خطب الجمع

نفحات من سورة محمد (ص) 2

المخاطبون بالقرآن..
إن هذه السورة هيَّ السورة الوحيدة المُسماة باسم النبي الأكرم (صلی الله عليه)، فرَب العالمين لم يذكر حبيبه المصطفى (صلی الله عليه) في القرآن باسمهِ الصريح إلا في أربعِ آيات، ولكن القرآن هو خطابٌ للنبي (صلی الله عليه) أولاً؛ فعن الإمام الباقر (عليه السلام): (إنما يعرف القرآن من خوطب به)!.. وأول المخاطبين هو النَبي الأكرم (صلی الله عليه)، ومن بَعدهِ الأوصياء من ذُريته، ومن ثم المؤمنين.

اكتشاف الأسرار..
إن الطلاب في كلية الزراعة يتدربون على كيفية الزراعة: بَذراً، وسَقياً، وحصاداً، وقطفاً للثمار،..الخ في حَقل صَغير، فإنْ نجحوا في عمليّة الزَرع، انتقلوا إلى زراعة مزرعة أكبر، وهكذا!.. كذلك الأمر بالنسبة إلى القرآن الكريم!.. يُقال: أن الذي اكتشفَ قانون الطفو في الفيزياء، خَرجَ عارياً من شِدة الفَرح، لأنّهُ اكتشفَ قانوناً من قوانين الطبيعة، هكذا البعض عندما يخترع أو يكتشف قانوناً فيزيائياً أو مسألة طبية يصيح ويقفز فَرحاً!.. فإن كان اكتشافُ الكهرباءِ والذَرةِ وغَيرهِ يُغري هكذا، فكيفَ باكتشاف أسرارِ رَب العالمين؟!.. إنها من ألذِ لذائذ الوجود!.. هذهِ اللذة المعنوية لا يعرفها أهل الدنيا!.. فمن مُتع الحياةِ أن يستلذ الإنسان بكلام اللهِ عَزَّ وجل، كما يفعل العاشق الذي يتذكر المحبوب من خلال النظر إلى صورته كُلُ يوم.. المؤمن أيضاً يتذكر الجلال والجمال والأنسِ باللهِ عز وجل من خلال التدبر في كتابه: فإن اشتاقَ للحديثِ معه؛ صلى، وإن اشتاقَ إلى حديث رب العالمين معه؛ قرأ القرآن!.. فالصلاة هي: حديث العبد مع الرَب، والقرآن هو: حديثُ الرَبِ مَعَ العَبد؛ الصلاة قُرآنٌ صاعد، والكتاب قرآنٌ نازل.

جولة في هذهِ السورة المُباركة..
-﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.. ما هي نهاية الفراعنة الذينَ بنوا الأهرامات، هذا البنيان الذي بُنيَ قَبلَ آلاف السنين حتى قَبلَ زمانِ موسى (عليه السلام)؟ .. أصبحوا مومياءات في المتاحف وانتهى أمرهم!.. والمتكبرونَ على وجه الأرض، الذينَ جاءوا بالفِيَلَة من أفريقيا إلى مكة لهدم الكعبة، ما كان مصيرهم؟!.. رَبُ العالمين ﴿..َأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾، قاذفات صغيرة ولكنها مُدمرة، ولو أن الله عز وجل أرسلهم على أكبر أسطولٍ على وجه الأرض هذهِ الأيام، فإن النتيجة هِيَّ ذاتها: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾، هذا الطير يُدمرُ كُلَّ شَيء!..

فإذن، إن المؤمن لا يقنَط ولا يحزَن من غَلبة الكُفرِ على وجه الأرض، أحدهم لَهُ كلمة جميلة يقول فيها: لو اجتمع آلاف الذُباب أو البعوض في غُرفة على إنسان نائم، وأخذوا يتحدثون فيما بينهم قائلين: مَن أشد منا قُوة؛ فبني آدم هذا ضَعيفٌ أمامنا، نَحنُ الآلاف المؤلفة من الذُباب والبعوض المُزعج!.. ولكن في غَفلة منهم يأتي هذا الإنسان بالمُبيد الحشري ويرشهُ في الجو، فإذا ﴿هُم صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، هذا الذُباب لا يعلم أنه برَشةٍ واحدة وإذا بالآلاف في لحظات تهوي إلى الأرض، إذا كانت هذه هي قُوة بني آدم؛ فكيفَ بقوة الرَب الخالق؟..

-﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾..
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: إن المؤمن في حركة الحياة عندهُ هكذا اطمئنان، فهذه الآية في هذهِ السورة المُباركة هي أقوى من كُل جيوش الأرض!.. ومن يعتقد بهذهِ الآية؛ لا يخافُ من شَيءٍ في الوجود، ولكن إذا استوعبناها جيداً: فالقنابل الذريّة لا تُشكِل مولويّة، والقوة الاقتصادية والسياسية لا تغنيهم عَن ولاية اللهِ عَزَّ وجل؛ فهذه الذرة تنفلقُ بأمر رب العالمين، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، ولو عَقلَ العرب لقال: فالق الحب والنوى والذرة، فَمَنْ فَلقَ الحَبّة هو الذي فلق الذَرّة!.. فليعتبر أولئك الذين يتبجحون بقنابلهم النووية، والذين يعتقدون بأنهم هم أصحاب القوة الكبرى!..

فإذن، إن رَب العالمين هو مولى الذين آمنوا!.. والمولى:

أولاً: يُحبُ من يتولاه؛ فالرجل هو مولى بيته وعائلته؛ ورَب الأُسرة يحب من تحتَ يده!..
ثانياً: ينصر من يتولاه؛ رب الأسرة ينصر عائلته عند الشدة، فمن الذي يتجرأ أن ينظر إلى حريمه أو إلى عائلته؟.. فعلاقة المودة تتفرعُ منها علاقة النُصرة.

﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾: في اللغة العربية: النَكرة عندما تثبت في سياق الـ﴿لا﴾ النافية للجنس، يعني جنس الشَيء منتفٍّ، فـ: (لا حَولَ ولا قُوةَ إلا بالله)؛ أي لا حول ولا قُوةَ إلا به، رَبُ العالمين يقولُ عَن الكافرين: ﴿لا مَوْلَى لَهُمْ﴾؛ أي جنس المولى منتفٍ عنهم!.. ولهذا فإن ظهور الإمام في آخر الزمان مَعَ هذهِ القوى الكُبرى، قد يكون -والله العالم- من خلال تعطيل حواسيب العالم، فكل شيءٍ هذهِ الأيام -ولعلَ هذهِ خُطة إلهيّة- ارتبطَ بالحاسوب، فحتى البقال الصغير يُديرُ أمورهُ من خلال الحاسوب، فرَب العالمين كرامةً لوليه، ونُصرةً له يكفي أن يأمر بتعطيل تلك الحواسيب، فينتهي الأمر ﴿..وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾!.. هذهِ الحضارة عندئذ تقع على وجهها كالخيمة التي نُزعَ منها العمود، فالطائرة التي تطير، والصاروخ الذي ينطلق؛ كُلها بهذهِ الأجهزة التي اخترعها بني آدم، فرَبُ العالمين هو الذي سَلطهم على هذهِ الخاصية، إذ يكفي أن يوقف الذَرة عن العَمَل فتصبح غَير منفجرة!..

-﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾..
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: إن هذه العبارة متكررة كثيراً في القرآن الكريم، فهذه البركات هي لمن آمنَ وعَمِلَ جميع الصالحات!.. فالجَمع المحلى بـ(أل) في اللغة العربية يُفيدُ العموم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ جمع محلى بـ(أل)، فالذي يُريد أن يتمتع بمزايا الولاية الإلهيّة، عليه:

أولاً: أن يؤمن الإيمان العقائدي.
ثانياً: أن يعمل الصالحات، بكل وسعه وطاقته لا يتركُ صالحاً من الصالحات إلا ويقوم به، فمن يترك صالحاً واحداً هذا إنسان بُنيانهُ ناقص، فهو كمن بنى قصراً ولكن بلا نافذة، أو أن هناك نافذة ولكن بلا زُجاجَ!.. فهذا البيت لا يُسكن، لأنه خلال لحظات يمتلأ بالغُبار، ولا يقي حَراً ولا برداً، فالزُجاج له قيمة في هذا القصر الكَبير؛ لأنه لولا الزُجاج لا يمكن لهذا المكان أن يُسكن!.. أيضاً المؤمن الذي يريد أن يبني قصراً باطنياً لابُدَ أن يجمع كُلَّ العناصر، فمن يستهين بقيام الليل -مثلاً- الذي هو عُنصر أساسي في تركيب الباطن؛ لا يَصلُ إلى المقام المُميز!.. إنَّ القرآن الكريم يذكر الإيمان والعَمل الصالح كقاعدة أساسية لنزول البركات التي بشرنا رَبُ العالمين ببركتين منها في هذهِ السورة؛ ألا وهما: تكفير السيئة، وإصلاح البال!..

﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: يُقال: بأنَّ السيئة الباطنية هي منبت الفساد الخارجي، فمن يقطع الشجرة ظاهراً ويترك الجذور حَيّة، ربما لا يرى شيئاً في فصل الربيع هذا، ولكن في الربيع الثاني وإذا بهذا النبات يبرز إلى الوجود: إن كانَ شَوكاً ينبت شوكاً، وإن كانت زَهرةً تنبت زهرة!.. وعليه، فإن هناك فرقاً بين القطع والقلع:

1. القطع: إن من يقطع الساق ويترك الجَذر في الأرض؛ فإن تلك الساق تظهر في الوقت المُلائم!.. والملكات الخبيثة والملكات الصالحة كهذهِ الجذور: فالإنسان الشهوي الذي يعبد الهوى، والذي لا يُمارسُ رَذيلةً في الوطن؛ لأنه يخافُ من: المُراقبة الخارجية، والبيئة الاجتماعية، والمنبت الأُسري، والقانون؛ فإنه عندما يذهب إلى بلاد الغَربِ أو الشَرق، في أول سَفَر له خارج الوطن، وإن كان مسافراً للدراسة، وإذا به وقَبلَ أن يدخل الجامعة يبحث عن دُور الفساد!.. هذا الإنسان جذرهُ الشهوي لم يمت، ولكنه لم يرتكب الباطل خَوفاً من الناسِ والقانون.

2. القلع: إن رَب العالمين ينقي الجذور الباطنية لبعض المؤمنين: فمن يغض بصره ولا ينظر للحرام؛ هذا إنسان يقوم بجهد، ولكن بَعدَ فترة من الاستقامة في طريق الهُدى؛ رَبُ العالمين يُكفر عنه السيئة.. هناك شاب مؤمن تعرض لمكيدة خبيثة من امرأة فكما يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، و﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، امرأةٌ من جُند الشيطان، أغلقت عَلى نفسها الباب، وتعرت من ثيابِها، ثُمَّ فُتحَ له الباب؛ ولكنه لم يتأثر بهذا المنظر أبداً، وإنّما طردها شَرَّ طردة، وشعر بحالة من الاشمئزاز والتقذُّر، وكأن هناك حيوانا أمامه، وبلا أي مُجاهدة!.. هذا الإنسان تنطبق عليه هذه الآية الكريمة: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾؛ فجذور الشهوة المحرمة اقتلعت من وجوده؛ لذا لا يمكن أن يُغرى بهذا المنظر!ّ.. بينما المؤمن الذي يكون على حافة الهاويّة: يُقدمُ رِجلاً، ويؤخر أخرى؛ فإن هذا الإنسان قَد ينجح، وقَد يفشَل.

﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾: يا لَهُ من تعبير!.. هذا التعبير يبدو أنَّهُ خاصٌ بهذهِ السورة المُباركة، فقد ورد مرتين، هُنا ﴿كَفَّر عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾، وبَعدَ آيات يقول: ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾؛ كأنّ الله عَزَّ وجل يُريدُ أن يقول: إصلاحُ البَال في الدُنيا والآخرة، المؤمن بالهُ صالح في الجَنّة، وفي الدُنيا أيضاً يعيشُ مشاعرَ أهل الجَنّة!.. في الجَنّة: لا خَوف، ولا حُزن، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾، المؤمن في الجَنّة مشغولٌ بالأُنسِ باللهِ عَزَّ وجل ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ وفي الدُنيا كذلك: لا خَوف، ولا حُزن، ولا قَلَق، ولا اضطراب، ولا غِل، ولا حَسَد، ولا حِقد؛ إنما أنس باللهِ عز وجل.

فإذن، إن الدُنيا شَبيهةٌ بالجَنّة للمؤمن!.. فمن أصلحَ بَال أهل الجَنّة أصلحَ بالَ المؤمنين وهُم في دار الدُنيا: هل هناك مؤمن ينهار عصبياً، أو يعيش القَلقَ والاضطراب، أو يُراجع العيادات النفسية؟.. فالفقير الذي يرى المال مُقدمة لصلاح البال، والأعزب الذي يرى صلاحَ بالهِ في الزواج، والمتزوج الذي يرى صلاحَ بالهِ في الذُريّة، و..الخ؛ هذا كُلهُ سَرابٌ ووهم!.. لأن صلاح البال لا يوجد عِندَ غَيرِ رَب العالمين ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾!.. فما يريده الإنسان من صلاح البَال، لا يراه في أحضان الزوجة، ولا في المالِ الوفير، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ هذا هو الطريق الوحيد!..

-﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾..
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾: إن تنصروا الله في المَيدانين: ميدانُ الجِهادِ مَعَ الأعداء، وميدان الجِهادِ مَعَ النَفس!.. الحُسينُ (عليهِ السلام) نَصرَ اللهُ عَز وجل هو ومن معه؛ لذا انظر ماذا يجري في كُلِّ عاشوراء، وفي كل أربعين على وجه الأرض في صفوف المؤمنين!.. إن الأرض تعجّ إلى الله عز وجل في هذه المواسم؛ أليستَ هذهِ نُصرة؟.. الذي جَلَبَ القلوبَ إلى الحَج ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، يتصرف في قلوب المؤمنين أيام عاشوراء، فأفسق الناس ممن في قلبهِ محبة لسيد الشهداء يتغير حاله.

﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾: تثبيت الأقدام في مواجهة الأعداء، فالقرآن الكريم ذَكرَ موارد عديدة من نُصرتهِ لعبادهِ الصالحين، وأكبرَ صورة من صور التأييد للمؤمنين في عالم مواجهة الأعداء هي معركةُ بَدر، فمعركة بَدر كانت معركة فاصلة، هي أول معركة في الإسلام، ويُنسب إلى النبي (صلی الله عليه) أنّهُ عندما رأى جيشَ الكُفار قالَ كلمة مُعبرة، ألا وهي: (يا رب!.. إن تَهلك هذه العصابة لا تُعبد) ورد في الرواية أنه (برز حمزة لعتبة، وبرز عبيدة لشيبة، وبرز علّي للوليد، فقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة، وقتل علّي الوليد، وضرب شيبة رِجلَ عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلّي، وحمل عبيدةَ حمزةُ وعلّيٌ حتى أتيا به رسول الله (صلی الله عليه) فاستعبر، فقال: يا رسول الله ألستُ شهيدا؟!.. قال: بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي، وقال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا ولا تبطروا كما بطر ابنا ربيعة، عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزراً، وعليكم بقريش فخذوهم أخذاً حتى ندخلهم مكة، فنعّرفهم ضلالتهم التي هم عليها. وجاء إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال لهم: أنا جارٌ لكم، ادفعوا إليّ رايتكم، فدفعوا إليهم راية الميسرة وكانت الراية مع بني عبد الدار، فنظر إليه رسول الله (صلی الله عليه) فقال لأصحابه: غضّوا أبصاركم، وعضّوا على النواجد، ورفع يده فقال: يا رب!.. إن تَهلك هذه العصابة لا تُعبد، ثم أصابه الغشي فسُري عنه، وهو يسلت (أي يمسح) العرق عن وجهه فقال: هذا جبرائيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين).. ولكن كيف أمدهم رب العالمين بالنصر؟..

1. ثباتٌ في القلب.
2. رُعبٌ في قلوب الأعداء.
3. نزول الملائكة المسومة.

ورد في البحار: (أنّ رسول الله (صلی الله عليه) انتهى إلى رجل قد فوّق سهماً ليرمي بعض المشركين، فوضع (صلی الله عليه) يده فوق السهم وقال: ارمه، فرمى ذلك المشرك به فهرب المشرك من السهم، وجعل يروغ من السهم يمنةً ويسرةً، والسهم يتبعه حيثما راغ حتى سقط السهم في رأسه، فسقط المشرك ميتاً، فأنزل الله ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾)، هذا تأييدُ رَب العالمين لعباده المؤمنين!.. فالناصر هو الناصر، والملائكة المُسددة هِيَّ الملائكة المُسددة، لذا لا خَوف على المؤمنين ولا هُم يحزنون ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.. إن الملائكة الراميّة في معركة بَدر سَلحت المؤمنين بأرقى سِلاحٍ على وجه الأرض، فهذه الأيام الحَرب هي حَرب الصواريخ، والصواريخ توجه من بُعد، فالتحكم بالصاروخ ذهاباً وانطلاقاً وإصابةً للهَدَف يُمثل قِمة التكنولوجيا في عالم الصواريخ، وفي معركةِ بَدر رَبُ العالمين أمدَ المُسلمين بهذهِ الصواريخ الموجهة، فكان المُسلم يرمي الرَمية، وإذا بالسَهم الذي عادة يمشي باستقامة، الملائكة تديره يميناً وشِمالاً إلى أن يقع في قلب العَدو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى