زادك في دقائقزادك في دقائق

التصرف الإلهي في قلوب العباد

إن البعض ينتظر ليلة القدر ليدعو ربه في تلك الليلة، وهذا أمر في محله.. أو ينتظر موسم الحج، ليدعو في يوم عرفة مثلاً.. أي ينتظر المناسبات، وهي مناسبات محدودة.. فكل الليالي عادية، إلا الليالي التي فيها أعمال.. ولكن في هذا الحديث القدسي، نفهم أن للمؤمن في كل ليلة محطة من محطات الالتجاء إلى الله عز وجل، وكل ليلة من الممكن أن نحولها إلى ليلة قدر.

قال الباقر (ع): (إنّ الله -تبارك وتعالى- لينادي كلّ ليلة جمعة من فوق عرشه من أوّل اللّيل إلى آخره:
ألا عبدٌ مؤمنٌ يدعوني لدينه أو دنياه قبل طلوع الفجر؛ فأجيبه!..
ألا عبدٌ مؤمنٌ يتوب إليّ من ذنوبه قبل طلوع الفجر؛ فأتوب عليه!..
ألا عبدٌ مؤمنٌ قد قتّرت عليه رزقه؛ فأزيده وأوسّع عليه!..
ألا عبدٌ سقيمٌ يسألني أن أشفيه قبل طلوع الفجر؛ فأعافيه!..
ألا عبدٌ مؤمنٌ محبوسٌ مغمومٌ يسألني أن أطلقه من سجنه؛ فأخلّي سربه!..
ألا عبدٌ مؤمنٌ مظلومٌ يسألني أن آخذ له بظلامته قبل طلوع الفجر؛ فأنتصر له وآخذ له بظلامته!..
قال (ع): فلا يزال ينادي بهذا حتّى يطلع الفجر).

كيف ينادي رب العالمين؟..

أولاً: في اللغة العربية، هناك ما يسمى بحذف المضاف، وتدل عليه القرينة.. يقول تعالى في سورة يوسف: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}؛ الإنسان لا يسأل جدران القرية؛ أي واسأل أهل القرية، هنا أهل مقدر.. وفي هذه الرواية (إنّ الله -تبارك وتعالى- لينادي) من الممكن أن يكون المقدر: أن ملك الله ينادي؛ أي الملائكة هي التي تنادي.

ثانياً: من الممكن أن الله -عز وجل- هو الذي ينادي، فنجعله على ظاهره ولا نؤول بالملائكة.. ولكن نقول: كما نادى موسى (ع) من خلال الشجرة؛ أي أن رب العالمين يخلق الكلام خلقاً.

ثالثاً: لعل هذه الروايات أوقعت بعض المسلمين في شبهة التجسيم: أن الله -عز وجل- ينزل إلى السماء الدنيا وينادي، هنا نقدر أن ملائكة الله -عز وجل- تنزل، وعندما يأتي الوكيل كأنه جاء الموكل.. وهناك رواية أخرى عن الإمام الرضا (ع)، أن الملك هو الذي ينزل وينادي: قيل للرضا (ع): يا بن رسول الله!.. ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله (ص) أنه قال: (إنّ الله تبارك وتعالى ينزل كلّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا)؟.. فقال (ع): (لعن الله المحرِّفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال رسول الله كذلك، إنما قال (ص): “إنّ الله -تبارك وتعالى- يُنزل ملكاً إلى السماء الدنيا كلّ ليلةٍ في الثلث الأخير، وليلة الجمعة في أول الليل، فيأمره فينادي: هل من سائلٍ فأُعطيه؟.. هل من تائبٍ فأتوب إليه؟.. هل من مستغفرٍ فأغفر له؟.. يا طالبَ الخير أقبل!.. يا طالبَ الشرِّ أقصر!.. فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محلّه من ملكوت السماء”.. حدثني بذلك أبي عن جدّي عن آبائه عن رسوله (ص)).

إن القيام قبل طلوع الفجر؛ هذه سنة الأولياء.. والذي يريد أن يصل إلى درجة من درجات التكامل؛ لا بد له من وقفة في جوف الليل ولو لدقائق.. فقد قال عز من قائل: (ألا عبدٌ مؤمنٌ يدعوني)، لم يحدد أن الدعاء يجب أن يكون في نافلة الليل.. فلو أن إنساناً قام قبل صلاة الفجر بخمس دقائق، وشكا ظلمه وظلامته، وطلب شفاء مرضه؛ فإن هذه الرواية تنطبق عليه.. أما صلاة الليل، فهي مسألة أخرى.

وفي رواية أخرى، حدد القيام في الثلث الأخير من الليل، وليلة الجمعة من أول الليل.. قال الصادق (ع): (إنّ الربّ -تبارك وتعالى- يُنزّل في كلّ ليلة جمعة إلى السماء الدنيا من أوّل اللّيل، وفي كلّ ليلةٍٍ في الثلث الأخير ملكاً ينادي: هل من تائبٍ يُتاب عليه؟.. هل من مستغفرٍ فيُغفر له؟.. هل من سائلٍ فيُعطى سؤله؟.. اللّهمّ!.. أعط كلّ منفق خلفاً، وكلّ ممسكٍ تلفاً.. فإذا طلع الفجر عاد الربّ إلى عرشه، فقسّم الأرزاق بين العباد).

إن هذه النداءات تكون كل ليلة في الثلث الأخير من الليل، وهناك روايات لم تحدد القيام بالثلث الأخير، أما ليلة الجمعة فإنها من أول الليل.. لذا الإنسان الذي عنده حوائج، احتياطاً بعد صلاتي المغرب والعشاء، يقول: يا رب، أنت هكذا تقول، وأنا قد جئتك في بيتك، وبعد فريضة واجبة، فاستجب لي دعائي!..

(ألا عبدٌ سقيمٌ يسألني أن أشفيه قبل طلوع الفجر؛ فأعافيه)!.. لم يقل: سقيم في بدنه، بل قد يكون مبتلى بقسوة القلب.. البعض قبل أن يدخل المسجد، يعاهد ربه ونفسه أنه سيصلي صلاة خاشعة بإذن الله تعالى.. فيأتي قبل الوقت متطيباً متطهراً، ويصلي جماعة، وإذا بنفسه تخونه.. فهذه مصيبة، وهذا مرض!.. لذا فإن البعض يصلي ركعتين بعد الفرائض، ويستغفر ربه من صلاته.. يقول: يا رب، ما هذا الذي أمرتني به.. الصلاة معراج وقربان وعمود؛ وهذا لا ينطبق على ما صليت؛ فاغفر لي!..

فإذن، إن المؤمن إذا رأى في قلبه قسوة، أو حسداً؛ أو سوء ظن، أو رأى في صدره وسواساً؛ فهذا إنسان سقيم.. فليتخذ الأسحار، والثلث الأخير من الليل، للشكوى إلى الله عز وجل.. طوبى لمن يقوم من فراشه، ويأتي إلى بيت الله -عز وجل- في ظلمة الليل، في الجو البارد والماطر، فيدخل المسجد، ويدعو ربه إلى أن يحين وقت الصلاة!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى