي حجارة جبال مكة، ولكن هذا الحجر؛ هو حجر الله بيت الله عز وجل.
2. أن الإنسان محترم، والذي يقتل إنساناً بريئاً؛ إنسان مدان.
3. أن الله -عز وجل- سريع الانتقام للمؤمن، فالمؤمن له وجاهة عند الله -عز وجل- وهو ليس بأقل من ناقة صالح.. لذا، فلنحذر إهانة المؤمن!..

{فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا}.. العقر: إصابة أصل الشيء، ويطلق على نحر البعير، والقتل.. والدمدمة على الشيء: الإطباق عليه.. والمراد شمولهم بعذاب: يقطع دابرهم، ويمحو أثرهم؛ بسبب ذنبهم.. وقوله: {فَسَوَّاهَا}؛ أي فسواها بالأرض.. والمعنى: فسوى الدمدمة بينهم، فلم يفلت منهم قوي، ولا ضعيف، ولا كبير، ولا صغير.. مسحهم عن آخرهم، وفيهم البريء؛ لأنهم لم يأخذوا على يد المعتدي.. فقد رأوا هذا المعتدي عاقر الناقة، وسكتوا عنه.. فرب العالمين عمم لهم البلاء.

{وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا}.. هنا اختلاف بين المفسرين: التفسير الأول: ولا يخاف ربهم عاقبة الدمدمة عليهم وتسويتهم، كما يخاف الملوك والأقوياء عاقبة عقاب أعدائهم وتبعته؛ لأن عواقب الأمور هي ما يريده، وعلى وفق ما يأذن فيه.. والتفسير الثاني: ولا يخاف عاقر الناقة عقبى ما صنع بها.. التفسير الثالث: ولا يخاف صالح عقبى الدمدمة عليهم، لثقته بالنجاة.

الخلاصة: إن رب العالمين انتقم لعاقر ناقة ثمود، فدمدم عليهم؛ فكيف برب العالمين عندما يرى قاتل علي بن أبي طالب، يخضب شيبته بدم رأسه، في شهر الصيام، وفي مكان محرم؟.. المآسي التي مرت على الأمة الإسلامية في الدولتين العباسية والأموية، لا نستبعد أنها من آثار الظلم الذي وقع على أئمة أهل البيت (ع).. ولازلنا نعيش آثار هذه المحنة.. عن رسول الله (ص): (يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها).. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟.. قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم!.. وليقذفن الله في قلوبكم الوهن)!.. فقال قائل: يا رسول الله!.. وما الوهن؟.. قال: (حب الدنيا، وكراهية الموت).. نعم هذا الوهن الذي أصابنا، نعزيه إلى انحراف الأمة عما رسمه رب العالمين لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى