خطب الجمع

موجبات الخشوع

المقياس..
إن مقياس المؤمن هو مُفتتح سورة “المؤمنون” بالإضافة إلى آخرِ آيات سورة “الفرقان”، فمن أرادَ أن يعلمَ ما لهُ عند الله عز وجل فلينظر ما لله عنده، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (من أحب أن يعلم كيف منزلته عند الله؛ فلينظر كيف منزلة الله عنده. فإنّ كلّ من خير له أمران: أمر الدنيا وأمر الآخرة، فاختار أمر الآخرة على الدنيا؛ فذلك الذي يحب الله، ومن اختار أمر الدنيا؛ فذلك الذي لا منزلة لله عنده). هكذا يعرف ماذا يريد رب العالمين منه، وليس بالذهاب إلى مَنْ يكشف له ما وراءَ الستار. نعم، إن الله عز وجل يُطلِعُ غَيبَهُ على من يشاء؛ ولكن ليس كل إنسان يَصِل إلى هذه المرتبة!.. فالإنسان الذي لا يُصلي صلاة خاشعة، ولا يُتقِنُ وضوءه وصلاته؛ كيف يمكن تصديق ادّعائه بأنه صاحب كرامة، ويعلم ما وراء الحُجُب؟!.. يجب عدم الاعتقاد بأحدٍ من دونِ دليل. والله عز وجل يَخذلُ البعض عندما يتبِّع هؤلاء، فيزيده حيرةً وضلالةً. فالقاعدة العامة هي عدم اتباع الظن، يقول تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.

الخشوع..
ورد في سورة “المؤمنون” ذكر هذه المواصفات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. فهذه السورة بدأت وصف الفلاح بذكر الصلاة الخاشعة، وختمتها بالمحافظة على الصلوات، والمثل يقول: “كلُّ الصَّيدِ في جَوْفِ الفَرا”!.. والفلاح بدايته الصلاة وختامه الصلاة، ولكنه بدأ بالمستحب وانتهى بالواجب؛ أي أن المؤمن الفالح هو الذي يخشع في صلاته أولاً، ويحافظ عليها في أوقاتها ثانياً، والمتوقَّع العكس!.. ولكنه بدأ بذكر الروح قبل البدن، أو القلب قبل القالِب. لذا ينبغي للمؤمن عدم الفرح عندما يصلي في الصف الأول جماعةً في كل الفروض!.. نعم، هذه مزيّة؛ ولكنه جاء بقالب الصلاة حيث أنه حافظ عليها، وهذه هي المواصفة الأخيرة، بعد ذكر: ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾، ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾، ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، وأخيراً هم ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.أما أول خصوصية فهي ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. فلو أن آدم (عليه السلام) أبو البشر كان في الطين على هيئة الطين قبل أن تُنفَخ فيه الروح لَما سجدت له الملائكة؛ ولكن الله عز وجل قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾.

فإذن، إن الصلاة تُلفِتُ نظر الملائكة، إن كان الإنسان خاشعاً فيها.

الآليات..
إن هذا الشعار شعارٌ برّاق، ولكن في مقام العمل لابُّد من بيان الخطوات العملية، فمن يُكثِر من النصائح من دونِ بيان الآليات، لن يكون هناك فائدة يُعتد بها؛ لأن الإنسان يتحفّز من دونِ أن يعلم الطريق إلى أين، فهو كمن يغري إنساناً بالطعام الشهي، ولكن لا يدّله على المطعم؛ ما الفائدة من ذلك؟.. فالعلماء كتبوا في هذا المجال كُتباً متعددة، لذا فإن كل مؤمن يهتم بأمر نفسه عليه أن يجعل في مكتبته المنزلية كل ما كُتِبَ عن الصلاة الخاشعة. إذ لابد من الرسالة العملية، فالجزء الأول “العبادات” لِتعلم قالب الصلاة. ولا بد أن تكون عنده كُتب الأسرار الباطنية للصلاة؛ حتى يُتقن قلب الصلاة. وما ذكره الفقهاء والعلماء في هذا الباب أيضاً يبتني على روايات أهل البيت (عليهم السلام). فالحديث هنا عن صلاة يُصليها الإنسان خمس مرات في كل يوم، وخسارة كبيرة أن يأتي إنسان من مسافة بعيدة إلى المسجد، وفي بيت الله عز وجل، وفي الجماعة، وهو يُصلي كما كان يُصلي في المنزل فُرادى؛ هذا الجهد أين ذهب؟..

كيف نُصلي صلاة خاشعة؟..
إن الصلاة الخاشعة تحتاج إلى دورة حقيقية، لابد لكل مصلٍّ أن يمرَّ بها، هذه الدورة تتضمن: أسرار الوقت، أسرار الساتر، أسرار الطهور، أسرار الأذان، أسرار التكبير، أسرار القيام، أسرار القراءة، أسرار الركوع، أسرار السجود، أسرار التشّهد، أسرار التسليم، أسرار القنوت، التعقيب، صلاة الليل، وصلاة الجماعة. فكلُّ عنوان يحتاج إلى يوم على الأقل؛ أي أنه يحتاج إلى عشرة أيام على الأقل ليتعرف على أسرار الصلاة الخاشعة.

أولاً: التحفيز النفسي.. إن بني آدم له قُدرة غريبة، فلو أراد السفر في منتصف الليل قُرابة الفجر؛ فإن أكثر الناس ثقلا في النوم، ولو لم يَنم تلك الليلة إلا ساعة، فإنه يقوم من فِراشهِ في الوقت المحدد للسفر. إذ إن جسم بني آدم يتأقلم مع الظروف المُستجدّة، ويقال:

1. في عالم الطب: أن هناك غُدة في الجسم مسؤولة عن فرز مادةٍ تُنشّط الجسم، فعندما يكون هناك سبعٌ ضارٍ يلحق بالإنسان فإنه يصبح من أكبر العدّائين؛ لأن الرئة تنفتح، والقلب ينبض، والدم يجري في العروق بشكلٍ جيد، فحتى العاجز يركض أيّما ركضٍ؛ لأن جسمه تحفّز لعلمه بالخطر.

2. في عالم السباع: أن الحيوانات المُفترسة تمشي بسرعة مائة كيلو متر في الساعة، وهذه سرعة هائلة، رغم أنها لحمٌ وعظم، وليست عَجلة تحتوي على وقود. ولكن دقائق وتنتهي طاقته، فالفريسة إذا هربت انتهى الأمر؛ لأن هذه طاقة محدودة. فحتى الحيوان المُفترس عندما يرى غزالة يتحفّز لدقائق وينتهي.

فإذن، التحفّز عامل مهم للقيام بالمهمات!.. لذا، عندما يأتي الإنسان إلى المسجد، عليه أن يكون حريصاً على استجماع خيوط فِكره في هذه الدقائق، وليقل لنفسه: يا أيتها النفس اللوامّة أو الأمّارة، أنتِ بين يدي الله عز وجل!.. فهذه الوقفة مع النفس هي عامل مؤثر في تحفيز الهِمم، ولهذا رب العالمين ما أمَرَنا بالصلاة مباشرةً، إذ هناك:

أ- الوضوء: وهو مدخل الصلاة، وأول خطوة من خطوات الصلاة الخاشعة. وأدعية الوضوء هي أول أدب من آداب االوضوء، فهي تهيئ الإنسان لجو الصلاة، وتنقل الإنسان إلى عالم الآخرة.

ب- النوافل: إن الركعات الثمانية قبل صلاة الظهر؛ هي تحفيز وتدريب كي يصلي الإنسان الفريضة بتوجُّه، وصلاة العصر كذلك. والمُلفِت أن نوافل النهار قبل الواجب، ونوافل الليل بعد الواجب، فنافلة المغرب بعد المغرب، ونافلة العشاء بعد العشاء، والله العالم لعلَّه مثلاً في النهار وقت العمل وزحمة الحياة، فهذا المصلي سواء كان: أستاذاً في الجامعة، أو طبيباً في العيادة، أو مهندساً في العمل، فذهنه مشغول بما يقوم به، لذا فهو يحتاج إلى فلترة نفسه. ونافلة الظهرين هذه تجعل الإنسان ينتقل من بيئته إلى بيئة الصلاة تدريجياً. ولهذا الذي أدمَنَ على نافلة الظهرين لا يمكنه الصلاة إلاّ بعد النافلة؛ لأنها تهيئه للصلاة الواجبة.

ج- الأذان والإقامة: ولكن مع الأسف بعض الناس يذكر لله عز وجل بشكلٍ لا يليق، بينما كبار المؤمنين عندما يؤذِّن ويُكبِّر يقولها فقرة فقرة وكأنه يستلِّذُ بذلك. وهناك توصية في أن رفع الصوت في المنزل بالأذان والإقامة لها بعض الخصوصيات. فقد روي (أن رفع الصوت بالأذان في المنزل يزيل العلل والأسقام ويكثر النسل، فإن هشام بن إبراهيم شكا إلى الرضا (عليه ‌السلام) سقمه، وأنه لا يولد له، فأمره أن يرفع صوته بالأذان في منزله قال: ففعلت، فأذهب الله عني سقمي، وكثر ولدي).. فإذن، لابد من تأدية الأذان والإقامة بتوجّه.

د- التكبيرات الافتتاحية: إن التكبيرات الافتتاحية الست قبلَ تكبيرة الإحرام، هي بمثابة الصعود التدريجي: يقول: “الله أكبر”!.. ست مرات، وعندما يستوي تماماً يقول: “الله أكبر”!.. التي هي تكبيرة الإحرام.

ه- تكبيرة الإحرام: روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إذا كبرت فاستصغر ما بين العلا والثريا دون كبريائه، فإن الله إذا اطلع على قلب العبد وهو يكبّر، وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره، قال: يا كاذب!.. أتخدعني، وعزتي وجلالي!.. لأحرمنك حلاوة ذكري، ولأحجبنك عن قربي والمسارّة بمناجاتي).

فإذن، كل هذه الأمور مهيئة، لذا لابد من الاعتقاد بأهمية الأمر وتحفيز النفس.

ثانياً: الشوقُ إلى الصلاة.. إن طبيعة النفس تألف اللهو واللعب، يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مناجاة “الشاكين”: (مَيَّالَةً إلَى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، مَمْلُوَّةً بِالْغَفْلَةِ وَالسَّهُوِ). فدار الدنيا دار لهو ولعب، وهذه الحالة من الطفولية تستمر بالبعض، لذا فإن الإنسان الذي يريد أن يخرج من دائرة اللهو واللعب إلى دائرة الجِد؛ لابُّد أن يشوِّق نفسه لهذه الصلاة؛ وذلك بعدم اشتغاله بما يغريه قبل الصلاة؛ فمثلاً:

1. إن الإنسان الذي يجعل عينه في صحيفة أو على مسلسل لاهٍ مُغرٍ، ثم يقوم إلى الصلاة؛ كيف يمكن له أن يخشع في صلاته؟!..

2. إن الإنسان الجائع الذي يصلي بجوار المائدة؛ فإن رائحة الطعام تُنسيه كل شيء. يُصلي ولسانه يلهج بذكر الله عز وجل بينما قلبه في المائدة؛ كيف يمكن أن يتوجه في صلاته؟!..

3. إن الإنسان الذي عنده مشكلة مالية مع أحدهم ويتصل به قبل الصلاة بدقائق؛ هل يتوقع صلاة خاشعة ذلك اليوم؟..

4. إن الإنسان الذي يتكلم مع زوجته بقسوة وهي ترد الكيل كيلين، ثم يريد أن يقول: “اللهُ أكبر”؛ أي صلاة هذه؟..

فإذن، يجب على الإنسان تجميد الحركات المزعجة قبل الصلاة بفترة، ليدخل بحر الصلاة وهو مُقبل.

ثالثاً: إتقان الوضوء.. إن المؤمن يتأسى بمواليه، لذا عليه التأسي بوضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) كما روي عنه؛ أي يتوضأ ويجعل فِكره في عالمٍ آخر!.. عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (بينا أمير المؤمنين ذات يوم جالس مع ابن الحنفية، إذ قال: يا محمد ائتني بإناء ماء أتوضأ للصلاة، فأتاه محمد بإناء، فأكفى بيده اليمنى على يده اليسرى، ثم قال: “بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا”. قال: ثم استنجى فقال: “اللهم حصن فرجي وأعفه، واستر عورتي وحرمني على النار”. قال: ثم تمضمض فقال: “اللهم لقني حجتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكرك”، ثم استنشق فقال: “اللهم لا تحرم علي ريح الجنة، واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها”. قال: ثم غسل وجهه فقال: “اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه”، ثم غسل يده اليمنى فقال: “اللهم أعطني كتابي بيميني، والخلد في الجنان بيساري، وحاسبني حسابا يسيرا”، ثم غسل يده اليسرى فقال: “اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطعات النيران”، ثم مسح رأسه فقال: “اللهم غشني برحمتك وبركاتك وعفوك”، ثم مسح رجليه فقال: “اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، واجعل سعيي فيما يرضيك عني يا أرحم الراحمين”. ثم رفع رأسه فنظر إلى محمد فقال (عليه السلام): يا محمد من توضأ مثل وضوئي، وقال مثل قولي، خلق الله عزوجل من كل قطرة ملكا يقدسه ويسبحه ويكبره، ويكتب الله عزوجل له ثواب ذلك إلى يوم القيامة).

ما المانع أن يمسح الإنسان الرأس والرجلين، ويغسل الوجه واليدين؛ وهو مشغول بالمناجاة مع رب العالمين بدلاً من الوسوسة في الوضوء؟!.. إذ إن البعض يمضي ساعتين من عمره في الوضوء، يتوضأ لمدة ساعتين ولا يذكر الله عز وجل، بل يذكر الشيطان في وضوئه. يصلي وفِكره في نواقض الوضوء، البعض يبكي من خشية الله عز وجل وهذا المُبتلى فِكره في بطنه مثلاً!.. فمن أراد الخشوع في صلاته عليه بإتقان الوضوء!.. ويمكن للإنسان أن يضع أدعية الغُسل في الحمّام، كي يذكر الله عز وجل كلما أراد أن يغتسل غُسلاً واجباً أو مستحبا. فالذكر مطلوب على كل حال وإن كان في الحمام أو بيت الخلاء، روي أنه: (لمّا ناجى الله عزّ وجلّ موسى بن عمران (عليه السلام) قال موسى: يا ربّ!.. أَبعيدٌ أنت مني فأناديك، أم قريبٌ فأناجيك؟.. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا موسى!.. أنا جليس مَن ذكرني، فقال موسى (عليه السلام): يا ربّ!.. إنّي أكون في حال أُجلّك أن أذكرك فيها، قال: يا موسى!.. اذكرني على كلّ حال).

رابعاً: المناجاة.. يستحب للإنسان قبل التكبير أن يناجي ربه لو مناجاة مختصرة، كأن يلهج ببعض من هذه الأدعية: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، (يا محسن!.. قد أتاك المسيئ، أنت ربنا المحسن، وأنا عبدك المسيئ.. فتجاوز عن قبيح ما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأجل الأكرم)!.. (ربي!.. أقمها وأدمها، واجعلني من خير صالحي أهلها)، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾.

خامساً: الاستعاذة.. يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾؛ فنحن نقول: “أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم” ثم نُبسمل وهذه هي عادة القُرّاء في كل العالم، لا خصوصيةَ للقرآن. فالقرآن كتابُ رب العالمين، وهو حديث الرب مع العبد، لذا فإن الإنسان يستعيذ بالله من الشيطان؛ لأنه يشوش عليه. والصلاة هي حديث العبد مع الرب أيضاً يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان كي لا يشوش عليه. بل إذا همّ الإنسان بصدقة فليستعذ؛ لأنَّ الشيطان يحول بينه وبين الصدقة لذا عليه الإسراع والتصدق دون أي تأخير.

فإذن، إن الإنسان عندما يريد أن يقرأ القرآن، أو يقف للصلاة، أو يدفع صدقة؛ عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم. فالشيطان عينه على صلاة الإنسان، ولهذا عند المعصومين (عليهم السلام): في روضة النبيّ (صلي الله عليه)، أو في حائر الإمام الحسين (عليه السلام) يكون للإنسان حالة طيّبة من البكاء والتوسل؛ ولكن بمُجرَّد أن يُكبّر تجفُّ دمعته؛ لأن الشيطان يحوم حوله قائلاً له: أذكر كذا أذكر كذا، ما نسيه يُذكرّه الآن. روي عن النبي (صلي الله عليه) أنه قال: (أن العبد إذا اشتغل بالصلاة جاءه الشيطان وقال له: اذكر كذا اذكر كذا، حتى يضل الرجل أن يدري كم صلى).

سادساً: السيطرة على الخواطر.. يجب على المصلي أن يحاول السيطرة على أول خاطرة غير إلهية في الصلاة، فرب العالمين يُقبِل على المصلي إذا قال: “اللهُ أكبر” لأن ملفه ما زالَ نظيفاً، وعندما يقرأ الحمد والسورة تكون علاقته بالله عز وجل طيّبة والمصالحة موجودة مادام لم يلتفت بعد. ولكن في أول التفاتة يراه الله عز وجل مُعرِضاً فيها، فإن هذه المُصالحة تخِفّ تدريجياً، فالتفاتة ثانية إلى من سواه، ثم التفاتة ثالثة إلى الأهل والعيال والمال؛ رب العالمين يُعرِض عنه. روي عن النبي (صلي الله عليه) أنه قال: (إن الله لا يزال مقبلا على العبد ما دام في صلاته، ما لم يحدث أو يلتفت).

فإن، يجب السيطرة على إلالتفاتة الأولى؛ لانَّ هذه الإلتفاتة توتِّر العلاقة قليلا، ثم الثانية والثالثة؛ فكيف بمن كانت صلاته كلها إلتفاتة إلى غيرِ الله عز وجل؟!..

سابعاً: عدم الاسترسال.. ليسَ المهم أن تأتي الخاطرة الشيطانية؛ فهذا يأتي قَهراً. ولكن يجب الحذر من متابعة الخيط، فعندما يُذكره الشيطان بأمرٍ مُزعِج مُقلِق عليه أن لا يلتفت. ثم يأتيه بفكرة ثانية أيضاً لا يلتفت، وهكذا رابعة وعاشرة لا يلتفت. فإن تذكر في الصلاة عشرين موقفاً ملفتاً؛ ولكنه مع كلِّ حركة جاهد فيها نفسه؛ فهو إنسان خاشِع. عليه أن يقول: يا رب رأيتَ حالي، الشيطان حاولَ معي ولكنّي دفعته. فإبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) جاءه إبليس، والسيدة هاجر جاءها إبليس، وإسماعيل جاءه إبليس؛ ولكنهم رَموه بالحجارة -أي رفضوه- هو حاولَ معهم ولم يفلح. فالشيطان لو حاولَ مع الإنسان ولم يفلح؛ فهذا الإنسان على جادة الأمان.

إن البعض يتمنى صلاةً لا يُفكر فيها في غير الله عز وجل؛ هذا أمرٌ عسير جداً!.. ولكن الأمر المعقول هو عدم الاسترسال مع الفكرة، عندئذ بعد أربعين أو خمسين سنة من المجاهدة يمكن أن يصل إلى مرتبةٍ من التكبير إلى التسليم لا يُفكر فيها بغير الله عز وجل؛ بل يصل إلى درجة لا يمكنه التفكير في غيره!.. فلو أن إنساناً اقترن بملكة جمال الأرض وبجانبها أمةٌ سوداء، هل يُقال له: لا تلتفت إليها؟.. إنه من الطبيعي مع وجود هذا الجمال البارِع، لا يُمكنه الإلتفات إلى مَن سِواها، هذا في عالم البشر. فالإنسان الذي يصل إلى درجة يرى فيها الدنيا وما فيها أمة سوداءٌ ذميمة عجوزة قبيحة ما الذي يُغريه؟.. ولكن مشكلتنا أننا استبدلنا المواقع، فلو انكشف جمال عالم الغيب للإنسان؛ فإنه لن يرى جمالاً في غيره. هذا القسم خاشع قهراً.

فإذن، يجب عدم اتباع الخيوط التي يُقدمَّها إبليس.

ثامناً: اغتنام القنوت.. إن القنوت موضعه في وسط الصلاة، وكأنَّ الله عز وجل يُريد من الإنسان أن يتحدث معه. لذا في قنوت الصلاة بإمكان الإنسان أن يطلب حاجته بالاسم: فإن كانت والدته مريضة يقول: يا رب والدتي مريضة صُبَّ عليها العافية صبّا، ويذكر اسمها، فلا ضرر في ذلك، فهذا كالاستغفار للمؤمنين في صلاة الليل. لذا ينبغي للمؤمن أن يجعل القنوت ذريعة، وليلهج بالمأثور من الدعاء: كدعاء الفرج -مثلاً- وبعد ذلك: إن كان طالباً فليطلب النجاح، وإن كان تاجراً فليطلب الربح، وإن كان سقيماً فليطلب الشفاء، الخ.. فليجعل الإنسان قنوته عبارة عن حديث العبد مع ربه.

تاسعاً: التعقيب.. إن أنهى الإنسان صلاته في قيلٍ وقال؛ أي بالثرثرة الباطنية -إذ إن بعض الناس ظاهِره صامت ولكنه كثير الكلام مع نفسه، وحديث النفس لا يخلو منه أحد، وإذا ظهرَ للعلن يقال: هذا مريضٌ نفسياً- فليستغفر الله عز وجل من صلاته في التعقيب. فلو أن مرجع التقليد جاء زائراً لأحدهم ولم يحسن إكرامه، ولم يقدّم له طعاماً ولا شراباً؛ ألا يقول له ساعة الوداع: بالله عليك إغفر لي تقصيري، ظاهراً استضفتك ولكنني مُقصِّر. أيضاً بالنسبة إلى الصلاة يقول: (إِلهِي!.. هذِهِ صَلاتِي صَلَّيْتُها لا لِحاجَةٍ مِنْكَ إِلَيْها، وَلا رَغْبةٍ مِنْكَ فِيها، إِلاّ تَعْظِيماً وَطاعَةً وَإِجابَةً لَكَ إِلى ما أَمَرْتَنِي بِهِ. إِلهِي إِنْ كانَ فِيها خَلَلٌ أَوْ نَقْصٌ مِنْ رُكُوعِها أو سُجُودِها فَلا تُؤاخِذْنِي وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ بِالقَبُولِ وَالغُفْران)!.. يا رب لا أتوقع القبول، هذه صلاةٌ لا أتوقع منها خيراً، ولكن رجائي أن لا تُعاقبني عليها. أوَ لا يُحتمل أنه عندما يقول المصلي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أن تقول الملائكة: لماذا تكذِب على ربِّك؟.. فـ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ حصراً؛ وأنت عابِد الهوى. وتلهج قائلاً: ﴿َإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وأنت غير الله تستعينُ؟!..

عاشراً: إتقان السجدة الأخيرة.. هَب أن الإنسان كان مُعرِضاً عن ربه من تكبيرة الإحرام إلى قُبيل التشهُّد والتسليم، فليجعل خِتام صلاته في السجدة الأخيرة من الفريضة، مناجياً ربه مطيلاً سجوده. فهذا آخر اللقاء، عليه أن يصلي صلاة المودِّع. روي عن رسول الله (صلي الله عليه) أنه قال: (إذا صليت صلاة فريضة، فصل لوقتها صلاة مودع، يخاف ألا يعود فيها). البعض يعوِّض تقصيره بهذه السجدة، وقد تدمع عينيه ولو بمقدار جناح بعوضة خجلاً من الله عزوجل، واستحياءً من هذه الصلاة!.. إذ إن البعض يُفكِّر تفكيراً شهوياً في صلاته؛ فما هذه الصلاة؟!.. لذا عليه أن يتوب إلى الله عز وجل في السجدةِ الأخيرة. وبإمكانه أن يقول فيها ما يريد، كأن يقرأ: فقرات من دعاء أبي حمزة، أو فقرات من مناجاة التائبين، أو فقرات من دعاء الحزين، أو آخر دعاء الصباح (إِلهِي!.. قَلْبِي مَحْجُوبٌ، وَنَفْسِي مَعْيُوبٌ، وَعَقْلِي مَغْلُوبٌ، وَهُوَائِي غالِبٌ، وَطاعَتِي قَلِيلٌ، وَمَعْصِيَتِي كَثِيرٌ، وَلِسانِي مُقِرُّ بِالذُّنُوبِ، فَكَيْفَ حِيلَتِي ياسَتَّارَ العُيُوبِ، وَياعَلامَ الغُيُوبِ، وَياكاشِفَ الكُرُوبِ، إِغْفِر ذُنُوبِي كُلَّها بِحُرْمَةِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، ياغَفّارُ ياغَفّارُ ياغَفّارُ، بِرَحْمَتِكَ ياأَرْحَمَ الرّاحِمِينَ)!..

الحادي عشر: إتقان التشهُّد والتسليم.. عندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، عليه أن يعاتب نفسه قائلاً: يا أيتها النفس الأمّارة ما هذه الصلاة؟.. إخشعي على الأقل في هذه الدقيقة الأخيرة من صلاتك. والتشهّد والتسليم فيهما صلاة على النبيّ (صلي الله عليه) وآله، عليه أن يتقن هذه الصلاة!.. فذِكرُ النبيّ (صلي الله عليه) يتخلل الأذان والإقامة، والركوع والسجود، والتشهُّد والتسليم؛ أي أن هؤلاء شُفعاء المؤمن في صلاته أيضاً، لذا عندما يصل إلى هذه الفقرة: (اللهم صلِّ على محمَّد وآلِ محمَّد)!.. عليه أن يتوجه في صلاته، وعندما يقول:(السلام عليك أيُّها النبيّ) فليتوجه في سلامه. فصلاته على النبيّ (صلي الله عليه)، وسلامه على النبيّ (صلي الله عليه) بمجموعهما قد يعوِّض له النقص فيما صلى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى