زادك في دقائقزادك في دقائق

المتقون فيها هم أهل الفضائل

إن أمير المؤمنين (ع) في وصف المتقين، يقول:

(فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ).. هذه نقطة مصيرية وجوهرية!.. بعض الناس همّه الجوارح، ينظر دائماً إلى العبادات الخارجية، مثلاً: ينظر إلى عدد الحجج التي أدّاها، وإلى الأيام التي صامها!.. هذا جيد!.. ولكن الجوارح بمثابة الرعية للإمام وللأمير.. لذلك الإمام علي (ع) قبل أن يذكر العبادات الخارجية للمتقين، يقول: (فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ).. فالمؤمن أول خطوة يقوم بها، أنه يبحث عن باطنه، ليكتشف الملكات الصالحة، والملكات الخبيثة فيه؟.. مثلاً: إذا كان هناك إنسان يصلي ويصوم ويقيم الليل، ولكن قلبه غير سليم؛ فهذا الإنسان عبادته لم تحقق ثمرة الوجود، {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}؛ وتنهى أيضاً عن الفحشاء الباطني: الحسد، والتكبر، والتعالي، والعجب، …الخ.. فالإنسان الذي يحمل كل هذه الصفات، قلبه غير نظيف.. ورد عن أئمة الهدى (ع) -ما مضمونه-: (أن الله -عز وجل- قد يحب عبداً ويبغض عمله، وقد يبغض عبداً ويحب عمله).. مثلاً: هناك إنسان: طيب، خلوق، كريم، متسامح، طيب النفس، دمث الأخلاق؛ ولكن عنده هفوات خارجية، ينظر إلى النساء مثلاً؛ نعم هذا الإنسان ذاته ذات طيبة، ولكن له أعمال وهفوات جوارحية.. (وقد يبغض عبداً ويحب عمله)؛ أي عمله الخارجي طيب، ولكن ذاته مبغوضة.

قال الصادق (ع): (كان رجلٌ يبيع الزيت، وكان يحبّ رسول الله (ص) حباً شديداً، كان إذا أراد أن يذهب في حاجته لم يمض حتى ينظر إلى رسول الله (ص)، قد عُرف ذلك منه، فإذا جاء تطاول له حتى ينظر إليه، حتى إذا كان ذات يوم دخل فتطاول له رسول الله (ص) حتى نظر إليه، ثم مضى في حاجته فلم يكن بأسرع من أن رجع.. فلما رآه رسول الله (ص) قد فعل ذلك أشار إليه بيده اجلس، فجلس بين يديه فقال: ما لك فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله قبل ذلك؟.. فقال : يا رسول الله!.. والذي بعثك بالحقّ نبياً، لغشى قلبي شيءٌ من ذكرك حتى ما استطعت أن أمضي في حاجتي حتى رجعت إليك، فدعا له وقال له خيراً ثم مكث رسول الله (ص) أياماً لا يراه.. فلما فقده سأل عنه، فقيل: يا رسول الله!.. ما رأيناه منذ أيام، فانتعل رسول الله (ص) وانتعل معه أصحابه، وانطلق حتى أتى سوق الزيت، فإذا دكان الرجل ليس فيه أحدٌ، فسأل عنه جيرته فقالوا: يا رسول الله!.. مات، ولقد كان عندنا أميناً صدوقاً، إلا أنه قد كان فيه خصلة قال: وما هي؟.. قالوا: كان يرهق، يعنون يتبع النساء.. فقال رسول الله (ص): رحمه الله، والله لقد كان يحبني حبّاً لو كان نخّاساً لغفر الله له).

(وَمَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ).. فسر ذلك بمعنيين:

الأول: أي أنه يلبس ثوباً ليس فيه إسراف، وليس فيه تبذير، إنما يلبس ما هو لائق بحاله.. والاهتمام بالمظهر الخارجي، هو دأب النساء، فهذه طبيعة أنثوية، يقول تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}.

الثاني: أي أن الاقتصاد يكون في مشيه، وفي أكله، وفي شربه؛ وفي كل حياته، ليس في خصوص اللباس فقط.. إنما ديدنه وعادته، أن يقتصد في كل شيء؛ فكأنه لباس لفه.. كما يقول تعالى في النساء {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}، فالمرأة لباس للرجل؛ أي لصيق به، ومتصل به دائماً.

فإذن، إن المعنيين ورادان في هذا المقام، والشيخ “محمد عبده” في شرحه لنهج البلاغة، رجّح المعنى الثاني: أي ديدنهم في كل شيء الاقتصاد.

(وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ).. يمكن أن تفسر بالمشي الظاهري، مثلما ورد عنه (ع): (سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن).. ومن الممكن أن يطبق هذا الكلام على السيارات أيضاً، فالمؤمن حتى في قيادته للسيارة يكون هادئاً.. وهذا معنى: أنه لا يشمخ بأنفه في المشي، {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً}.. ويمكن أن يُفسر بمعنىً آخر: أي سيرتهم وسلوكهم التواضع.. لماذا يتواضع المؤمن؟.. لأن الله -عز وجل- يقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.. ولكن -للأسف- هذه الآية ضائعة في بيئ المترفين، والمقياس -هذه الأيام- في التعامل ليس الإيمان، بل المال والمنصب، كما يقول الشاعر:

رأيت الناس قد مالوا *** إلى من عنده مال
ومن لا عنده مـال *** فعنه الناس قد مالوا
رأيت الناس قد ذهبوا *** إلى من عنده ذهبُ
ومن لا عنده ذهب *** فعنه الناس قد ذهبوا
رأيت الناس منفضة *** إلى من عنده فضة
ومن لا عنده فضة *** فعنه الناس منفضة

إن الإمام الرضا (ع) يقول: (مَن لقيَ فقيراً مسلماً، فسلّم عليه خلاف سلامه على الغنيّ، لقيَ الله -عزّ وجلّ- يوم القيامة، وهو عليه غضبان).. نعم إذا كان غنياً مؤمناً، انظر إلى قلبه لا إلى جيبه.. لأن التواضع إن كان لغناه؛ ذهب قسم من دينك.. وإن كان التواضع لإيمانه؛ أنت على إيمانك.. فالقضية خطيرة جداً!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى