خطب الجمع

الغرائز والشهوات الإنسانية

منافذ الشيطان..
إن الحديث عن الشهوات هو حديث هام، وكما يعبر عنه هذه الأيام بالحديث المفتاحي أو الإستراتيجي، وهو مورد ابتلاء لنا جميعا!.. ففي كتب الأخلاق الرئيسية هناك ذكر لثلاثة منافذ، يمكن أن يستولي الشيطان من خلالها على مملكة البدن، ألا وهي: الغضب، والشهوة، والوهم!.. فمن يريد مملكة إلهية سليمة، لابد له من تجنيد حرس على هذه الحدود، كما هو الحال بالنسبة إلى الدول: فكل دولة لها حدودها البحرية، والجوية، والبرية؛ هذه الحدود الثلاثة، إنْ لم يتم السيطرة عليها؛ فإن المتسللين يدخلون إليها بكل سهولة!..

تيسر الشهوات..
لم تمر على البشرية منذ أن خلق الله عز وجل آدم إلى يومنا هذا، فترة كهذه الفترة من هجوم الشهوات، ومن تيسرها: فارتكاب الفحشاء فيما مضى لم يكن بالأمر السهل!.. أما هذه الأيام، ومع هذه الشبكات العنكبوتية التي تصطاد الفرائس، وهذه الاتصالات العصرية؛ فإن الإنسان باتصال هاتفي من الممكن أن يصل إلى بغيته!.. من هنا كثر الفساد في هذا العصر بطريقة لا نظير لها، فالفساد العالمي هذه الأيام لا يُقاس بالفساد الذي كان قبل خمسين أو مئة سنة؛ فكيف بعد خمسين سنة؟!.. ساعد الله تعالى الجيل القادم، لما تخبئه لهم هذه الأجهزة مستقبلاً!.. فالقضية ليست بريئة: فالشهوات، وتيسرها، ومظاهرها المنتشرة خلال الفضائيات، والمواقع، والصحافة، والمطبوعات؛ وراءها جهات إستكبارية عليا، تديرها في أماكن مغلقة ومظلمة؛ هؤلاء يريدون إفساد بني آدم، لأن الإنسان عندما يشتغل بشهوة بطنه وفرجه، تصبح أمور المسلمين والأمة آخر همه، ولا يلتفت إلى كل ما يقوم به العدو؛ فالمهم بالنسبة له هو بطنه وفرجه؛ هذه هي سياسة الأعداء!.. ولهذا نرى أن الشاب كلما زاد انحرافا وفساداً؛ كلما قلّ اهتمامه بأمور العامة، وهذا الذي يراد من خلال هذا المخصص!.. فكلما رأينا مظهرا من مظاهر الفساد، وبحثنا عن الخلفيات؛ فإن الأصابع تشير إلى جهات معروفة!..

عالم الشهوات في دائرة الوجود..
إن قضية الشهوة والاشتهاء؛ من أعجب ما خلق الله عز وجل!.. فالشاب الذي ينظر إلى منظر فاتن شهوي، تنطبع تلك الصورة في الشبكية، ثم تنتقل على شكل ذبذبات عصبية خلال العصب إلى المخ، والمخ يحلل بأن هذه صورة شهوية، وإذا بالغدد داخل الدماغ تفرز في الدم الهرمونات الجنسية المثيرة، هذه الهرمونات تنتشر في: البدن، والعضلات، وفي الأماكن المخصصة؛ فيصبح الإنسان كالفرس الهائج، ويفقد السيطرة على نفسه!.. أنظروا إلى هذه الدائرة: نظرة، شبكية، عصب، مخ، غدد؛ أي أنها تجري في الدم كما يجري الشيطان في بني آدم مجرى الدم في العروق، فمن أدوات الشيطان في الدم هذه الهرمونات التي تفرز!.. فالإنسان الذي يشتكي من شهوة غير عادية، بسبب خلل في عمل الغدد؛ يكون هو المُقصّر؛ فهذه الغدد رب العالمين خلقها لتفرز إفرازا طبيعيا، ولكن عندما يدمن الإنسان على النظر الحرام سواء في التلفاز وغيره؛ فإن وظائف غدده تختل، وإذا به يحوّل كل شيء في العالم إلى شهوة، إلى درجة أنه لو نظر إلى اللون الأحمر -مثلاً- ولو كان لونا لسيارة، وإذا بهذه الشهوة تثار!.. ولكن هذه الشهوة لها دور إيجابي؛ فلولاها لما انعقدت الأسرة؛ لأنه ليس هناك إنسان يرغب في الزواج والارتباط لمدة ستين سنة بما فيها من مواجهة للمشاكل، إن لم تكن له هذه الشهوة!.. فإذن، هذه الشهوة من روابط الأسرة، فرب العالمين يعلم كيف يخلق الإنسان!..

السيطرة على الشهوات..
إن السيطرة على الغضب تحتاج إلى إرادة، والسيطرة على الوهم تحتاج إلى قوة كبرى، يقال: أن آخر مراتب التكامل؛ السيطرة على الوهم؛ لأن الإنسان من الممكن أن لا يغضب، ولكن أن لا يفكر في الأمر السيئ؛ هذا من أصعب الأمور!.. فإذن، إن السيطرة على الخيال هي آخر مراحل الكمال، والسيطرة على الغضب في مرحلة وسطية، أما السيطرة على الشهوات فهي أسهل من السيطرة على الغضب والوهم؛ لأن الشهوات منفذها بعبارة واضحة وجلية “العين”، فرب العالمين جعل العين، وجعل فيها أقوى الأدوات تحكما!.. فعدم سماع الشيء هذا أمر غير ممكن؛ لأن الطبلة تهتز سواء أراد الإنسان أم لم يرد، وفتحة الأذن مفتوحة من الصباح إلى الليل؛ إلا أن يغلقها الإنسان بأصبعه!.. أما العين فإن رب العالمين جعل لها جفنين، لذا يقول تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾.

خاصية البصر..
إن أمير المؤمنين (عليه السلام) له في كل مجال كلمة الفصل، ومن كلماته في هذا المجال: (العين بريد القلب)، (العيون طلائع القلوب)، (العين رائد الفتن)، (العين جاسوس القلب، وبريد العقل)؛ إنها تعابير مختلفة، ولكن مفادها أمر واحد؛ ألا وهو: أن القلب يتأثر بما تراه العين!.. لذا، فإن منْ يريد قلبا نقيا صافيا؛ عليه أن يتحكم في البصر الذي يتميز بخاصيتين:

أولاً: السيطرة.. لقد جعل رب العين للإنسان سيطرة على جفنيه.

ثانياً: عدم الرؤية.. لقد جعل رب العالمين في البصر خاصية أن يرى الإنسان ولا يرى، فالإنسان الذي يكون مضطرا لمواجهة أنثى وقد تكون مغرية، ولكن من باب الضرورة، عليه:

1. أن لا يحدق في وجهها، وخاصة مع خوف الفتنة.

2. إن أراد أن ينظر إليها؛ فلينظر نظرة بلهاء!.. أي ينظر دون أن يلتفت إلى منْ ينظر، وليشغل نفسه بذكر الله عز وجل، ولا يحدّق في الوجه، بل يحدق فيما حول البدن كالحائط مثلا، ورب العالمين أدرى بالنوايا!.. ولهذا عندما يذهب المؤمن إلى بلاد فيها شيءٌ من التهتك والتفسخ، لا يرى شيئاً ملفتاً!.. فالقضية فوق مستوى التأثر والتفاعل، هنيئاً لم كان بهذه المثابة من العلو الباطني!.. وليس هذا بالأمر المستغرب، فهناك من المؤمنين منْ لم ير امرأة سافرة في عمره ولا مره واحدة، فالإنسان الذي يعيش في بلدان فيها التزام بالحجاب، إن لم يذهب إلى بلاد الغرب، لا يرى امرأة سافرة إلا من خلال الصور.

أمنيات الناس يوم القيامة..
إن بعض الناس لهم أمنيات يوم القيامة: فأمنية الكافرين أن يكونوا ترابا كما جاء على لسانهم في القرآن الكريم: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾؛ لأنهم لو كانوا ترابا لما حوسبوا هذا الحساب العسير!.. ولكن أمنية الكثير من المسلمين بل المؤمنين: أن لو كانوا عمياناً في هذه الدنيا، تقول الرواية: (عمى البصر؛ خير من كثير من النظر)!.. والملفت أن كثيرا من العميان ممن حرمهم الله تعالى من نعمة البصر: صحتهم النفسية، وراحتهم الباطنية؛ تفوق كثيرا راحة المبصرين؛ لأنهم -على الأقل- غير مبتلين بحرام النظر!..

الخطوات العلاجية..
أولاً: رفع مستوى الهمة.. إن الإنسان الذي له ما يشغله، وما يملأ فكره ووجوده؛ هذا الإنسان غير فارغ لأن ينظر فيما لا يجوز النظر إليه، وهذا أمر متعارف في عالم السياسية والسياسيين: فكبار القادة والساسة المشغولين بالأمور الكبرى، ورؤساء الأحزاب؛ هؤلاء بالنسبة لهم فتنة النساء مسألة محلولة، لا من باب القرب إلى الله عز وجل؛ بل لأنهم مشغولون بعالمهم!.. فمن يكن همّه أن يصبح رئيسا للجمهورية -مثلا- هذا الإنسان عندما ينظر إلى منظر مثير، لا يعني له شيئاً؛ لأنه في أفق فكري أعلى!.. أما الشباب البطالون الذين لا عمل لهم؛ فإنهم يتأثرون بذلك، بل ويلهثون وراء مثل هذه المشاهد!.. ولهذا فإن منسوب المعاصي ينزل أيام الامتحانات؛ لأن الشاب وراءه امتحان مصيري في اليوم التالي، أما عندما ينتهي من الامتحانات، ويحصل على الشهادة، ويأتي فصل الصيف بما فيه من فراغ؛ فإنه يُقلّب القنوات الإباحية.

فإذن، إن الانشغال الباطني، يجعل الإنسان يبتعد عن المعاصي!.. فإذا كان الانشغال السياسي يشغل الإنسان عن الحرام؛ فكيف بالانشغال الإلهي؟.. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المتقين: (عظم الخالق في أنفسهم؛ فصغر ما دونه في أعينهم)؛ فالمؤمن له ما يشغله، يقول يوسف الصديق (عليه السلام): ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾، أي أن سجن فرعون أحب إليه من قصر زليخا؛ لأن في السجن خلوته مع رب العالمين!.. وعليه، فإن العلاج الأول، هو أن يشغل الإنسان نفسه بعوالي الأمور!.. وقد روي عن عبد الرحمن بن مسلمة الجريري قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾، فقال: (ألم تر إلى رجل ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر إليه؛ فذلك خائتة الأعين).. وهذا ما ينطبق على إنسان يمشي مع زوجته، ويخاف من عتابها ومن محاسبتها، فعندما تمر أمامه امرأة فاتنة؛ فإنه ينظر وكأنه لا ينظر!..

ثانياً: المجاهدة.. يقول أحد العلماء الكبار: “اسأل الله عز وجل، أن لا يبتليني بفتنة النساء، وبخلوة مع أجنبية”!.. إن بعض النساء -لا كل النساء- فيهن جمال طبيعي لا يغري كثيرا، ولكن بعض أنواع الجمال والوجوه تسحر الإنسان، وقد يكون وجها متعارفا، ولكن الابتسامة التي تعلو ذلك الوجه، تجعل الإنسان يعيش شهراً في ذلك السحر دون أن تفارقه!.. فمن يُبتلى بهكذا بلاء، فليقل: يا رب، أريد أن أعقد صفقة معك، وأنت خير منْ وفى بوعده!.. هذه خلوة مع أجنبية ولو شئتُ لفعلت، ولكن يا رب!.. أريد أن أجاهد نفسي في هذا المقام؛ عسى أن تذيقني حلاوة حبك ومغفرتك!.. يا رب، علي الغض وأنت أكرم الأكرمين، منّ علي بمحبة في باطني لا يزول أثرها أبدا!..

يقول النبي (صلی الله عليه): (ما من مسلم ينظر امرأة أول رمقة، ثم يغض بصره؛ إلا أحدث الله تعالى له عبادة، يجد حلاوتها في قلبه)؛ الذي يغض بصره يجعل حلاوة الإيمان في قلبه، هذه الحلاوة لا تزول؛ فكيف لو استذوق في كل يوم حلاوة!.. بعض المؤمنين يقول: أنا أشكر الله عز وجل على وظيفتي؛ لأنني مبتلى بعمل مختلط، وقد يكون رئيسا لمجموعة من النساء، يقول: أنا في كل يوم أقوم بهذه الرواية: أغض بصري من الصباح إلى الليل، وأرى حلاوة الإيمان في قلبي.. فرق بين إنسان يعمل في وظيفة ثلاثين سنة في مجال مختلط -هذه الأيام قلما يوجد مجال عمل وظيفي لا امرأة فيه: إما عملا، وإما مراجعة- ثم يتقاعد في سن الستين مثلا، وعليه أوزار النظر ثلاثين سنة، رغم أنه فارق أولئك النساء، ولا يعرف لهن مكاناً، ولكن الوزر بقي على ظهره!.. وبين إنسان تقاعد أيضا في الستين أو الخمسين، ولكن في كل يوم كان يستذوق حلاوة الإيمان في قلبه، فإذن كما ورد في الحديث الشريف: (شَتَّانَ بَيْنَ عَمَلَيْنِ: عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤُونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ)!..

إن أحد المؤمنين قبل عشرين سنة، ذهب إلى بلاد الغرب في بعثة دراسية بعد إكمال الثانوية العامة -أي في قمة الشهوة- في الأشهر الأولى ابتلي بفتنة النساء، إحداهن نصبت له فخا: طلبت منه الحضور إلى المنزل كي يتعلم اللغة، عندما ذهب إليها وإذا بها تعمل ما عملته زليخا، ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾!.. يقول: أنه في لحظة من اللحظات، كأنه رأى نفسه بين الجنة والنار، فقام من مكانه مسرعا وهرب من ذلك المنزل، ولكن بمجرد خروجه من الباب، وإذا به يرى الأنوار تهبط على قلبه، وهو إلى اليوم يعيش على بركات ذلك الموقف، ولعله الآن في الخمسين من عمره، ومع ذلك بقي الأثر مستمراً في وجوده، رغم أن القضية لم تكن أكثر من لحظات أو ساعات!.. لذا، على المؤمن أن يكون حذراً، لئلا يسقط من عين الله عز وجل في لحظة من لحظات الاختبار، فرب العالمين قد يختبر الإنسان في العمر مرة أو مرتين!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى