خطب الجمع

موقع النبي (ص) في القرآن الكريم

الشهادتان..
إنَّ عَلامَة الإسلام، وما يُثبِت إسلامَ المُسلم، هي الشهادتان؛ أي: (أشهدُ أن لا إله إلاّ الله، وأنَّ مُحمّدا رسولُ الله). فـ:

الشهادة الأولى: إن شهادة الوحدانية فيها شِقّان:

 

الشِقّ الأول: نَفيُ ألوهيةِ غير الله (لا إله).
الشق الثاني: إثبات وحدانيتهِ سبحانه (إلاّ الله).

الشهادة الثانية: إن الشهادة بالرسالة فيها إثبات وهي أن النبيّ (صلی الله عليه) هو رسول الله (وأنَّ مُحمّدا رسولُ الله).

فإذن، إن الشهادة بالتوحيد فيها نفيٌ وإثبات، أما الشهادة بالرسالة فيها إثبات فقط!.. ولكنَّ من خلال الآيات والروايات يُستفاد شِق التبري، فنحن نتبرأ مِمّن ينسِبُ الشريك إلى اللهِ عز وجل، وبالنسبة للنبيّ الأكرم (صلی الله عليه) أيضاً نتبرأ مِمّن يَكيدُ له ويتجاسرُ عليه وينصِب له العَدَاء.

منزلة النبي (صلی الله عليه) عِندَ الله عزَّ وجلّ..
1. الدرجة العليا: إن هذا الوجود خُلِق للطائعين يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾، والذي حازَ الدرجة العُليا في العبودية، وخُلق الكون لأجله ثم الأمثلُ فالأمثل؛ هو النبيّ (صلی الله عليه) فهو العابِد الأول ويليه أهل بيته الكرام (عليهم السلام)!.. ولهذا روي عن النبي (صلی الله عليه) عن الله عز وجل أنه قال: (يا محمد، وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي، ولا رفعت هذه الخضراء، لا بسطت هذه الغبراء)، وفي رواية أخرى: (ولا خلقت سماء ولا أرضا ولا طولا ولا عرضا). فالإنسان عندما يُنصب مائدةً كبيرة لِملِك مِن الملوك، فإن تلك المائدة يأكلُ منها الجميع من الملك إلى الخادِم الصغير. هذه المائدة فُرِشت للجميع، ولكنها نُصِبَت في الدرجةِ الأولى للمَلِك. الذي حازَ الرُتبة العليا في القرب لملك العباد هو النبي المصطفى مُحمّد (صلی الله عليه).

2. المكان العلي: إن العلاقة بين النبي (صلی الله عليه) وبين ربّ العالمين لايعلمُها أحد. فربُّ العالمين ما اكتفى بمناجاةِ نبيهِ (صلی الله عليه) في الأرضِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ بل أرادَ أن يُريَه الآيات ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. لقد وصل النبي (صلی الله عليه) إلى مرتبةٍ دارَ بينه وبين الله عز وجل حديثٌ مباشر!.. ربّ العالمين لا يتكلّم بالنطق المُتعارف، إنما يخلق الصوت كما خلقه لكليمه موسى (عليه السلام) في طورِ سيناء. كان بإمكان ربّ العالمين أن يحدثه وهو في غارِ حَرَاء أو حول الكعبة؛ ولكنه رفعه مكاناً عليّا ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، فـ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ فحدّثه. هل هناك كرامة أعظم من هذه الكرامة؟!..

3. الخلق العظيم: إن منزلة النبيّ (صلی الله عليه) عندَ رب العالمين لا يعلمها إلاّ الله عز وجل، ولِهذا قال جل وعلا بكلمة واحدة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، كأنَّ النبيّ (صلی الله عليه) رَكِبَ المكارِم مثلما يركب الفارس -وهو الإنسان المتمكن- على فَرَسهِ. فالخُلُق، والكَرَم، والشجاعة، والحلم، وكَظمُ الغيظ؛ كل هذه الصفات كأنَّها مطيّةُ النبيّ (صلی الله عليه). والعظيم إذا قالَ عظيماً؛ فهو عظيمٌ جداً!.. هذه العظمة يصفها العظيم؛ وهذا يكفي في مدح النبي الأكرم (صلی الله عليه).

4. الشفاعة: إن ربّ العالمين جَعَلَ استغفار النبيّ (صلی الله عليه) شرطاً لقبولِ توبة المُذنبين، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾، فكلامُ النبي (صلی الله عليه) هو عينُ كلامِ ربّ العالمين ألا يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؟!..

تعاهد القرآن الكريم في الذَبِّ عن النبي (صلی الله عليه) طوال التأريخ..
إن ربّ العالمين غيورٌ على عامةِ المؤمنين ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾؛ فكيف برسولِ المؤمنين؟!.. وهناك في القرآن الكريم مجموعة آيات تَدُّل على أنَّ الله عز وجل أغيرُ الناس على حبيبهِ المُصطفى (صلی الله عليه)!..

الآية الأولى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * … * … * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾..
-﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: إن ربّ العالمين يُطمئننا ويقول: إذا رأيتم كيداً حول النبيّ (صلی الله عليه) لا يحزُنُكم ذلك ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.

-﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: بإمكان ربّ العالمين أن يهلك الظالم، ولكنه يملي له ليُهلكه هو ومَن رضيَ بفعله. فلو أنَّ الله عز وجل انتقم من الظالم في ذلك اليوم، يكون قد انتقم منه وحده؛ ولكن عندما يشتدُّ ظُلمه فإن دائرة الانتقام تتسِّع!.. وهذا الذي وقع لفرعون: لو أنَّ الله عز وجل أهلَكَ فرعون -مثلاً- قبل عشرين سنة من طُغيانه وخَسَفَ به الأرض كما خسفها بِقارون؛ لكان هلك فرعون وانتهى الظلم!.. ولكن عندما اشتدَّ ظُلمُ فرعون؛ أهلَكَه الله عز وجل ومَن معه وجَعَلَه آية لِمَن بعده!.. وهذه المومياءات التي في أهرامات مصر هي آثارهم وأبدانهم. فانتقام ربّ العالمين من آلِ فرعون كان انتقاماً تاريخياً؛ لأنّه طغى فقد كان ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ﴾، فربّ العالمين “يُمهِل ولا يُهمِل”، تقول الرواية: (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكرنا عنده ملوك آل فلان فقال: إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إن الله عز وجل لا يعجل لعجلة العباد، إن لهذا الأمر غاية ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا) العِباد مُستعجلون؛ ولكنّ الله عز وجل لا يستعجل (وَإِنَّما يَعْجَلُ مَنْ يَخافُ الفَوْتَ، وَإِنَّما يَحْتَاجُ إلى الظُّلْمِ الضَّعيفُ، وَقَدْ تَعَالَيْتَ يَا إلهي عَنْ ذلِك عُلُوّاً كَبِيراً).

-﴿يَعْمَهُونَ﴾: العَمَه أي: الحيرة. ولهذا أصحابُ الباطل متردّدون في قراراتهم: يوماً يُقدِمون، ويوماً يحجمون؛ لا يعلمون ماذا يصنعون.

-﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾: لهم أدواتهم، لهم مجسّاتهم، لهم أعيُن؛ ولكنّها أعيُن تَغُشّ. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (الحمد لله الذي جعل أعداءنا من الحمقى). هم لهم عيون ولكن هذه العيون تغُشّهم، كما يحدث للطفل عندما يكون في الصحراء فيرى السراب فيحسبه ماء!.. ولكن الأب يعلم أن هذا نوع من أنواع الخداع البصري، أما الطفل لأنه جاهل لا يعلم. ولهذا القرآن الكريم أيضاً يُشبِّه كيدَ الكائدين بزبد البحر ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء﴾ تلك الطبقات من الزَبَد التي على الموج، عندما تهدأ الأمواج لا يبقى منها شيء أبداً ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾.

فإذن، إن ربّ العالمين ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. ومثال ذلك: الإنسان الذي يتكاثر عليه الذُباب في بعض الأوقات في المنزل، يتركه يصول ويجول، ولكن عندما يصبح الأمر مزعجاً فإنه يرشهم بمبيد الحشرات، وإذا بهم صرعى على الأرض. كانوا قبل قليل يملؤون الجو طنطنةً وطيراناً، وإذا به يرميهم في القمامة بعد قليل. لقد كان يستهزيء بهم يقول: حلِّق غرِّب كما تُريد ولكن القرار أخيراً بيدي.

الآية الثانية: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾..
-﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: ورد في الرّواية عن طارق المحاربي أنه قال: (بينما أنا بسوق ذي المجاز إذا بشاب يقول: “يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله؛ تفلحوا” وإذا برجل خلفه يرميه قد أرمى ساقية وعرقوبيه ويقول: يا أيّها النّاس!.. إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟.. فقالوا: هو محّمد يزعم أنّه نبي، وهذا عمّه أبو لهب يزّعم أنه كذاب). لم يبدأ الدعوة لا بالصلاة ولا بالصيام ولا بالحجاب ولا بترك الخمر، حتى لم يرد اسمه الشريف بل طلب منهم قول: (لا إله إلا الله).

-﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: إن هذه الآيات تدّلُ على أنَّ دفاع الله عز وجل عن النبيّ (صلی الله عليه) دفاعٌ لا نظير له. هو الذي بيدهِ ملكوتُ الأشياء، فالقوى الكبرى هذه الأيام تُخيف بعضها بعضاً بانفجارِ الذرّة التي ما هي إلاّ مخلوقٌ بسيط من مخلوقات ربّ العالمين، هو الذي خَلَقَ هذا الكائن الذي يُدمِّر الوجود رغم أنه لا يُرى حتى تحت المِجهر. فخالق الذرّة يقول: أنا المُحامي عن حبيبي المصطفى مُحمّد (صلی الله عليه)، يارسول الله!.. نحن كفيناك، لا نكفيك مُستقبلاً، بل كفيناك. هذا الأمر محتوم، ربّ العالمين كفى حبيبه!.. وأبو لهب من الذين آذوا رسول الله (صلی الله عليه) واستهزأوا به كثيراً، فأنزل ربّ العالمين سورة في كتابه تُتلى إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾؛ فأين أبو لهب وأين قومه وأين دعواه؟!..

يبدو -والله العالم- أن الاستهزاء بالنبيّ الأعظم (صلی الله عليه) قد يكونُ أعظم ممّا جرى عليه يومُ أُحُد!.. فكسرُ الرباعية إيذاء للبدن (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: “خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله عليه) يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُهُ (عليها السلام) تَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ)، وروي (أنه لما كسرت رباعيته (صلی الله عليه) وشج وجهه يوم أحد، شق ذلك على أصحابه شقاً شديداً، وقالوا: لو دعوت عليهم؟.. فقال: “إني لم أبعث لعاناً، ولكني بعثت داعياً ورحمة، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون”)!.. النبيّ (صلی الله عليه) أُدميَ في يوم أُحد ولكن بعد ذلك اندمَلَ جرحه، أما الاستهزاء فإنه لا يمرّ بين يدي الله عز وجل مرور الكرام، فهو سبحانه وتعالى مُستعدّ أن يُهلك أُمَمَاً في مُقابل هذا الأمر الخطير.

الآية الثالثة: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾..
-﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾: إن رسول الله (صلی الله عليه) قلبه قلبٌ شفيق، فالإنسان عادة عندما يمر أمامه سفيه يسبه؛ يمر عليه مرور الكرام!.. وإن تعرّض له طفل صغير أو شاب مراهق، قد يتركه وشأنه!.. ولكنّ النبي (صلی الله عليه) كان يتأذى من كلامِ المشركين؛ شفقة عليهم، لا من باب وزنهم. لهذا يقول له رب العالمين: يا رسول الله!.. لا تُهلِك نفسك ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. قد يقول قائل: لماذا ينهى ربّ العالمين النبي (صلی الله عليه) عن زيادة الحرص؟.. لماذا يقول: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾؟.. لماذا ينهى النبي (صلی الله عليه) أن لا يحمل همَّ المشركين إلى هذه الدرجة؟.. أليسَ ربّ العالمين هو الأرأف؟.. هذا له جوابه!..

-﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾: يقول رب العالمين: يا رسول الله!.. عندما يضيق صدرك إعمل بما أقول!.. وهذه الآية فيها علاجٌ للحزن: إذا ضاق صدرُك في نزاعٍ مع زوجتك أو مع شريكك؛ أسجد كما كان يفعل الرسول (صلی الله عليه) بأمر من السماء -فهذه ليست رواية في الكافي ولا في البخاري، بل هي آية من كتاب الله عز وجل- وقل: “سبحان الله” وأنت ساجد، مرة أو مرتين أو عشرة أو سبعين مرة. فالتسبيح في حالِ السجود رافعٌ للهمّ والغمّ!.. ولهذا علماء أهل السيرِ إلى الله عز وجل يصرّون كثيراً على الذكر اليونسي: ﴿لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ هذا وردُ كل مستغفر؛ لأن الله عز وجل يقول بعدها: ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

-﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾: اليقين هنا مفسّر بالموت؛ أي: يا رسول الله، كُن في طريق العبودية، فبعد الموت سترتاح من شرِّ المشركين، وترى من الرضوان ما ترى!.. النبي (صلی الله عليه) صبرَ أيام قصيرة في الدنيا عبارة عن ثلاث وعشرين سنة من الصبر، ولكن الآن له من المقام ما لا تدركه العقول!..

الآية الرابعة: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾..
-﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾: إن هؤلاء مكرهم تزول منه الجبال، فهم كبار المكرة، ولهم دارُ الندوة، هؤلاء الشيطان يوحي لهم، لذا لهم دهاء ومكر، ولكن:

-﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾: هؤلاء معهم أبالسة الجنِّ والإنس، ولكني أنا الله ربّ العالمين معك يا رسول الله. فأين الثرى وأين الثُريّا؟!.. وأين ربّ الأرباب، وأين المخلوق من التراب؟!.. هذه هي معيّة النصر والتأييد.

الآية الخامسة: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾..
إن ربّ العالمين تعهدَّ بذكرِ النبيّ (صلی الله عليه) وهو أصدق ُالواعدين القائلين!.. فمع كلِّ أذان وكل إقامة، وعند كل تشهّد، وعند التسليم؛ وفي شهادة الإسلام؛ ذِكرُ النبيّ (صلی الله عليه) يقترن مع ذكر رب العالمين. وخاطبه في القرآن الكريم بـ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ في ثلاثة عشر موضعًا، وبـ: ﴿ـيَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ مرتين، وورد اسمه الشريف أربع مرات، وأنزلت سورة كاملة في القرآن باسم “مُحمّد” (صلی الله عليه). فيالسخافة الجاهلين والمُشركين!.. هم كمن ينظرُ إلى الشمسِ وهو ينفخُ بِفَمه، يريد أن يُطفئ نور الشمس؛ هذا ليس مجنونا فقط بل عميدهم ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

إن رب العالمين ادّخرَ الانتقام من الظالمين، وسيجعله على يدِّ وليّه الأعظم خاتَم الأوصياء الإمام المهدي (عليه السلام). سيأتي ذلك اليوم وهذا الضيق الذي كان في صدرِ النبيّ (صلی الله عليه)، وفي صدرِ علي (عليه السلام)، وفي صدرِ الحسن والحسين (عليهما السلام)، وفي صدرِ موسى بن جعفر (عليه السلام)؛ كلّ هذا الضيق سيرتفِع في ذلك اليوم عندما يبسط سُلطانه على وجه الأرض. ولهذا فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) هي فكرة كافة المسلمين، فالاختلاف في الولادة وإلاّ فإنه من ضروريات الدين!.. هذه الأرض سيحكمها المهدي (عليه السلام) وقومه وأصحابه، فمقتضى المنطق والعقل أن الله عز وجل لا يترك هذه البشرية بيد الظالمين، ليفرحوا ويمرحوا ويملؤوا الأرض جوراً وبطلاناً وظلماً، ولكنّ الله عز وجل شفقةً بعباده المؤمنين، وانتقاماً من أعدائه لا بُدَّ أن يظهر وليّه، وقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) يستشهد دائما بهذا البيت:

لكل أناس دولة يرقبونها * ودولتنا في آخر الدهر تظهر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى