زادك في دقائقزادك في دقائق

حقوق الفقراء

إن الكثيرين منا يتمنون أن لو كانوا في عصر أمير المؤمنين (ع)، في مسجده، أو في ركابه في بعض حروبه، أو كان من الذين لازموا أمير المؤمنين.. حيث أن هناك طبقة سموا بخواص الإمام، وبتعبير القرآن: من حواري الإمام، كانوا على صلة وثيقة به، مثل: كميل، والمقداد، وعمار، وسلمان، وأبي ذر.. هذه أمنية لا نلام عليها!.. ورد في نهج البلاغة: (عندما أظفره الله -تعالى- بأصحاب الجمل، وقال له بعض أصحابه: وددت أن أخي فلانا كان شاهدنا، ليرى ما نصرك الله به على أعدائك، فقال له أمير المؤمنين (ع): أهوى أخيك معنا؟.. قال: نعم، قال: فقد شهدنا).

فإذن، تمني أن نكون في ركابهم، من موجبات لا الحشر فقط معهم، بل حتى مشاركتهم في الأجر.. في زيارة سيد الشهداء (ع) عندما نصل إلى هذه الفقرة، علينا أن نقولها بكل صدق وجدية: (ليتنا كنا معكم؛ فنفوز فوزا عظيما)!.. ليت من أدوات التمني، لنكن صادقين في تمني هذه المعية مع سيد الشهداء (ع).. نحن حرمنا جوار الإمام، وأن نكون في مسجده، وأن نكون في بلدته.. ولكن كتابه “نهج البلاغة” بين أيدينا، هذا الكتاب الجامع: لخطبه، ورسائله، ولقصار كلماته.. ومن هذه الكلمات التي تظهر فيها الحكمة العلوية:

(ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء؛ طلباً لما عند اللّه!.. وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء؛ إتكالاً على اللّه).. علي (ع) يطلب من الفقراء شيئا، ومن الأغنياء شيئا، ويا له من كلام جميل!..

(ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء؛ طلباً لما عند اللّه)!.. لا ننكر هذه الحقيقة: أن طبيعة الغنى تستلزم عند الغافلين الطغيان، {أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}.. طبيعة الإنسان على الطغيان، إن رأى نفسه مستغنيا.. الإنسان كما يتعوذ من شر الشيطان، ومن شر النفس؛ يتعوذ أيضا من الدنيا الملهية، ومن المال الذي يشغله عن الله تعالى.

إذن المؤمن الغني يتواضع للفقير؛ طلبا لما عند الله عز وجل.. عندما يعطي المؤمن شيئا للفقير، هناك أمر أن يقبل يده؛ لأن هذه اليد وقعت في يد الله عز وجل.. عن الباقر أو الصادق (ع): (كان علي بن الحسين (ع) إذا أعطى السائل قبّل يد السائل، فقيل له: لِمَ تفعل ذلك؟.. قال: لأنها تقع في يد الله قبل يد العبد، وقال: ليس من شيءٍ إلا وكل به ملك إلا الصدقة؛ فإنها تقع في يد الله).. قال الفضل: أظنه يقبّل الخبز أو الدرهم.. وكذلك جاء في الحديث الشريف: (الخلق كلهم عيال الله، فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله)!..

إن الله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى}.. القرآن ذكر الشق الأول: {لاَ تُبْطِلُواْ}، ولكن لم يذكر أن هذا البطلان، قد يقترن أيضا بالغضب الإلهي؛ لأن الآية تقول: {بِالْمَنِّ وَالأَذَى}.. عندما يمنّ الإنسان على الفقير، ويؤذيه بقول؛ يكون قد ابتعد عن الله -عز وجل- لا يراوح في مكانه.. تارة الإنسان يراوح في مكانه، وتارة يتنزل ويتسافل.. فالذي يعطي الخيرات والصدقات، ويعيش هذه الحالة: لم يتقدم، ولم يبق في مكانه؛ بل يتأخر القهقرى.

(وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء؛ إتكالاً على اللّه).. تواضع الأغنياء للفقراء أمر متعارف، ولكن أحسن منه تكبر الفقير على الغني -بالمعنى المحمود- أي أنه يرى نفسه في رتبة أعلى من الغني.. فالغني اتكاله على ماله، وعلى رصيده في البنوك، أم الفقير فاتكاله على ربه، يقول: (اللهم!.. أنت ثقتي في كل كرب، وأنت رجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة).. (يا عِمادَ مَنْ لا عِمادَ لَهُ!.. ويا ذُخْرَ مَنْ لا ذُخْرَ لَهُ!.. وَيا سَنَدَ مَنْ لا سَنَدَ لَهُ!.. ويا حِرْزَ مَنْ لا حِرْزَ لَهُ!.. وَيا غِياثَ مَنْ لا غِياثَ لَهُ!.. وَيا كَنْزَ مَنْ لا كَنْزَ لَهُ، وَيا عِزَّ مَنْ لا عِزَّ لَهُ)!.. وعليه، فإن الفقير عندما يرى الغني؛ فإنه يعيش الفخر والخيلاء.

لو أن الفقراء سمعوا منطق علي (ع)، هل بقيت عقدة في البين؟.. عندما يجد الفقير غنيا، هل يحس بالهوان والذل وهو يسمع هذه الفقرة من كلام علي (ع)؟.. ألا يتفق أن يشكر ربه؛ لأنه لم يلهيه بمتاع الدنيا.. حيث أن هذا الغني قد يلتهي بماله، ويطالب بخمس أمواله.. بينما هو فقير، تأتي السنة المالية، وليس عنده ما يخمّسه أو يزكّيه.. فالتكليف مرفوع عنه!.. لو عاش الفقراء هذا الفهم العلوي للمال وللاقتصاد في الحياة الدنيا؛ لعاشوا في منتهى السعادة وهم في فقرهم.. ورد في الحديث القدسي: (…وإذا رأيت الدنيا مدبرة، والفقر مقبلا؛ فقل: مرحبا بشعار الصالحين)، وعن النبي (ص): (الفقر فخري).

إن هذا الدعاء، يقرأ للمشاكل المادية: (اللهم!.. صلِّ على محمد وآل محمد.. اللهم يا سبب من لا سبب له، يا سبب كل ذي سبب، يا مسبب الأسباب من غير سبب، سبب لي سببا لن أستطيع له طلبا.. صلِّ على محمد وآل محمد، وأغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، يا حي يا قيوم)!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى