زادك في دقائقزادك في دقائق

سورة الماعون

إن سورة “الماعون” رغم أنها سورة قصيرة، إلا أنها تحتوي على معانٍ عميقة!..

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}.

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}.. إن هناك رابطة بين الانحراف العقائدي، والانحراف العملي.. والمراد {بِالدِّينِ} يوم الجزاء، فالمكذب بالدين منكر المعاد.. وقيل: المراد به الدين بمعنى الملة.. وبالتالي، فإنه ينكر أصلاً من أصول الدين.. هذا الإنسان المكذب بأصل من أصول الدين، انعكس ذلك على سلوكه العملي، فأخذ يجفو، ويدفع اليتيم.

فإذن، إن الاهتمام بالبنية العقائدية، من موجبات الاستقامة السلوكية.. فالذي يزداد يقينه بالله -عز وجل- وباليوم الآخر؛ سلوكه ينضبط.. والمكذب بالدين له علامات منها:

{فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}.. الدع هو الرد بعنف وجفاء، والتقدير: أرأيت الذي يكذب بالجزاء، فعرفته بصفاته اللازمة لتكذيبه.. فإن لم تعرفه، فذلك الذي يرد اليتيم بعنف ويجفوه، ولا يخاف عاقبة عمله السيئ.. ولو لم يكذب به لخافها، ولو خافها؛ لرحمه.. وهذا من البلاء!.. الإنسان بعض الأوقات يتزوج أرملة ولها أيتام، فيكون همه الاستمتاع، ولا يبالي بالأيتام الذين معها.. وقضية الزواج من طائفتين، يحتاج إلى مراقبة شديدة:
1. الزواج من ذرية رسول الله (ص)؛ العلويات.
2. الزواج من الأرامل، اللواتي لهن أيتام صغار.

{وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.. الحض الترغيب؛ أي لا يرغّب الناس على إطعام طعام المسكين.. قيل: إن التعبير بالطعام دون الإطعام، للإشعار بأن المسكين كأنه مالك لما يعطى له، كما في قوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم}.. وقيل: الطعام في الآية بمعنى الإطعام.

هناك نقطتان بلاغيتان في هذه الآية:

أولاً: ما قال: يمنعون الطعام، بل قال: {وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.. فالإنسان بإمكانه أن يحث الآخرين على الإطعام، مثلاً: إذا كان هناك إنسان له لسان ذرب، وكلمته مؤثرة؛ بإمكانه أن يكون وساطة خير في الناس.. فلو طلب إنسان من أخيه المؤمن، أن يتكلم مع مسؤول يعرفه، ليدفع للفقراء مثلاً.. فإذا لم يستجب لطلب أخيه، فإنه ينطبق عليه قوله تعالى: {وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.

ثانياً: ما قال: ولا يحض على إطعام المسكين، إنما: {وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}؛ أي هذا المال الذي في جيب الإنسان، إذا كان حقاً شرعياً فهو للفقراء، فهذا طعامهم وليس إطعامهم.. مثلاً: عندما يتبقى كيس من الأرز في آخر السنة المالية، ولا يخمس؛ فإن خمس هذا الأرز هو طعام المساكين، {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}.. هذا حقهم!.. لذا فإن من يقوم بدفع خمس أمواله؛ هذا الإنسان لم يقم بعمل عظيم، إنما هي حقوق شرعية، وهذا حق الله في أمواله، ولابد من الدفع.. أما لو دفع زيادة عن الخمس؛ فهنا الفخر!..

فإذن، من صفات المكذب بيوم القيامة: أنه يعامل اليتيم بقسوة، ولا يرغب الناس على إطعام المسكين.

{فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ}.. ما قال: ويل لتاركي الصلاة.. والويل: كلمة عذاب وتهديد ووعيد شديد، وقيل‏:‏ إنه واد في جهنم.

{الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}.. أي غافلون لا يهتمون بها، ولا يبالون أن تفوتهم بالكلية، أو في بعض الأوقات، أو تتأخر عن وقت فضيلتها وهكذا.. قال أبو عبد الله (عليه السلام): (تأخير الصلاة عن أول وقتها، لغير عذر).. عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: (ليس عمل أحب إلى الله -عز وجل- من الصلاة، فلا يشغلنكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا.. فإن الله -عز وجل- ذم أقواما فقال: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}؛ يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها).. قد يقول قائل: تأخير الصلاة عن أول الوقت، ليس بحرام؛ فكيف قال: {فَوَيْلٌ} لهؤلاء؟.. قد يكون -والله العالم- هناك درجة من درجات الكراهية الشديدة.. ولكن القدر المتيقن: هو الذي يتقطع في صلاته.. تارة هناك إنسان لا يصلي أبداً؛ هذا الويل له ثم الويل!.. وتارة هناك إنسان مصلٍّ، ولكنه بعض الأوقات يترك الصلاة.. مثلاً: البعض يترك الصلاة أيام الامتحانات، أو عندما يسافرون إلى بلاد الغرب.. والبعض لا يصلي في الطائرة إلى خروج الوقت، بدعوى أن هذه طائرة، ومن قال: بأن الطائرة تمنع الصلاة؟.. نعم الذي يقطع صلاته فويل له!..

{الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ}.. أي يأتون بالعبادات لمراءاة الناس، فهم يعملون للناس لا لله تعالى.. فالإنسان إذا رآى حتى لو صلى؛ فإن صلاته باطلة.. لذا، فإن الإنسان قد يكون مصلياً، ويدخل جهنم؛ لأن صلاته في حكم اللاصلاة، صلاة باطلة.

{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}.. الماعون كل ما يعين الغير في رفع حاجة من حوائج الحياة: كالقرض تقرضه، والمعروف تصنعه، ومتاع البيت تعيره.. والله العالم!.. البعض قد يطبقه على إنسان يستقرض، ولا يؤدي القرض.. وبالتالي، فإن صاحب القرض، سيأخذ عهداً على نفسه بعدم مساعدة أي إنسان.. فهذا الذي لم يؤدِّ القرض، من الممكن أن ينطبق عليه: أنه منع المعروف.. وهناك ذم شديد جداً لمن يأخذ المال قرضاً، وهو ينوي عدم أدائه.. بعض المحتالين يخجل من طلب المال بشكل مباشر، فيطلبه على سبيل القرض لمدة قصيرة ومحددة، وإذا بهذه المدة تصير عشرين سنة.. نعم، هذا تحايل، وصاحب هذه الفكرة إنسان شيطاني.. هذا الإنسان ليس فقط لا يساعد، بل يحذر منه!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى