خطب الجمع

سورة الحجرات سورة الآداب

آداب التعامل..
إن هذه السورة من السور التي ينبغي للمؤمن أن يتدارسها، ليس فقط تلاوة ومُراجعة للتفاسير؛ لأنها مليئة بالآداب، والتي منها: آداب تعامل المؤمن مع المؤمن، وآدب تعامل المؤمنينَ معَ النَبي (صلی الله عليه)، وفيها آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وآيةُ ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وآية الغِيبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾؛ كُل هذهِ الآداب في سورة “الحُجرات”!..

قاعدة المقتضي والمانع..
إن المُقتضي في الإحراق هي النار، والمانع هيَّ الرطوبة التي في الخَشَبة، فإذا وُضع غُصن طَري في النار، فإن هذا الغُصن لا يحترق، إلا بعد جفاف الماء الذي فيه.. وهذا يفسر الحالة التي نحن عليها، حيث إننا في حياتنا اليومية من المُمكن أن نُوجد المُقتضي، ولكن لا نَرفَعُ المانع، لذا لا تتمُ عَملية الاحتراق: فالصوم مُقتضي، والصلوات اليومية مُقتضية؛ ولكن هنالكَ موانع!.. من هنا المؤمن يُفكر في العالَمين معاً: يُوجِد المُقتضي، ويرفَعُ المانع؛ أي يُزيل الرطوبة من الخَشَب، ثُمَّ يُلقيها في النار لتحترق.. هُنالك بعض الأمور هِيَّ بمثابة المانع من إتمام العملية التكاملية، والموانعُ كثيرة، ألا نقرأ في الدعاء: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّرُ النِّعَمَ، اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ، اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ)؛ فالذنوبُ كثيرة، ولكن الآية التالية من سورة “الحجرات” فيها ثلاثَة موانع ألا وهي: الظن، والتجسس، والغيبة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾..

-﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: عندما يقرأ الإنسان القرآن الكريم، أو يسمع هذه الآية من المناسب أن يقول ولو في قلبه: لبيك اللهم لبيك!.. يا رَب ماذا تُريدُ مني؟.. فالزوجة المثالية هي التي بمجرد أن يناديها الزَوج تهرول نَحوه؛ أليس الأولى بالمؤمنين عندما يسمعون آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أن يُصغوا بمسامعِ قلوبهم ويقولوا: يا رَب ماذا تُريدُ منا؟.. عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الحسن بن علي حج خمسا وعشرين حجة ماشيا، وقاسم الله تعالى ماله مرتين. وكان (عليه السلام) إذا قرأ القرآن ومر بآية فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال (عليه السلام): “لبيك اللهم لبيك”)!..

موانع التكامل..
أولاً: الظن..
-﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾: لم تقل الآية: اجتنبوا جَميعَ الظَنون؛ لأن بعض الظنون جيدة، فمن يظن بأخيهِ خَيراً هذا ظَنٌ؛ ولكنهُ ظَنٌ حَسَن، فـ:
1. مَن يحضر جماعة المُسلمين يُظن بهِ خَيراً، يقولون: لولا أن هذا الإنسان قَريبٌ مِنَ اللهِ عَزَ وجل، لما وِفقَ للصلوات الخَمس في المسجدِ؛ فهذه علامة من علامات الإيمان، ولهذا يجب على الرجل الذي يريد تزويج ابنته من شاب، أن ينظر: هل هذا الشاب من الذينَ يواظبونَ على صلاة الجماعة أم لا؟..
2. الإنسان الذي يوفق في كُلِّ عام لحَجِ بيت الله الحرام، الناس تظن به خيراً.

فإذن، إن الظَن إذا كانَ حَسَناً فهو أمرٌ جيد بَل مطلوب، ورد في الحديث الشريف: (احمل فعل أخيك على سبعين محملاً)!.. فمثلاً:

1. لو أنَّ أحدنا شَمَّ من فَمِ أخيهِ رائحةَ المُسكر، غاية ما يُمكن أن يقول في قلبه: فُلان أدخَلَ المُسكر في فضاء الفَم؛ لأنه ليس متأكداً من بلعه للمُسكر أو شربه، فلعله تمضمض فيه مَثلاً، باعتباره مادة كحولية معقمة.
2. لو رأى أخاه المؤمن في بلادٍ بعيدة مع امرأة أجنبية، لا يحكم بأنَّ هذهِ المرأة لا تَحلُ له؛ لأن المؤمن إذا أرادَ أن تكون لَهُ علاقة بالحلال مع امرأة، فإن ذلك يتم من خلال كلمتين، وذلك لأن الشريعة المُطهَرَة يسيرة: فكلمتان تُحلل وكلمتان تُحرِم، وقد جعلت الوصل يسيراً، فالأمر لا يحتاج إلى شهود، بخلاف الطلاق الذي يحتاجُ إلى شاهدين.

-﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾: يكونُ الظَنُ إثماً عندما يبني الإنسان موقفه على هذا الظَن، فالظنون والشكوك والهواجس قَد لا تكونُ باختياره، فهو عندما يرى مؤمناً على الحرام، يقطع بأنه ارتكبَ الحرام؛ ولكن إن رآه على هيئةٍ غَيرِ حَسَنة، كأن يراه -مثلاً- يألَفُ شِلة جَماعة الفساد، ويُكثر من الذِهاب إلى الأماكن المشبوهة، فإن الظَن يأتي قَهراً لا يمكن دفعه، فقد ورد في الحديث الشريف: (رَحِمَ اللهُ امرأً جَبَّ الغِيبة عن نفسه)!.. ولكن المشكلة في ترتيب الآثار!.. لذا المؤمن يُراقبُ هواجسهُ فَضلا عن الحركات الخارجية، إذ لا ينبغي له أن يحكم على مؤمن بالفسوق لمجرد أنّهُ مشى مع فاسقٍ مثلاً!..

فإذن، إن الظَن يأتي قَهراً، ولكن المطلوبُ هو عدم ترتيب الآثار عليه؛ أي: لا يجوزُ احتقار إنسان واعتباره منحرفاً؛ لأنّهُ مشى مَعَ المُنحرفين.. فترتيبُ الآثار على الظَن هو المنهيُ عنهُ شَرعاً، وإلا الهواجس الباطنية عادةً تصعبُ السيطرة عليها.

ثانياً: التجسس..
-﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾: إحدى السيئات تَجرُ السيئة الأخرى: فمن يظن بأخيه سوءاً، يتجسس عليه، ويبحثُ عَن أخباره، ويتتبعُ عيوبه وعما يعمله في الخلوات؛ بينما الشارع المقدس نهى عن هذا الأمر؛ فما له والتجسس على عيوب الغَير؟.. فرَبُ العالمين لو أرادَ أن يكشفَ أسراره لكشفها، روي عن رسول الله (صلی الله عليه) أنه قال: (لو تكاشفتم؛ لما تدافنتم)، أي لو عَلِمَ الناس ما عليهِ المَيت لعلهُ تُرِكَ من دُونِ دَفن.. إن هُناكَ نقطة في كلمتي “تجسس وتحسس”، هي التي تفرق بين الحلالَ والحرام، فيعقوب النَبي (عليه السلام) يقول: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ بمعنى: أطلبوا خَبره؛ أي: خَبرَ الخَير!.. فمن يبحث عَن أخبار الخَير هذا “تحسس”، والذي يبحث عَن أخبار الشَر هذا “تجسس”.

فإذن، إن المؤمن في غنى عَن التجسس، ولو شَكَ في زوجته، أو في ولده، أو في ابنته، لا ينبغي له اللجوء إلى التجسس لمنعهم من ارتكاب الرذيلة، إنما هُناكَ إجراءات وقائية يمكنه اتباعها، منها على سبيل المثال:

1. منعهم من الذهاب إلى أماكن الفساد.
2. تقديم النصيحة الشفيقة.
3. الصداقة.

علماً أنه قَلما يوجد علاقة صداقة بين الوالد والولد، إنما علاقة الحاكم والمحكوم، وعلاقة المُنفِق والمُنفَق عليه، لدرجة أن بعض الآباء هم عبارة عن صراف آلي بالنسبة إلى أبنائهم؛ لأنهم مقصرون في تربيتهم فيُغدِقون عليهم العطاء، ليعوضوا عن تقصيرهم.. ولكن هذا التعويض ليسَ لصالح الأبناء؛ لأنَّ المال في بعض الحالات مدعاة للفساد والإفساد.

فإذن، مَن أرادَ أن يمنع الفَساد؛ عليه بالإجراء الوقائي بَدَلاً من التجسس.

ثالثاً: الغيبة..
-﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوه﴾: إن سوء الظَن بالآخرين يَجرُ الإنسان إلى التجسس عليهم، وبعد الاطلاع على عيوبهم، يأخذ بذكرها أمام الغير.. وعليه، فإن السيئة تَجرُ سيئة أخرى: فسوءُ الظَن يجرُ إلى التجسس، والتجسس يجرُ إلى الغِيبة، وما أدراكَ ما الغِيبة؟!..

1. إن قُبح الغيبة ليس بالمستوى المطلوب، فنحن عند لفظ كلمة “الزنا”، نقول: أجارنا الله وإياكم!.. وعندما تَمر امرأة معروفة باحترافها للفحشاء، ننظر إليها وكأنّها من كوكب آخر، أو إنسانة غَير طبيعية!.. وإن ارتكب المؤمن هذهَ الفاحشة وعُلم خَبَرَه؛ فإنه لا يجرؤ على حضور المسجد!.. فشُرب الخَمر والزِنا هذهِ المُحرمات الأخلاقية في نظرنا كبيرة، ولهذا البعض لا يُصرح باسمِ هذهِ المعاصي، بل يقول: فُلان مُنحرف أخلاقيّاً، كي لا يُصرح بالحرام الذي يرتكبه؛ لقُبح الحرام!.. ولكن المؤمن قد يغتابُ من الصباحِ إلى الليل دون تورع، وقَد يغتاب في بيتٍ من بيوت اللهِ عَزَ وجل، ولا أحد ينكَر عليه ذلك.

2. إن قُبح الغِيبة سَقطَ من الأعين؛ لأنّ الإنسان في مقام العمل لم يعمل شيئاً، فهو: لم يأخذ مال الغَير، ولم يرتكب الفحشاء، إنما هو مُجرد كلام؛ ولكن هذا الكلام القرآن الكريم يجعلهُ شبيهاً بأكلِ لَحم المَيت!.. وشُبه بلحم الميت؛ لأنّهُ غائب، والغائب في حُكم المَيت الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه ولو تعرض إلى أقذع أنواع الشتائم؛ لأنه إنسان عاجز.. ولهذا أحدنا عندما يغتابه؛ يأكلهُ مَيتاً.

سيئات الغِيبة..
أولاً: اغتيال الشخصية.. إن الإنسان المُغتاب قَد تُغتال شخصيته، فالذي لَهُ ذَنبٌ في السِر، عندما يُهتك هذا الذَنب:

1. يسقط اجتماعياً.
2. قد يؤدي إلى انفصال الزوجة.
3. يؤدي ذلك إلى عقوق الأولاد، والعِقوق ليس بالأمر الهَين!..
4. فإنه يمتنع عن الذهاب إلى المساجد، وقد يؤدي ذلك الانحراف!..
5. يؤدي ذلك إلى سفك الدماء في بعض الحالات كما يقع في العشائر، فالزوجة التي ترتكب الفحشاء سِراً -زنا المحصنة لَهُ عقوبة مُغلظة- إن علم الزوج بذلك، قد يقوم بقتل زوجته من دون مُراجعة الحاكم الشرعي.

فإذن، إن هذا اللسان الذي حركه، كان سبباً في: القتل، والعقوق، والانفصال، والسقوط من الأعين.

ثانياً: الغيبة أشد من الزنا.. علينا أن نعلم قُبحَ الغِيبة من خلال هذهِ الآية الكريمة، عن الرسول الأكرم (صلی الله عليه): (إياكم والغيبة!.. فإنها أشد من الزنا؛ لأن الرجل يزني فيتوب، فيتوب الله عليه.. وإن صاحب الغيبة لا يغفر له؛ إلا إذا غفرها صاحبها)!.. لأن الزِنا عبارة عَن عمليّة توافقية بينَ إنسان مُنحرِف وامرأة مُنحرفة؛ أي ليس هناك تعدٍّ على حقّ الغير، والتوبة من الزِنا عبارة عن الندامة؛ أي يعاهد كل منهما ربه على عدم الرجوع إلى هذا الحرام، المرأة تتوبُ في بيتها، والرجل يتوبُ في بيته؛ وينتهي الأمر!.. أما الغيبة فليست هكذا: أي لا يكفي الاستغفار والندم؛ لأن هناك طرفا آخر، هذا الطرف تم هتكه وإسقاطه اجتماعياً؛ لذا لابدّ من الاستحلال منه، يقول الفقهاء: إذا كانَ الاستحلال يؤدي إلى مفسَدَة، فعليه:

1. بالاستغفار لنفسه وللمُغتاب.
2. التصدق عنه.
3. إن ذَهب إلى المشاهد المُشرفة، فليجعل ركعتين نيابة عنه.
4. إن ذَهب إلى الحَج، يقوم بسبعة أشواط نيابة عنه.

وعندما يأتي يَوم القيامة يقول: يا رَب!.. أنا في دار الدُنيا عملتُ ما عملتُ من الخَير نيابة عنه، يا رَب أرضهِ عَني بهذهِ الأمور!..

أنواع الغيبة..
إن هناك نوعين من الغيبة:

أولاً: غيبة الحاقد.. تارة إنسان عندَهُ عداوة مع إنسان آخر، فيغتابه؛ هذهِ الغيبة ليست أمراً عاديا، ولكن هذه الطبيعة البشرية.

ثانياً: غيبة الجاهل.. إن مشكلة المؤمنين أنهم يغتابون غيبة الجاهل؛ أي يغتابون إنساناً ليس بينهم وبينه أي عداوة، بل لا يعنيهم أمره، وقد يكون موظفاً أو جاراً بعيداً لا علاقة لهم به، إنما يغتابونه لمجرد وجود عيب فيه!.. ولكن هذا ليس بمسوغ؛ لأنه لو كانَ هذا العَيب غَيرَ موجود بهِ؛ لكان من البهتان، والأمرُ أعظم!.. وعليه، فإن الصادق هو إنسان مُغتاب، والكاذب هو من أهل البُهتان!..

تعريف الغيبة..
إن الغِيبة عَيبٌ موجود في الإنسان، ولكنَ صاحبهُ مُستترٌ به.. فمثلاً: المرأة السافرة المتهتكة لا غِيبة لها فيما تظاهرت به فقط؛ لأنه تبيان لعيب جلي تتظاهر به!.. ولكن هُناكَ بحثاً فقهياً يقول: لو قُلتَ هذا الكلام من جِهة الزوجة ما ارتكبتَ الغِيبة؛ لأنّها سافرة تمشي هكذا في الأسواق.. ولكن هُناكَ شُبهة أخرى، وهي مسألة هَتك الزَوج، هذا الزَوج الذي تورطَ بامرأةٍ سافرة لا تنتهي رغم نهيه لها؛ هذا الإنسان لَهُ حُرمة؛ لذا ينبغي الالتفات إلى ذلك!.. يقول الإمام الصادقِ (عليهِ السلام): (الْغِيبَةُ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ الظَّاهِرُ فِيهِ مِثْلُ الْحِدَّةِ وَالْعَجَلَةِ فَلَا، وَالْبُهْتَانُ أَنْ تَقُولَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ)..

-(الْغِيبَةُ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ): إن رَب العالمين ستارُ العيوب، هو سَتَرَ هذا العَيب؛ فلماذا يكشفه الإنسان؟!.. لو أنَّ الله عز وجل كانَ بناؤهُ أن الذي يرتكب الحرام يُكتب ذلك على جبينه، فيصبح الجبين كالشاشة، وكُلُ عَملٍ يعمله الإنسان في السِر يظهر على هذه الشاشة؛ لما بقيَ أحد من دُون كتابة، الكُلُ يُفتضح!.. فبما أن رَب العالمين سَتَرَ عليك، أنتَ أيضاً استر على العِباد!.. يُقال: أن أحدُهم مَرَّ على إنسان وقَد وضَعَ زُجاجة المُسكر على رَفٍ وغَطاهُ بكتاب لئلا يراها أحد، ولكن هذا الضيف أراد أن يفضحه فقال له: يا فُلان، ما اسم هذا الكتاب، أريد أن أراه؟.. فقال: هذا الكتاب اسمهُ ستارُ العيوب!.. أي هذا الكِتاب سَتَرَ العَيب؛ أنتَ أيضاً استر العَيب؛ ما لَكَ وهذا الكتاب!.. المؤمن لَهُ مثل هذا الكتاب دائماً يستر فيه العَيب، ولكن مع محاولة إصلاح ذلك المنكر الذي يراه على أخيهِ.

-(وَأَمَّا الْأَمْرُ الظَّاهِرُ فِيهِ مِثْلُ الْحِدَّةِ وَالْعَجَلَةِ فَلَا): بعض الناس مفضوحٌ بغضبه، يغضبُ أمامَ الجميع: أمام الزوجة، والأهلِ، والصديق، هذا الإنسان الذي فيهِ حِدة ظاهرة لا غيبة له.

-(وَالْبُهْتَانُ أَنْ تَقُولَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ): إن كنتَ صادقاً وقعتَ في الغيبة، وإن كُنتَ كاذباً وقعتَ في البُهتان!..

جزاء الغيبة..
إن الشيطان يبحثُ عَن الساقطين، فهو كالذُباب لا يَقَعُ إلا على القاذورات، وزبائنه هم أهل المُنكر!.. ولكن هذهِ الرواية الصادقيّة تؤكد أن الشيطان يزهَدُ في بعض المنحرفين، فهو يجمعُ القاذورات، ولكن عندما يصل إلى قاذورة مُنتنة جِداً فإنه لا يتحملها؛ فمن هم أولئك الذين يزهد الشيطان بهم؟..

عن الإمام الصادق (عليه السلام): (من روى على مؤمن رواية، يريد بها شينه، وهدم مروته ليسقط من أعين الناس؛ أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان)..

-(من روى على مؤمن رواية، يريد بها شينه، وهدم مروته ليسقط من أعين الناس): مع الأسف هذا الحرام لَهُ سوق في موسم، مثلما الربيع هو موسم الزهور، هُناك موسم للقاذورات، ألا وهي أيام الانتخابات: فالمُرَشَح قَد يكون مؤمناً مُتقياً، ولكن المُشكلة في الذينَ يلتفون حوله، أولئك يَذهبون هُنا وهُناك، وينشرون تحاليل سياسية غير واقعية؛ ليُسقطوا المُرشَح المنافس من أعين الناس؛ هؤلاء يبيعون دينهم بدُنيا غيرهم!..

-(أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان): هذا مطرودٌ من ولاية اللهِ عَزَّ وجل إلى ولاية الشيطان؛ ولكن ليس هذا فقط، الأمر لا ينتهي هنا.

-(فلا يقبلهُ الشيطان): حتى الشيطان على هذهِ الرواية، يزهَدُ فيه لسوءِ ما هو عليه.

الغيبة الخفية..
كما أن هناك الشرك الخَفي، أيضاً هناك الغيبة الخَفيّة، بعضُ الناس يُريد أن يلبس ثَوبَ التقوى؛ ولكنهُ يُخطئ التقدير!.. فإن سُئل عن رأيه في إنسان، فلأنه يخاف من الغيبة ويُريدُ أن يتقي، لا يقول عنه شيئاً؛ ولكنه يسقط في الغيبة الخَفيّة، من خلال لفظ بعض التعابير، مثل:

1. لا تتكلم عَن فُلان، هذا أتركهُ!.. معنى كلامه: أن هذا الإنسان سَيء.
2. ماذا أقولُ عَنه؟.. ماذا أقولُ عَنه؟.. هذهِ غيبة.
3. الحَمد لله الذي لم يجعل ولدي مثل ولد فُلان!.. هو بذلك وقع في الغيبة.
4. الحمدُ لله الذي ما ورطني كما ورطَ فُلان!.. هذهِ غيبة.

هو بعنوان: “الحَمد لله”، و”سبحان الله”، و”الشُكرُ لله”؛ يقع في الغيبة من حيث لا يدري.. ومن الأمثلة على الغيبة الخفية: أولئك الذين يتناولون كبار الشخصيات السياسية في المقالات تحت عنوان: التحليل.. فبعض كتاب الصُحف يدخلون جهنمَ من أوسع الأبواب؛ لأنهم يغتابون على الفضائيات وفي الصحف، فالإنسان تارة يغتاب شخصاً في غُرفة مُغلَقة فيها شخصان، أما أولئك فإنهم يهتكون المُغتاب أمام الملايين؛ فكيف سيتخلصون من تبعة العِباد يَومَ القيامة؛ هؤلاء ألا يشترون نارَ جَهنَم بالمَجان!.. لذا، ينبغي للمؤمن مراجعة هذا الكتاب القيم لـ”الشهيد الثاني” الذي بعنوان: “كشف الريبة عن أحكام الغِيبة “؛ لأن الغيبة فاكهة المجالس هذه الأيام!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى