زادك في دقائقزادك في دقائق

بكاء العين وإحياء القلب

إن هناك دعوة واضحة وصريحة في تراث أهل البيت (ع)؛ لإقامة عزاء الحسين (ع).. الدعوة لتذكر مصائبهم جميعا: من الشهيد الأول، أمير المؤمنين (ع)، ثم ولده المجتبى (ع)، ثم مصيبة الإمام سيد الشهداء (ع).. فكما أنه هو سيد الشهداء، مصيبته أيضا سيدة المصائب.. سيدنا حمزة كان سيد الشهداء في زمانه، ولكن بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، هذا اللقب نسخ وأُعطي للإمام الحسين.. كما أن مريم (ع) كانت سيدة نساء أهل زمانها، ولكن بعد ميلاد الزهراء (ع)؛ أصبحت سيدة نساء العالمين بقول مطلق.

قال الإمام الرضا (ع): (من تذكر مصابنا، وبكى لما أُرتكب منّا؛ كان معنا في درجتنا يوم القيامة.. ومن ذُكّر بمصابنا، فبكى وأبكى؛ لم تبك عينُه يوم تبكي العيون.. ومن جلس مجلساً يحُيى فيه أمرُنا؛ لم يمت قلبه يوم تموت القلوب).. فالإمام (ع) يذكر لونين من الإحياء: تارة نذكر الجانب المأساوي، جانب المصيبة؛ فتبكي العيون.. وتارة نذكر الجانب الفكري والعقائدي؛ فتحيا القلوب.

اللون الأول: العاطفي:

أولاً: البكائي.. (من تذكر مصابنا، وبكى لما أُرتكب منّا؛ كان معنا في درجتنا يوم القيامة).. إن همة المؤمن همة عالية، هو لا يطمع في دخول الجنة فحسب!.. دخول الجنة مضمون للكثيرين، فالنبي (ص) يشفع يوم القيامة للعصاة إلى أن لا يبقى في النار موحد.. سئل محمد بن علي الباقر (ع) عن أرجى آية في كتاب الله؟.. فقال الإمام للسائل (بشر بن شريح البصري): (ما يقول فيها قومك)؟.. قال: يقولون: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ}، قال: (لكنّا أهل البيت لا نقول بذلك)، قال السائل: فأيّ شيء تقولون فيها؟.. قال: (نقول: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}؛ الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة).. وقال الصادق (عليه السلام): (رضا جدي أن لا يبقى في النار موحد).. النبي (ص) لا يرضى أن يبقى هذا الإنسان بنار جهنم، فكيف بالموالين؟.. وكيف بالذين يبكون على الإمام الحسين (ع)؟.. فالإمام الرضا (ع) يقول: (فعلى الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام).. وعليه، فإن المؤمن لا يفكر في الجنة، فهي محجوزة له!.. وإنما عليه أن يفكر في الدرجات العالية!..

فإذن، إن المهم هو المنافسة في الدرجات، البعض همته أن يدخل الجنة هذا جيد، ولكنها همة نازلة، أما أن يعيش الأبدية في جوار النبي وآله هذا أمر آخر!.. وعليه، في مواطن الاستجابة إذا وصل أحدكم ووضع يده على عتبة البيت، فليسأل ربه أن يجعله في درجات وفي زمرة النبي وآله (ص).. من مواطن الاستجابة القطعية: عتبة البيت، وباب البيت، والحطيم بين الركن وباب البيت، وتحت الميزاب، وخلف المقام، وفي روضة النبي، وعند الحائر الحسيني.

البعض قد يقول: كيف يكون في رتبة النبي (ص)، والنبي قدم ما قدم في سبيل الإسلام؟.. ليس معنى ذلك أن يكون قصره ملاصقا لقصر النبي، ولكن في المنطقة نفسها، في المكان الذي فيه النبي وآل النبي.. هنيئا لمن كان في الجنة له الحق أن يزور النبي وآله بين وقت وآخر، حيث أنه ليس من المعلوم أن كل من في الجنة، يرى جمال المصطفى (ص).. الذي هو في الدرجات الدنيا من الجنة، قد لا يؤذن له أن يرى وجه النبي (ص).. أما الذين هم في درجاتهم، نعم قد يتشرف بذلك.. ومن المعلوم أن النظر إلى وجه النبي وآله، لا يقاس بالنظر إلى الحور العين، ذلك جمال إلهي متجرد، وجمال الحور العين جمال آخر.

ثانياً: الإبكائي.. (ومن ذُكّر بمصابنا، فبكى وأبكى؛ لم تبك عينُه يوم تبكي العيون).. هناك دعوة في روايات أهل البيت، للإبكاء على سيد الشهداء، حتى أن بعض المراجع الكبار، كان بنفسه يقيم عزاء سيد الشهداء (ع)، ويتشبه بأصحاب المنابر في إبكاء الآخرين.

اللون الثاني: الفكري:

والكلام لوارث الحسين (ع)، (ومن جلس مجلساً يحُيى فيه أمرُنا؛ لم يمت قلبه يوم تموت القلوب).. مثلا: هناك تمثيلية يعرض من خلالها منقبة من مناقبهم، أو فيلم سينمائي يبين لنا بعدا من أبعاد حياتهم، أو مجلس يذكر فيه مواقف أهل البيت (ع) وفضائلهم، أو محاضرة فكرية حتى لو لم تنته بدمعة.. مادام هناك ندوة تتعلق بثقافة أهل البيت، وبفكر أهل البيت، وبسيرتهم، وبسنتهم؛ فهذا مجلس يحيا فيه أمرهم (ع).

إن المجلس الذي فيه بكاء وإبكاء، قال: (لم تبك عينُه يوم تبكي العيون).. ولكن في المجلس الآخر، الذي فيه إحياء لأمر أهل البيت، قال: (لم يمت قلبه يوم تموت القلوب).. ومن المعلوم أن ذلك اليوم هو يوم اللقاء الإلهي في عرصات القيامة، والقلب الذي لا يموت هو القلب السليم.. وقد علم من خلال هذه الرواية، أن من سبل الوصول إلى القلب السليم؛ إحياء ذكر أهل البيت (ع).

إن المؤمن له علاقة متميزة مع ذكر سيد الشهداء (ع)، في كامل الزيارات: عن أبي عمارة المنشد، قال: (ما ذكر الحسين (ع) عند أبي عبد الله (ع) في يوم قط؛ فرأى أبو عبد الله (ع) متبسما في ذلك اليوم إلى الليل.. وكان (ع) يقول: الحسين (ع) عبرة كل مؤمن).. وكذلك حال الإمام الحجة (عج): (السلام عليك يا جداه، لئن أخرتني الدهور، وعاقني عن نصرك المقدور،… لأندبنك صباحاً ومساءً، ولأبكين عليك بدل الدموع دماً).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى