زادك في دقائقزادك في دقائق

آثار التكبر والتعالي

إن من الصفات المذمومة في الشريعة وبشدة، صفة: التكبر، والتجبر، والتعالي.. لا يخفى أن التكبر على المتكبر، قد يكون راجحاً إن كانت النية صادقة؛ كي يُشعره بأنه لا قيمة له.. ولهذا المؤمن في هذه المواقف عزيز وقوي، فمن صفات المؤمن القوة في هذا المجال.. ولكن الكلام هنا في التكبر المذموم.. وهذا التكبر والتجبر تارة يكون له منشأ: وجاهة اجتماعية، أو مال وفير، أو منصب سياسي، أو ذرية وأولاد.. وتارة لا موجب له؛ وكما يقال: شر البلية ما يضحك!..

أولاً: التكبر الذي له موجب.. إذا كان التكبر لأمر ظاهري، كما يقول القرآن الكريم: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} حيث أن البعض يفتخر ولو في نفسه، بكثرة: ذريته، أو ماله، أو منصبه؛ فإنه يكفي أن يعلم فنائية كل هذه الأمور.. فالإنسان لا يعوّل على ما يفنى: المال يبقى مع الإنسان إلى ساعة الموت، والأولاد يرافقون الإنسان إلى قبره، والمرأة قد تتزوج بعد انتهاء العدة مباشرة بمن هو أفضل منه.. عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله.. فيرجع اثنان، ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله).

ثانياً: التكبر الذي لا موجب له.. يبدو أن التجبر والتكبر قد يتفق من إنسان مستضعف، قال الصادق (ع): (إنّ رسول الله (ص) مرّ في بعض طرق المدينة، وسوداء تلقط السرقين، فقيل لها: تنحَّي عن طريق رسول الله (ص)، فقالت: إنّ الطريق لمعرض، فهمّ بها بعض القوم أن يتناولها، فقال رسول الله (ص): دَعُوها؛ فإنها جبّارة)!.. هذه تلتقط السرقين وهي جبارة!.. هذا من خبث الباطن، قد يقول قائل: ما ذنبها إذا كان باطنها خبيثاً؟.. إن خبث الباطن يأتي من تراكم السيئات، يقول تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون}.. تتجمع السيئات إلى أن يكفر الإنسان بالله -عز وجل- فكيف بالتكبر؟..

كذلك هناك روايات تشير إلى أن هناك صفات لا تتوقع من بعض الناس، قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك جبار، ومقل مختال).. من عذاب يوم القيامة، أن البعض يريد أن يحدث الله -عز وجل-، فلا يُسمح له.. في الدنيا يستطيع الإنسان أن يتحدث مع ربه من خلال الصلاة، ولكن يوم القيامة، {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} ليس فقط لا يُؤذن لهم، وإنما يقول لهم كلاماً في منتهى الشدة: {..اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ}؛ فهذا منتهى الزجر!.. حيث أن أحدنا إذا أراد أن يسكت حيواناً نجساً، يقول له: “اخسأ” عني!..

إن هؤلاء الثلاثة: الشيخ الزاني، والملك الجبار، والمقل المختال؛ ربّ العالمين يهملهم يوم القيامة، والإهمال يعني العذاب الأليم:

شيخ زان: أي إنسان كبير السن، والشيخ تطلق على أبناء الخمسين كقدر متقين، حتى أبناء الأربعين لا يتوقع منهم الزنا؛ لأن الشيخ يفترض فيه كمال العقل.. والزنا عادة سببه الشباب والغريزة، وقلة المعرفة لصغر السن.

ملك جبار: الملوك عادة فيهم هذه الصفة “التجبر” رغم عدم حاجتهم إليها، واستطاعتهم الاستغناء عنها.

مقل مختال: أي فقير، ويتكبر على الناس، ويمشي بِخيلاء.. وعادة سبب الفخر والخيلاء والتكبر في الدنيا، يكون بسبب الثراء.. فإذا لم يكن كذلك فلماذا يستكبر على الآخرين؟.. فالمؤمن مشيته التواضع، عن الصادق (ع): (كان علي بن الحسين (صلوات الله عليه) يمشي مشية، كأن على رأسه الطير، لا يسبق يمينه شماله).

فإذن، يجب أن ينظر الإنسان إلى نفسه، وخاصة أن البعض يحاول أن يطبق قانون التجبر والتكبر على زوجته.. فخصوص الحياة الزوجية: المودة والرحمة، ولكن هناك رجالاً يقومون ببعض التصرفات، كي يبسطوا هيبتهم في نفوس زوجاتهم.. فالجو جو محبة ولطف، وأعظم المشاكل التي تقع بين الزوجين، يمكن أن تُحل بكلمة ملاطفة، وبكلمة محبة.. ولكن نحن -مع الأسف- نسيطر على جسد المرأة: إما بالضرب، أو بالتوبيخ، أو بالطلاق، أو ..الخ.. فمن أراد أن يهنأ مع أهله، لا داعي للتجبر، والآية الكريمة تقول: {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}.. فالإنسان مع أخيه المؤمن، ليس بحاجة إلى استعمال أسلوب الزجر والقوة.. المؤمنون سواء في عالم الأسرة أو المجتمع، الطريق إليهم هي المحبة والتواضع.. أما بخصوص الوالدين، فقد أمرنا بالتذلل لهم.. {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} ولكن هذه ليست ذلة إنسان مستكين.

عن الإمام الصادق (ع): (ما من رجل تكبر، أو تجبر؛ إلا لذلة وجدها في نفسه).. وعنه (ع): (ما من أحد يتيه؛ إلا من ذلة يجدها في نفسه).. المتكبر باطنه ذليل، لذا يريد أن يعوّض ذلته على رؤوس المساكين.. مثلاً: هناك ضابط مهان من قبل رؤسائه، فيفرغ غضبه على الشرطي الذي تحت يده مثلاً.. هذا إنسان ذليل مع من هو أقوى منه، فيفرغ ذلك من خلال المستضعفين بين يديه.. أو يأتي من العمل؛ فيفرغ تجبره على الخادم والخادمة.. هذه الذلة الباطنية، من موجبات التكبر على الغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى