زادك في دقائقزادك في دقائق

سورة العصر

إن سورة “العصر” على اختصارها، من السور التي فيها معان كثيرة، وتخويف، وتقريع!..

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.

{وَالْعَصْرِ}.. قسم بالعصر، ولكن ما المراد بالعصر؟.. هل المراد الزمان؟.. قطعاً الزمان ممكن، ولكن هناك عدة احتمالات، منها:
الاحتمال الأول: عصر النبي (ص)، وهو عصر طلوع الإسلام على المجتمع البشري، وظهور الحق على الباطل.. حيث أن هذا العصر على رأس عصور التاريخ، ففيه بُعث أشرف الأنبياء، وأنزل أفضل الكتب.. فإذن، إن هذا العصر عصر متميز، فحق لله -عز وجل- أن يقسم بعصر النبي (ص).

الاحتمال الثاني: وقت العصر، وهو الطرف الأخير من النهار؛ لما فيه من الدلالة على التدبير الربوبي بإدبار النهار، وإقبال الليل، وذهاب سلطان الشمس.. هذا الوقت وقت ظهور عظمة الخالق، هذه الشمس المضيئة، هذا الجرم الكبير، رب العالمين يخفيه عن الأنظار، فيأتي الليل، وهذه الآية موجودة أيضاً قبل طلوع الشمس.. يقول تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}؛ ففي هذا الوقت أيضاً ملائكة الليل تنزل، وملائكة النهار تصعد.. والذي ينشغل بالطاعات في اللحظات الأخيرة من النهار، فإن ملائكة الليل تشهد عليه: أنه كان مشتغلاً بالطاعة، وكذلك ملائكة النهار تشهد عليه.

الاحتمال الثالث: المراد به صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الفرائض اليومية، يقول تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى}.. وقد قيل: أن الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر، وقيل: صلاة العصر أيضاً.

الاحتمال الرابع: وقد ورد في بعض الروايات أنه عصر ظهور المهدي (ع)؛ لما فيه من تمام ظهور الحق على الباطل.

{إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.. هذه الآية فيها من التأكيد ما فيها:
أولاً: {إِنَّ}؛ للتأكيد.
ثانياً: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}؛ الجملة إسمية.. يقال في اللغة العربية: الجملة الإسمية فيها تأكيد، ما قال: يخسر الإنسان.
ثالثاً: {لَفِي}؛ اللام لام التأكيد.
رابعاً: {خُسْرٍ}؛ الظرفية، فعندما نقول: فلان في الفقر؛ أي كأنه مستنقع في الفقر، وهذا مبالغة في الأمر.
{إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}: المراد بالإنسان جنسه، والخسر نقص رأس المال.. والتنكير في {خُسْرٍ} للتعظيم، ويحتمل التنويع؛ أي في نوع من الخسر غير الخسارات المالية والجاهية.. وكأن الرأس مال الذي أُعطيه يتناقص، دون أن يربح.

{إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات}.. استثناء من جنس الإنسان الواقع في الخسر، وهم المؤمنون الذين يقومون بالأعمال الصالحة؛ فهؤلاء آمنون من الخسر.. أما غير هذه الفئة فهي في خسر: فالذين يعاندون الله عز وجل، ويكفرون به؛ في خسر عظيم!.. والذين يؤمنون به، ويخالفون كل أوامره؛ أيضاً في خسر!.. والذين يؤمنون به، ويخالفون بعض أوامره -أمثالنا نحن-؛ أيضاً في خسر!.. فإذن، إن الذي ليس في خسر، هو الذي يملك الوسام الأول، الذي هو الإيمان المستقر.. والذي يعمل ببعض الصالحات، ويترك بعض الصالحات؛ لا يقال: أنه عمل الصالحات.. فالجمع المحلى بال يفيد العموم، إذ لابد أن يعمل جميع الصالحات.

{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}.. يوصي بعضهم بعضاً بالحق؛ أي باتباعه والدوام عليه.. فليس دين الحق إلا اتباع الحق: اعتقاداً، وعملاً.. والتواصي بالحق أوسع من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لشموله الاعتقاديات، ومطلق الترغيب، والحث على العمل الصالح.. والتواصي بالحق من العمل الصالح.. فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن، لهذا إذا جاءك إنسان منتقداً، لا تقل: أنت بهذا الكلام أهنتني، بل قل: مرحباً بك (فأحب إخواني إليّ، من أهدى إليّ عيوبي).. الناس يدفعون الأموال للأطباء، كي يخبروهم بعيوبهم.. والمؤمن أيضاً ينظر إلى باطنك، ويذكر لك العيب.

{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.. ما هو الصبر؟.. هو عدم الخروج عن السجية الطبيعية، وعدم الخروج عن خط الاستقامة.. فالإنسان الذي لا يصبر، ويعتمد على قدراته الذاتية، ويرى قدرته محدودة؛ فإنه فيخاف من المصائب والحوادث.. ولكن المؤمن ارتباطه دائماً بالملأ الأعلى: إذا أراد مالاً، يقول: “يا سبب من لا سبب له”.. وإذا خاف من عدو، يقرأ هذه الآية: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ}.. وإذا أحب إنساناً مدبراً عنه، يقول: “يا مقلب القلوب والأبصار”.. فالمؤمن يعيش حالة من حالات الاطمئنان، وفي كل حال يسأل ربه، ثم ينام قرير العين {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}. فإذن، معنى الصبر هنا أعم!.. فهو يشمل الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر عند النوائب التي تصيبه بقضاء من الله وقدر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى