زادك في دقائقزادك في دقائق

المباهلة والتصدق بالخاتم

بمقدار عظمة العيد، تكون عظمة الجائزة.. وعيد الغدير هو عيد الله الأكبر؛ لأنه يتعلق بأصل من أصول الدين.. هناك حادثتان في حياة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): حادثة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)، وحادثة خاصة بأمير المؤمنين علي (عليه السلام).

المباهلة.. وهي الحادثة التي كانت بحق النبي وآله.. فالمباهلة من معالم الولاية في حياة أهل البيت (عليهم السلام).. وهي عبارة عن اجتماع طرفين، يدّعي أحدهما أنه على حق، ثم يطلبان من الله -عز وجل- أن يجعل لعنته على الكاذب منهما.. فالإنسان عادة ما يقول: اللهم!.. أنزل عذابك على القوم الظالمين!.. ولكن في خصوص المباهلة، هناك طلب لإنزال العذاب الفوري.. هذه حركة من الحركات، فيها معان ودلالات، منها نصر الله -عز وجل- لعباده المؤمنين.. وهناك بعض الآداب في المباهلة، منها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقطع بأن الله -عز وجل-سينصره.

إن النبي (ص) كان مبتلى بالنصارى واليهود.. وهذا الابتلاء كان من أفضل الابتلاءات؛ لأن ذلك صار سببا لبركات كثيرة.. (اليوم الرابع والعشرون: هو يوم المباهلة على الأشهر، باهل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نصارى نجران، وقد اكتسى بعبائه، وأدخل معه تحت الكساء عليّاً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال: “اللهمّ!.. إنّه قد كان لكلّ نبيّ من الأنبياء أهل بيت، هم أخصّ الخلق إليه، اللهمّ!.. وهؤلاءِ أهل بيتي، فأذهب عنهم الرِّجس وَطهّرهم تطهيراً” فهبط جبرائيل بآية التّطهير في شأنهم، ثمّ خرج النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم (عليهم السلام) للمباهلة، فلمّا بصر بهم النّصارى، ورأوا منهم الصّدق، وشاهدوا أمارات العذاب؛ لم يجرؤا على المباهلة.. فطلبوا المصالحة، وقبلوا الجزية عليهم).. إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تكلم بدقة، فقال: (أهل بيت، هم أخصّ الخلق إليه)؛ أي أقرب الناس إلى ذلك النبي.. هنا البيت بيت معنوي، لا يراد به البيت المادي: السقف الذي يضم الأولاد والنساء.. انظروا إلى هؤلاء القوم الذين خرجوا لمباهلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)!.. رأوا آيات وعلامات العذاب، ورأوا صدق النبي، ومع ذلك عندما يستكبر الإنسان، يصل إلى هذه الدرجة.. فضلوا أن يعطوا الجزية، ولا يتشهدوا الشهادتين، هذا هو التكبر بعينه!..

التصدق بالخاتم.. وهي الحادثة المتعلقة بأمير المؤمنين: ففي هذا اليوم أيضاً تصدّق أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه على الفقير وهو راكع، فنزل فيه الآية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.. قال الباقر (ع) في قول الله عزّ وجلّ {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ}: إنّ رهطاً من اليهود أسلموا، منهم عبد الله بن سلام، وأسد، وثعلبة، وابن يامين، وابن صوريا.. فأتوا النبي (ص) فقالوا: يا نبيّ الله!.. إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمَن وصيك يا رسول الله؟!.. ومَن وليُّنا بعدك؟.. فنزلت هذه الآية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}..

ثم قال رسول الله (ص): قوموا، فقاموا فأتوا المسجد، فإذا سائل خارج.. فقال: يا سائل!.. أما أعطاك أحدٌ شيئاً؟.. قال: نعم، هذا الخاتم، قال: من أعطاكه؟.. قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلّي، قال: على أي حال أعطاك؟.. قال: كان راكعاً، فكبّر النبي (ص) وكبّر أهل المسجد.

فقال النبي (ص): عليّ بن أبي طالب وليّكم بعدي، قالوا: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبعلي بن أبي طالب ولياً، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُون}.

هذه القصة، هي قصة تاريخية قرآنية.. قد يقول قائل: كيف التفت علي إلى ذاك الفقير، وكيف سمع صوته، وكيف مد يده ليعطيه الخاتم.. وقد كان علي معروفا عنه (عليه السلام) بأنه إذا استغرق في صلاته، نزعت منه السهام وهو لا يدري؟..

الجواب: إن الالتفات إلى الغير، إذا كان فيه رضا الله -عز وجل- فلا يضر بالتوجه إليه.. البعض عندما يتكامل أخلاقيا، ويعطى حالات الرقة، ينصرف عن الناس ولا يبالي بآلامهم.. انظروا إلى علي!.. وهو في الصلاة، وفي الركوع، يسمع نداء الفقير؛ يمد له الخاتم.. هذا هو الممكن، ولو كان عنده مال لعله أعطاه.. فالمؤمن يلتفت إلى كل الزوايا: الزوايا الإلهية، والزوايا البشرية.. كم من المؤمنين تصدقوا بخواتمهم في الصلاة، ولم تنزل بحقهم آية!..

إن هناك تساؤلاً يتبادر دائما إلى الذهن: لماذا رب العالمين لم يذكر عليا بالاسم، وبذلك يرفع الحيرة التي وقع فيها أغلب الناس؟..
فالجواب: إن الكناية -في اللغة العربية- أبلغ من التصريح.. فعندما يقول رب العالمين: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.. فإنما يشير إلى حادثة بعينها، ولم ينقل لنا التاريخ أن هناك أحدا قام بهذا العمل قبل نزول الآية سوى علي (عليه السلام)!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى