زادك في دقائقزادك في دقائق

سورة المسد

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}.

إننا في هذه السورة التي فيها ذكر لأبي لهب وزوجته أم جميل، نرى أشياءً غريبة في خلقة رب العالمين: ففي بيئة واحدة، وفي أسرة واحدة؛ هناك هذا التمايز في الطبائع والنفوس.. باب الاختيار مفتوح!.. فرب العالمين نصر نبيه (ص) بعمه أبي طالب، وأما أبو لهب فعم آخر وهو ابن عبد المطلب، ولكن كان له هذا الموقف من رسول الله (ص)؛ يا لها من عائلة خبيثة!.. زوجته كانت تضع الأشواك في طريق النبي (ص)، وأبو لهب كان يستهزئ بابن أخيه أيما استهزاء!.. وكان شديد المعاداة للنبي (ص)، مصرّاً في تكذيبه، مبالغاً في إيذائه بما يستطيعه من قول وفعل.. في المجمع: في قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} عن ابن عباس قال: (لما نزلت هذه الآية، صعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الصفا، فقال: “يا صباحاه”!.. فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟.. فقال: “أ رأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم وممسيكم، ما كنتم تصدقونني”؟.. قالوا: بلى!.. قال: “فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد”، قال أبو لهب: تباً لك أ لهذا دعوتنا جميعا؟.. فأنزل الله -عز وجل- {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ}).

{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}.. التباب: الخسران، والهلاك؛ أي خسرت صفقته.. فيد الإنسان هي عضوه الذي يتوصل به إلى تحصيل مقاصده، وينسب إليه جل أعماله.. وتباب يديه: بطلان أعماله التي يعملها بهما.. فقوله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}؛ أي دعاء عليه بهلاك نفسه، وبطلان ما كان يأتيه من الأعمال، لإطفاء نور النبوة.. فطوال التاريخ: الظالمون، والطواغيت، أمثال: فرعون، ونمرود، وهامان، وغيرهم، كم تعبوا من أجل محو معالم الدين!.. ولكن القرآن يقول: تبت أيديهم!.. هذه أيديهم خاسرة، لا تنفع ولا تؤثر، {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.. وأبو لهب هو بن عبد المطلب، عم النبي (ص).. وذكر بعضهم: أن أبا لهب اسمه، وإن كان في صورة الكنية.. وقيل: اسمه عبد العزى، وأحسن ما قيل في ذكره في الآية بكنيته لا باسمه: إن في ذلك تهكماً به؛ لأن أبا لهب يشعر بالنسبة إلى لهب النار.. وقيل: لم يذكر باسمه، وهو “عبد العزى” لأن “عزى” اسم صنم، فكره أن يعد بحسب اللفظ عبداً لغير الله، وهو عبد الله.. رب العالمين جعل سورة في القرآن، في ذم أبي لهب وزوجته.

{مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}.. والمعنى: ما أغنى عنه عمله.. أي لم يدفع عنه ماله، ولا عمله -أو أثر عمله- تباب نفسه، ويديه، الذي كتب عليه أو دعي عليه.

{سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ}.. أي سيدخل ناراً ذات لهب، وهي نار جهنم الخالدة، وفي تنكير لهب تفخيم وتهويل.. ما قال: سيصلى ناراً ذات اللهب.. فاللغة العربية دقيقة: عندما تريد أن تحتقر إنساناً، تقول: جاءني رجل.. وإذا أردت أن تعظم إنساناً، تقول: جاءني رجل.. ولحن الكلام والأسلوب؛ هو الذي يبين ماذا تريد: التحقير، أم التعظيم؟.. وهنا المراد به التعظيم.

{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}.. الطيور على أشكالها تقع، يقول تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}.. إذا كان الإنسان سيئاً وزوجته سيئة، فهذه بؤرة من بؤر الفساد في المجتمع.. لهذا نوح (ع) دعا على القوم، قائلاً: {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا}.. فالرجل إذا كان فاسداً، والمرأة صالحة؛ يرجى الخير.. وهكذا العكس!.. لذا المؤمن يزوج ابنته لرجل صالح، فإذا زلت بها قدم، هذا الرجل يقوّم طريقها.. ولطالما سمعنا في المجتمعات، عن اجتماع امرأة فاسدة، ورجل فاسد؛ فأفسدا أمة ومجتمعاً بأكمله؛ لأن أحدهم يؤازر الآخر: كأبي لهب، وأم جميل حمالة الحطب.

{فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}.. المسد: حبل مفتول من الليف.. والظاهر أنها ستتمثل في النار التي تصلاها يوم القيامة، في هيئتها التي كانت تتلبس بها في الدنيا: وهي أنها كانت تحمل أغصان الشوك، وتطرحها بالليل في طريق رسول الله (ص)؛ كي تؤذيه بذلك.. فتعذب بالنار، وهي تحمل الحطب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى