زادك في دقائقزادك في دقائق

سورة الانشراح

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}.

إن هناك سورتين نقرأهما معاً في الصلاة، هما: “الضحى” و”الانشراح”، وكأنهما سورة واحدة.. فالمضامين مترابطة حيث أن رب العالمين في هاتين السورتين، يذكر نعمه على حبيبه المصطفى (ص).. فقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} كالعطف على قوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}، ومن هنا نقرأهما في الصلاة معاً.. وكذلك بالنسبة إلى سورتي: “الفيل” و”قريش” المضامين أيضاً مترابطة.

{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}.. جعله بحيث يسع ما يلقى إليه من الحقائق، ولا يضيق بما ينزل عليه من المعارف، وما يصيبه من أذى الناس في تبليغها، لا طيب القلب والسرور.. شرح الصدر؛ أي بسطته بنور إلهي، وسكينة من جهة الله، وروح منه.. فالنبي (ص) كان صدره يضيق، لذا رب العالمين يقول: نحن الذين شرحنا لك الصدر.. فالقلب إذا ضاق لو أعطي الدنيا بما فيها لا ينفعه، {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ}.. إذن، الناس يبحثون عن الراحة في المتاع، بينما الراحة في القلب.. ولكنّ هناك فرقاً بين هموم النبي (ص)، وبين همومنا نحن!.. فنحن يضيق صدرنا بأمور الدنيا: لهموم المعيشة، ولغضب الزوجة، ولغضب الأولاد،.. الخ.. ولكن صدر النبي (ص) ما كان يضيق بهذه الأمور، كان شعاره: (إن لم يكن بك غضب عليّ، فلا أبالي).. فالنبي (ص) ما كان يضيق صدره بكلام عتاة المشركين، {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ}.. بل كان يضيق صدره، لأجل عدم استيعاب الناس لرسالته.. بمثابة طبيب في يده دواء يرفع المرض، والمريض يموت ولا يستعمل هذا الدواء.. كم يضيق صدر هذا الطبيب عندما يرى إنساناً يموت أمامه، ولا يأخذ الجرعة المنجية!.. النبي (ص) كان هكذا يضيق صدره.

فإذن، إن المؤمن إذا وصل إلى هذه الدرجة، فهو بألف خير، لأن قلبه يضيق لهموم الأمة.. ألا نقول في آخر دعاء العهد: (اللهم!.. اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بحضوره، وعجل لنا ظهوره).. فهذا هو همنا!.. وهذا هو غمنا!..

{وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}.. الوزر: الحمل الثقيل.. وإنقاض الظهر: كسره.. ووضع الوزر: إذهاب ما يحس من ثقله.. والمراد بوضع وزره (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ إنفاذ دعوته، وإمضاء مجاهدته في الله بتوفيق الأسباب.. فإن الرسالة والدعوة وما يتفرع على ذلك، هي الثقل الذي حمله إثر شرح صدره.. فإذن، الذي أنقض ظهر النبي (ص) هو هموم الرسالة.

{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.. رفع الذكر: إعلاؤه عن مستوى ذكر غيره من الناس، وقد فعل سبحانه به ذلك.. ومن رفع ذكره، أن قرن الله -عز وجل- اسمه -صلى الله عليه وآله وسلم- باسمه.. فاسمه قرين اسم ربه في الشهادتين اللتين هما أساس دين الله، وعلى كل مسلم أن يذكره مع ربه كل يوم، في الصلوات الخمس المفروضة.. عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (أتاني جبرائيل فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟.. قلت: الله أعلم!.. قال: إذا ذكرت ذكرت معي).. أينما ذكر الله -عز وجل- ذكر حبيبه المصطفى (ص): في الشهادتين، وفي الأذان، وفي الإقامة، وفي التشهد، وفي الركوع، وفي السجود.. وكذلك في سجود السهو، في هذا السجود الإنسان كأنه يعتذر إلى الله -عز وجل- مما سها في صلاته، ومع ذلك يذكر النبي (ص) فيقول: (بسم الله، وبالله.. السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته) هو في حال السجود، ويسلم على الحبيب المصطفى (ص).. هنا {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}: الله العالم!.. بعض الأوقات ارتفاع الذكر؛ مقدمة لقتل الإنسان.. مثلاً: بعض المشاهير عندما اشتهروا، غيبوا أو قتلوا.. إذن رفع الذكر، ليس دائماً في مصلحة الإنسان.

{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.. خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوما مسروراً، وهو يضحك ويقول: (لن يغلب عسر يسرين: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}).. في اللغة العربية: عندما يؤتى بالكلمة، وفيها “ال” التعريف {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ} هذا إشارة إلى العسر السابق، ولكن النكرة ليس لها هذا الحكم.. العسر عسر واحد، ولكن اليسر يسران.. لذا، ينبغي لمن يعيش الضيق، والألم، والأذى؛ ليعلم أن هذه سنة الله -تعالى- في خلقه.

{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}..

التفسير الأول: أي يا رسول الله، إذا فرغت من أعباء الرسالة، ومما فرض عليك، وأديت ما عليك من التكليف {فَانصَبْ}؛ أي أتعب نفسك في العبادة.. وارغب فيه، ليمنّ عليك بما لهذا التعب من الراحة.. البعض منا عندما يؤدي عملاً عبادياً يُعتد به، فإنه يطلب الراحة بعد ذلك، كأن يترك قيام الليل لفترة مثلاً.. ولكن القرآن الكريم يطلب من الإنسان الاستمرار بعمل الخير.

التفسير الثاني: قيل: (فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة).. وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع).. البعض ينتهي من الصلاة ويخرج من المسجد، دون أن يلجأ إلى الله -عز وجل- بالدعاء.. هو ضيف الله تعالى، وصلى الواجبة في جماعة من المسلمين، ولعله خشع في صلاته.. فلمَ لا يغتنم الفرصة، ويطيل السجود، ويطلب من الله -عز وجل- ما يريد؟.. وإذا أراد الإنسان أن يدعو بدعاء جامع، فعليه بهذا الدعاء: (أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وخير الآخرة، واصرف عني بمسألتي إياك جميع شر الدنيا وشر الآخرة).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى