خطب الجمع

جزاء الأعمال

اليقين بالآثار الأخروية..
إن موضوع جزاء الأعمال، وكيف أن الله عز وجل يُكافئ عباده عقوبةً ومثوبةً في الدنُيا قبلَ الأخرة، من الأبحاث المُهمة؛ لأنَّ طبيعة العِباد قائمةٌ على التخويف الفعلي، فحديثُ النار وحَديثُ الجَنّة هذا يحفِزُ أهلَ اليقين ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، ونَحنُ لم نَصل إلى مرحلة اليقين بالنسبةِ للآخرة!.. إذ لابُدَ من مرحلة المكاشَفة، ومثالهُ في الدُنيا: الإنسان المُبتلى بمرض السُكري، يرى أمامهُ قطعة من الحلوى، تغلبه شهوته ويأكلها رغم علمه بمضارها، فخوفهُ من النتائج لا يردعه؛ لأن الإنسان لا يرتدع إلا إذا وصلَ إلى مرحلة رؤية العواقب، ولهذا الذي يزور السجين ويرى غرفته الضيقة، أو يرى الأغلال في رجليه أثناء المحاكمة، فإنه عندما يَرجِعُ إلى المنزل -على الأقل- لا يرتكبُ تِلكَ المُخالفَة؛ لأنه رأى النتائج بعينه. فإذن، إن الاعتقاد واليقين بالآثار الأخرويّة دافِعٌ لمن كانَ متيقناً.

الآثار الدنيوية..
إن هُنالكَ نتائج دنيويّة لكل عمل بالإضافة إلى الآثار الأخرويّة، وقد ألّف الشَيخ الصَدوق كِتاباً بعنوان: “ثوابُ الأعمال وعقابُ الأعمال”. هذا الكتاب من المؤلفات القيّمة، فهو يتضمن روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وهناك كتب حديثة لبعض العُلماء في هذا المجال أيضاً يُذكِرُ فيها آثار الأعمال في الحياة الدُنيا وفي الآخرة، مثل: كتاب فضل الصلاةِ على النَبي (صلی الله عليه)، وآثارُ الصلوات وبركاتها في الحياة الدُنيا والآخرة.

أولاً: الآثار في عالم الطبيعة..
1. الربط بين الآثار وبين الأسباب.. بعدَ الثورة العلميّة أو ما يُسمى بالثورة الصناعيّة في بلاد الغَرب، تم إنشاء المُختبرات العظيمة والعملاقة لبحثِ آثارِ الأشياء، فهم دائماً يبحثونَ عَن السَبب والمُسَبب، لا يعتقدونَ بالعِلةِ والسبب إلا عندما يرونَ ذلكَ رأيَ العَين، وهذا شَيءٌ جيدا!.. فعندما يشتري الإنسان دواءً فإنه يجد معه دائماً ورقة مُرفَقَة، يذكرُ فيها خواص هذا الدواء النافع وآثاره الجانبية، بعض الأوقات تكون مضاره أكثر من نفعه، إذ تذكر الخواص في سطرين والمضار في خمسةِ أسطر.

2. الاستسلام لقوانين الطبيعة.. إن رَب العالمين بناؤهُ على احترامِ قوانين الطبيعة، هو جاعلها ولكنه لا يُبطل أثرها إلا في موارد نادرة. بعضُ المؤمنين المبتلين بالأمراض يرفضون العلاج بالدواء، لا يريدونه إلا من خلال الدُعاءِ فقط، يفوّضون أمرهم إلى اللهِ عز وجل ولا يذهبون إلى الطبيب، هذا الكلام لا يُقبَل!.. فإبراهيم الخليل (عليه السلام) إذا مَرضَ كان يمشي على القاعدة البشريّة ويُراجعُ الطبيب -الأنبياء (عليهم السلام) في مقام العَمَل كانوا يمشونَ على السُنن الطبيعيّة، فالنَبي (عليه السلام) إذا أرادَ أن يبني بيتاً لا يقولُ لَهُ: كُن فيكون، بل يدعو العمال كي يبنوا لَه، فالعالمُ عالمُ الأسباب- ومعَ ذلك يقول: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ نبياً من الأنبياء مرض، فقال: لا أتداوى حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني.. فأوحى الله تعالى إليه: لا أشفيك حتى تتداوى، فإنّ الشفاء مني). لذا، يجب على الإنسان أن لا يستثني نفسه من القوانين، فالكرامة والإعجاز هذهِ الأمور ليست بقوانين. فكم من الناس الكسالى الذين يريدون أن يصبحوا أثرياء من خلال الدعاء فقط، لذا يذهبون إلى المشاهِد المشرفة، وإلى بيت الله الحرام، ويدعون عندَ الحطيم، ويتعلقونَ بأستار الكعبة، وقد يذهبون إلى الحَج المرة والمرتين ولا يرون أثراً للإجابة؛ لأن هذا قانون إلهي وإن ذهب إلى الحَج آلاف المرات!.. ولكن في بعض الحالات من المُمكن عند الدعاء أن يستثني رَب العالمين القانون.

فإذن، لابُدَ أن نستسلم لقوانين الطبيعة:
أ- يقول تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، المؤمنون ابتلوا بالنارِ ذاتِ الوقود، ولم يعاملهم رَب العالمين مُعاملةَ إبراهيمَ الخليل (عليه السلام)، بل كانوا قعوداً على النيران وتحولوا إلى فحم. فرَب العالمين ما جَعلَ النارُ بَرداً وسلاما. نارُ إبراهيم (عليه السلام) فقط هي التي صارت بَرداً وسلاماً استثناءً.

ب- يقول تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، لولا أنَّ يونس (عليه السلام) كانَ من المُسبحين لكانَ من المُغرقين، فالقانون الإلهي مع موسى (عليه السلام) لم يجرِ بالنسبة إلى يونس (عليه السلام)، لما ألقوهُ في البحر ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. رَبُ العالمين لم يعامله مُعاملة موسى (عليه السلام) الذي جَعلَ لَهُ البحر كالطريقِ اليابس. ما المانع الذي جعل طريقاً يبسا لموسى (عليه السلام) أن يجعل طريقاً يبساً لنَبي اللهِ يونس (عليه السلام)؟..

ج- إن قمة المعاملة الإلهيّة بحسب القوانين الطبيعية هو في يَومِ عاشوراء، فالحُسينُ (عليهِ السلام) في صَدرهِ الاسم الأعظم، ولو أرادَ لأبادَ جيش يزيد ومن معه بإشارة!.. إن كان عفريتٌ من الجِن ينقلُ عَرشَ سبأ، فما المانع أن ينقل الحُسين (عليه السلام) عرش يزيد من الشام إلى أرضَ كربلاء فيقتله؟!.. ولكنهُ (عليه السلام) تعامَلَ مع الحادثة تعامُلاً بشريّاً، رغم المصائب التي حصلت في ذلك اليوم، حيث تُنقل بعض المقاتل المُفجعة في يومِ عاشوراء، فالذي قتل الحُسين (عليه السلام) ما المانع أن يعمَل ما عَمِل؟!.. والذي جَعلَ رأسَ الإمام (عليه السلام) على رُمحٍ طويل ما المانع أن يُعامل عائلته تِلكَ المُعاملة؟!.. هؤلاء بلغوا القمة في القسوةِ والمسخ الباطني!.. ولكن رَب العالمين لم ينزل الملائكة المسومة كما في بَدر ولو شاءَ لأنزلهم. حتى في معركة بَدر النَبي (صلی الله عليه) هيأ الأمور: إذ سوى الجيش وقسمه إلى ميمنة وميسرة وقلب، وحفرَ الخنذق بمشورة سلمان، ثُمَّ دعا رَبه. وسيدُ الشُهداء (عليه السلام) ليلة العاشر تفقدَ التِلال؛ لئلا يهجم القوم. كُلُ هذهِ القصص تَدلُ على أنّهُ لابُدَ من الأسباب، كما روي عن النبي (صلی الله عليه) عندما قال له رجل: يا رسول الله أترك ناقتي وأتوكل أو أعقلها وأتوكل؟.. قال: (بل اعقلها وتوكل)!..

ثانياً: الآثار في حياة الأفراد..
نفهم من بعض الروايات أيضاً أن هُنالكَ ارتباطاً بينَ الفعلِ والجزاء في الحياة الدُنيا، مثلاً:

1. كسر القلوب والعقوبة: إن كَسر القلوب وإدخالُ الوهن والحُزن على الغَير، ولو لم يَكن بعدوان أو بإساءة؛ كأن يطلب المؤمن من أخيه حاجة وهو قادر على قضائها ولا يقضيها له، يُفهم من رواياتِ أهل البيت (عليهم السلام) أن هذا يوجب العقوبة والبلاء؛ لأن هذا المؤمن أراقَ ماءَ وجهه وهو لم يلبِّ طلبه. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «… من قضى أخاه المؤمن حاجة، كان كمن طاف طوافاً وطوافاً وطوافاًـ حتى عدّ عشرةـ وقال: أيّما مؤمن سأله أخوه المؤمن حاجة، وهو يقدر على قضائها ولم يقضها له، سلّط الله عليه شجاعاً في قبره ينهش أصابعه». وفي رواية أخرى في كسر قلب المؤمن، روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أيضاً قوله: (يا عبد العزيز!.. إن الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد: لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشرة، ولا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك، وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره، فإن من كسر مؤمنا فعليه جبره).

2. وهن المؤمنين والعداء لله: الروايتان السابقتان تتحدثان عن جزاء من كسر قلباً دون عدوان؛ فكيفَ إذا أهانه إهانةً عدوانية، يُفهمُ من بعض الروايات أنه تعرضَ لحرب اللهِ عز وجل؛ ويا لها من عقوبةٍ قاسية!.. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال:(إن الله تبارك وتعالى يقول: من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي).

3. صِلةُ الأرحام وزيادة العُمر: إن الإنسان عندما يصل الرحم، ويُحسن إلى والديه؛ يزيد في أجله. هُناكَ علاقة بينَ طِول العُمر والإحسانِ إلى الأبوين، وقد يكون ذلك لأن الأبوين هما مصدر الوجود: فإن أحسن الإنسان إلى مَصدر الوجود؛ طالَ وجوده، القضية فيها سنخيّة. هذهِ الأُم حملته تسعة أشهر، هَب أنه تحملها تسعَ سنوات وهيَّ مشلولةٌ على الفراش؛ فإن هذا العَمل لا يَذهَبُ سُدىً، رَبُ العالمين يُمدُ في عُمره. وشتان ما بينَ العُمر الذي يطولُ بسبب تناول العسل والعقاقير، وبينَ طولِ عُمرٍ بسبب صلة الأرحام؛ هذهِ الأعمار فيها بَركة مُضاعفة، رَبُ العالمين أمدَّ في عُمره هذا في خَيرٍ وعافية. أما بعضُ أهل الدُنيا فإنه كُلما طالَ عُمره كثُرَت خطاياه؛ فما قيمةُ طول العُمرِ هذا ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.. فإذن، إن طول عُمر الفَسقة والفجرة؛ يُضاعفُ من عذابهم يَومَ القيامة.

4. المعاشرة بالمعروف والاستقرار: إن الذي يُعاشرُ أهلهُ بالمعروف يقطفُ الثِمار في الدُنيا: إذ تكون حياته الزوجيّة مُستقرة، وليس هناك توتر عصبي بالمنزل، ولا صوت مُرتفع، فيعيش الأطفال في جو من الأدب والاحترام. أحد العلماء منذُ أن تزوج إلى أن أصبح في عمر متقدم لم يرفع صوته على أهلِ بيته، لذا فإن تعامل أولاده معه هو تعامُل صاحب المنزل مع الضيف، يتكلمونَ مع أبيهم كما يتكلَم الزميل مع الزميل بأدبٍ إلى حَد المُبالغة. فالبيت الذي فيه المُعاشرة بالمعروف ينجب ذريةً أيضاً تُعاشر بالمعروف.

5. صلة الجار والحياة الآمنة: إن الإحسان إلى الجار لا يكون فقط بتقديم طَبقٍ من الطعامِ والحلوى له، ولكن في ردّ إساءته بالإحسان إليه. البعض قد يبيع بيته بأقل الأثمان فراراً من جاره، بينما المطلوب هو إغرقه بالإحسان، وتحمل إساءته؛ عندئذ يعيش الإنسان عيشة آمنة في محلته. وروايات الجار مُذهِلة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله عليه): (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَار،ِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ).

6. الإحسانُ إلى الخَلق والمحبوبية: إن الإحسان لا يعني توزيع الأموال عليهم، بل بـ: الابتسامة، والبشاشة، والخُلق الحَسَن.. بعض المؤمنين يكون يوم تشيع جنازته كأنّهُ يَومُ العزاء الأكبر، الكُلُ يبكي عليه؛ لأنه محبوب عند الجميع. بينما سيء الخُلق فإن ذويه لا يبكون عليه؛ وهذهِ حالة كارثيّة أن يموتَ الإنسان حتى أولادهُ لا يبكونَه، لأنهم يتذكرون ما كانَ يقومُ بهِ في الدُنيا من سوءِ الأدبِ والخُلقِ معهُم. فإذن إن الإحسان إلى الخَلق ثَمرتهُ المحبوبية عندَ الناس؛ فكيفَ إذا أُضيفَ إلى ذلك الإيمان والعَمل الصالح؟.. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ فيجتمع ودان: الود الذي يأتي من قِبل العرش، والود الذي ينبعثُ من الأرض.

7. الإسراف والتبذير وقسوة القلب: إن المُبذِر والمُسرف هو أخ الشيطان؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾؛ أي من سنخ الشيطان. وقد عُدّ المُسرِف في عِداد الشياطين، وليس من سنخ الزاني أو شاربَ الخَمر؛ لأنَّ الشيطان من أكثر المخلوقات كُفراً بالله عَزَ وجل. كُفراً بنعمته فهو لم ينكر المولى، بل كانَ يُخاطب رَب العالمين خطاباً فيهِ تعظيمٌ لله عز وجل، حيث قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فصدر الجُملة فيه أدب ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾؛ أي يا رَب أنتَ عزيز، أقسمُ بعزتكَ، ولكن المُشكلة في الذَيل ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، صَدرُ الآية مُحترم ولكن ذَيل الآية خِلافُ الأدب، لأنَّ الله يُريدُ هداية الخَلق والشيطان يُريدُ غوايتهم. مُشكلة إبليس هي بالكُفرِ بالنعمة، وإلا فإنه عَبدَ الله عز وجل آلافَ السنوات، وعندما كانت تجتمعُ الملائكة إبليس كانَ خَطيبَ الملائكة، فقد كانَ يَعظُ الملائكة، ويَذكرُ اللهَ عَزَّ وجل، ويحفز البواطن، وعبادتهُ معروفة، ولهذا قَدّمَ مناقصة لله عَزَّ وجل قال: يا رَب أعفني من السجودِ لآدم أعبدكَ عبادةً لا نَظيرَ لها، فجاءَ الخَطاب: أعبدني من حَيثُ أُريد لا مِن حيثُ تُريد.. ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام):(عبد إبليس الله حتى 6000 سنة قضى في ركعتين من عبادته 4000 سنة… وكان عالما ويوضع له منبر يخطب بالملائكة.. وله شخصية معروفة بين الملائكة لا ينافسه عليها أحد قط… إلى أن قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ شعر بالخطورة ذلك لوجود المنافس له وأنه سيخسر مقامه ومنصبه بين الملائكة… وظل إبليس وقارن بين التراب أصل آدم والنار التي خلق منها، وإنه هو خطيب الملائكة وطاوسها، لهذا رفض السجود لآدم. قال تعالى ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (12) سورة الأعراف، فقال: يا رب اعفيني من السجود، وأعدك أن أعبدك عبادة لم يعبدك مثلها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقال الله: أريد أن أعبد من حيث أريد وليس من حيث تريد..). وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (أُمر إبليس بالسجود لآدم فقال: يا رب!.. وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم، لأعبدنّك عبادةً ما عبدك أحدٌ قط مثلها، قال الله جلّ جلاله: إني أحب أن أُطاع من حيث أريد).

فإذن، إن الشيطان كَفرَ بنعمة الله، والمُبذر كافرٌ بنعمة اللهِ عَزَّ وجل أيضاً، بعضُ العُلماء والصالحين والأولياء عندما يرى كَسرةَ خُبزٍ على الأرض يأخذها ويُقبلها، يقول: هذهِ أمانةُ اللهِ عندنا، عن محمد بن علي بن الحسين قال: (دخل أبو جعفر الباقر (عليه ‌السلام) الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر، فأخذها، وغسلها، ودفعها إلى مملوك معه، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج (عليه ‌السلام) قال للمملوك: أين اللقمة؟.. فقال: أكلتها يا بن رسول الله، فقال (عليه ‌السلام): إنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة، فاذهب، فأنت حر، فإني أكره أن أستخدم رجلا من أهل الجنة). وفي حديث آخر عن الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن علي (عليه ‌السلام): (أنه دخل المستراح فوجد لقمة ملقاة، فدفعها إلى غلام له، وقال: يا غلام، أذكرني بهذه اللقمة إذا خرجت، فأكلها الغلام، فلما خرج الحسين بن علي (عليه ‌السلام) قال: يا غلام، اللقمة؟.. قال: أكلتها يا مولاي، قال: أنت حر لوجه الله، فقال رجل: أعتقته؟!.. قال: نعم، سمعت رسول الله (صلی الله عليه) يقول: من وجد لقمة ملقاة، فمسح منها، أو غسل منها، ثم أكلها، لم تستقر في جوفه إلا أعتقه الله من النار، ولم أكن لأستعبد رجلا أعتقه الله من النار). بينما بعض الناس يُقيم مجلساً عِباديّاً، ثم يأخذ المائدة بما فيها ويرميها في سَلة المُهملات، هذا العمل لا يعبر هكذا يَومَ القيامة، بل يؤتى له بجَبلٍ من الطعام، ويسألونه عنه؛ فماذا سيكون جوابه؟.. قد يقال له: قِف على هذهِ التلة آلاف السنين عقوبةً لَك!.. هو في دار الدُنيا لم يحاسبه أحد؛ ولكن كُلَّ قطعة طعام رماها في المُهملات يراها يَومَ القيامة ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾. لا تقل: هذا مجلس؛ فإن ذلك لا يشفعُ لَك. المُستحبُ في محله والحرامُ في محله؛ فهل مجالسُ أهل البيت تجوزُ الغيبة؟.. نفس القاعدة تنطبق على الإسراف في المجالس.

فإذن، بعضُ العقوبات تأتي من هذا الباب، إنّهُ بابٌ خَطيرٌ جِداً، وخاصة أنَّ الأمر صارَ عُرفاً عندنا. هذا المعنى أيضاً يَقعُ في موسم الحَج، فقسوة البعضِ في الحَج من وراءِ هذا العمل، وعَدم توفيق البعض في مثل هذهِ المواسم؛ لأنّهُ استهترَ بالنعمة الإلهية.

الآثار في حياة الأمم..
أولاً :الظُلم.. إن الظُلم العام من موجبات تقويض كيان الدولة، يقال: (أنَّ الملك يدومُ مع الكفر، ولا يدومُ مع الظُلم). هذا المعنى نراهُ في بعض الدُول، فالحاكم إذا صارَ عادِلاً ويُعطي المواطنينَ حقوقهم وإن كان كافراً فإن الناس يرغبونه.. ولكن الحاكم الظالم وإن بَلغَ ما بَلغ من ادعاء الإيمان؛ فإن ملكه يزول. كَم شَهدت الأرض من الحضارات التي سادت ثُمَّ بادت؟.. إن الظُلم يجعل الديار بلاقع، والحاكمُ الظالم مصيرهُ لا إلى الزوال، بل تتبرأ منه الأجيالُ والأُمم، ومثال على ذلك: أولئك الذينَ بالغوا في الظُلم في دولة بني أُميّة ودولة بني عباس وأشكالهم.

ثانياً: ترك الأمر بالمعروف والنَهي عَن المُنكر.. إن الفساد شاع إلى درجةٍ أصبح المُنكَرُ معروفاً والمعروف مُنكراً.. بعض الجامعات في بِلاد المُسلمين، الأصل في الطالبة أن تكونَ مُتبرجة، وعندما تأتي المؤمنة المُرتدية جلباباً شرعيّاً وبوجهٍ شرعي فكأنّها هِيَّ النشاز، تمشي على استحياء وكأنّها هِيَّ الشاذة بينَ القَوم، والمُتبرجة هِيَّ الفتاةُ الطبيعيّة؛ هذا بسبب ترك الأمر بالمعروف والنَهي عَن المُنكَر.. فلو أنَّ الأستاذ في الجامعة نَظرَ إلى هذهِ الفتاة نظرة مُعترضة، أو أنَّ إدارة الجامعة ومن وظفوا بحفظ الأمنِ والأمان على البوابات اعترضوا على هكذا حالات؛ لما وصلنا إلى هذهِ الحالة وما خَفيَ أعظَم!.. ونادراً ما ترى في الأسواق امرأة في هيئةٍ تُرضي اللهَ ورسوله، فحتى المتحجبات حجاباً شرعيّاً يتلاعبنَ بالحجاب أيّما تلاعُب، فهي تستر بدَنها وتظهر حجمها بلبسها للثياب الضيقة؛ فتصبح بذلك مثيرة أكثر من الفتاة المتبرجة!.. هذا هو أثرُ ترك الأمرِ بالمعروف والنَهي عَن المُنكَر. بل إن بعض الآباء المؤمنين في بلاد الغرب قد يتفاجأ بابنته تدخل المنزل مع صاحبِها، هي بنتٌ علويّة من نسل النبي (صلی الله عليه)، وهو نصرانيٌ كافرٌ يدخل البيتَ عِنوةً، وإذا اعترض الأب على ذلك، فإن الفتاةِ تهدد والداها بالاتصال بالجهات القانونية!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى