خطب الجمع

في رحاب السيد الزهراء عليها السلام

الارتباط بها..
إن الذي يُريد أن يَعلم مدى تميزهِ في الإيمان، وارتباطه بأئمةِ أهل البيت (عليهم السلام)؛ فلينظر إلى قَلبِهِ، وما يحمِلهُ من الحُب لفاطمة (عليها السلام).. فالبعضُ لَهُ حُبٌّ للزهراء بالمعنى المُتعارف؛ أي لأنها أُم الحَسنين، وزوجة أمير المؤمنين، وبنتِ رسول الله (صلی الله عليه).. ولكن هناك من يهتَز قَلبُه عندما يَصِلُ إلى ذكرِ فاطمة، وعند الاستماع إلى ما جرى عليها منَ المصائبِ بعدَ وفاةِ أبيها، وما يُنقَل من فضائِلِها: حُزناً وشَوقاً في موضعه، وتأثُراً بمواعظها وكلماتِها وخطبها في موضعه.

فإذن، إن حُب الزهراءِ (عليها السلام) من علامات الإيمان، ولكن ليس الحُب المُتعارف؛ بل الحُب العميق!.. ولهذا المؤمن الذي لَهُ ولاءٌ فاطمي، يتمنى أن يُرزَقَ بابنة ليُسميها “فاطمة”، حتى كُلما رآها ونادها باسمها يتذكر تلك السَيدة الجليلة!.. وغنيٌ عن القَول أنَّ من سَمى ابنتَهُ بهذا الاسم، عليهِ أن يراعي ويجلّ ويحترم هذهِ التسمية؛ كرامةً لتلك المرأة التي قيل في حقها: “المجهولة قدراً، والمخفية قبراً”!..

أسماؤها..
إن أسماء الذوات المعصومة لها خصوصية، فالقُرآن الكريم عندما يَصل لنَبي الله يحيى (عليه السلام) يقول: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾؛ أي أن هذهِ التسمية نازلةٌ مِنَ السماء.. فيحيى نَبيٌ من أنبياء اللهِ عَزَ وجل، والذي جَعلَهُ مُميزاً؛ هو ارتباطُه بالسماء، لذا فإن رَب العالمين ينسب هذه التسمية إلى نفسه.. وكذلك الأمر بالنسبة للمعصومين (عليهم السلام)؛ فاسمُ النَبي واسمُ الوصي، هؤلاء اُشتقت أسماؤهم من عالم الغَيب.. وبالتالي، فإن كان للمعصومين هذهِ الفضائل؛ فكيفَ بأمهم؟!.. قال أبو عبدالله (عليه السلام): (لفاطمة (عليها السلام) تسعة أسماء عند الله عزّ وجل: فاطمة، والصدّيقة، والمباركة، والطاهرة، والزكيّة، والراضية، والمرضيّة، والمحدّثة، والزهراء).

1. الزهراء.. هناك عدة روايات في سبب هذه التسمية، ألا وهي:
أ- قيل للصادق (عليه السلام): لم سميت فاطمة الزهراء زهراء؟.. فقال (عليه السلام): (لأن الله عز وجل خلقها من نور عظمته، فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها، وغشيت أبصار الملائكة، وخرّت الملائكة لله ساجدين.. وقالوا: إلهنا وسيدنا!.. ما هذا النور؟.. فأوحى الله إليهم: هذا نور من نوري، وأسكنته في سمائي، خلقته من عظمتي، أخرجه من صلب نبي من أنبيائي، أفضّله على جميع الأنبياء، وأُخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري، يهدون إلى حقي، وأجعلهم خلفائي في أرضي بعد انقضاء وحيي).

وعليه، فإن الزهراء (عليها السلام) ليست هذا البَدن النَحيل العليل، فقد روي “أنها ما زالت بعد أبيها: معصّبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدّة الركن، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة”.. فهذا البَدن بَدنٌ أرضي جرى عليهِ ما جرى، ولكن رُوح فاطمة خُلِقَت من نُورِ عَظمة اللهِ عَزَ وجَل، فلمّا أشرقت بنور العَظمة الإلهية؛ أضاءت السماوات والأرضُ بنورِها!.. فالزهراء نُورُ الكَون؛ لأنَّ هذا النُور مُشتقٌ من نُور العَظمة الإلهية.

ب- قيل لأبي عبد الله: يا ابن رسول الله!.. لم سميت الزهراء “زهراء”؟.. فقال: “لأنها تزهر لأمير المؤمنين في النهار ثلاث مرات بالنور: كان يزهر نور وجهها صلاة الغداة والناس في فراشهم، فيدخل بياض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدينة، فتبيض حيطانهم، فيعجبون من ذلك، فيأتون النبي فيسألونه عما رأوا، فيرسلهم إلى منزل فاطمة (عليها السلام) فيأتون منزلها فيرونها قاعدة في محرابها تصلي والنور يسطع من محرابها من وجهها، فيعلمون أن الذي رأوه كان من نور فاطمة.. فإذا انتصف النهار وترتبت للصلاة، زهر نور وجهها (عليها السلام) بالصفرة فتدخل الصفرة في حجرات الناس، فتصفر ثيابهم وألوانهم، فيأتون النبي فيسألونه عما رأوا، فيرسلهم إلى منزل فاطمة (عليها السلام) فيرونها قائمة في محرابها وقد زهر نور وجهها (عليها السلام) بالصفرة، فيعلمون أن الذي رأوا كان من نور وجهها.. فإذا كان آخر النهار وغربت الشمس، احمر وجه فاطمة، فأشرق وجهها بالحمرة فرحا وشكرا لله عز وجل، فكانت تدخل حمرة وجهها حجرات القوم وتحمر حيطانهم، فيعجبون من ذلك ويأتون النبي ويسألونه عن ذلك، فيرسلهم إلى منزل فاطمة، فيرونها جالسة تسبح وتمجده ونور وجهها يزهر بالحمرة، فيعلمون أن الذي رأوا كن من نور وجه فاطمة (عليها السلام).. فلم يزل ذلك النور في وجهها حتى ولد الحسين، فهو يتقلب في وجوهنا إلى يوم القيامة في الأئمة منا أهل البيت إمام بعد إمام).. ولهذا فإن أولادِ الزهراءِ (عليها السلام) إذا لم يلوثوا باطنهم بالمعاصي، قد يتمكن المرء من رؤية ذلك التميز والنور في وجوه البعض منهم، وخاصة أولئك الذين يشّتد النور في وجوههم إلى دَرجةٍ كبيرة.

ج- إن النُور الفاطمي كانَ نُوراً معنوياً، ولكن أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كانت يَدهُ يَد الله الباسطة، وعينهُ عَين الله الناظرة، وأذنهُ أُذن الله السامعة، كانَ يرى ذلك النور بتلك العَين البرزَخيّة، تقول الرواية: وعن أبي هاشم العسكري قال: سألت صاحب العسكر: لم سميت فاطمة “الزهراء”؟.. فقال: (كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين من أول النهار كالشمس الضاحية، وعند الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشمس كالكوكب الدري).

د- عن ابن عمارة، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عن فاطمة لم سميت ” زهراء “؟.. فقال: (لأنها كانت إذا قامت في محرابها، زهر نورها لأهل السماء، كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض).

فإذن، إن الزهراء (عليها السلام) كانت في عالم الخِلقَة مُشرقَة، فقد كانت تُشرق في بيتِ علي ثلاثَ مرات، ويَومَ القيامة أيضاً نُور الزهراءِ نُورٌ معروف!.. فهي نُورٌ في نُورٍ من نُور؛ ويا له من نُور!.. لذا، فإنه من الطبيعي أن يسري هذا النور إلى مَنْ: عَلِمَ فاطمة، وأحبها، وأقامَ عَزاءَها، وزارَها!.. فهنيئاً لمن تلقى هذا النُور الإلهي أكثرَ فأكثر!..

2. فاطمة.. إن اسم “فاطمة” من أكثر الأسماء تداولاً بالنسبة للإناث في العالم الإسلامي.. ولكن ما معنى هذا الاسم، وما العلة التي من أجلها سميت ابنة رسول الله (صلی الله عليه) بهذا الاسم؟..

أولاً: معنى الاسم: يُستعمل الفاعل في اللغة العربية -في بعض الحالات- لغير الفاعل، أي يمكن استعماله بمعنى المفعول، وخير مثال على ذلك، قولنا عند وداع من نزورهم: مكانٌ عامِر، أو مكانكم عامر!.. والحال بأنَّ المكان لا يعمرُ نفسه بنفسه، بينما العامر هو صاحبُ البَيت؛ وهذهِ الأرض أرضٌ معمورة.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى اسم “فاطمة” فهي بمعنى المفطومة.. وهذه الكلمة تُستعمل كثيراً؛ بمعنى فصل الولد عن الإرضاع: فالأمُ فاطمة؛ لأنها تحولُ بينَ الطِفلِ واللَبن أي فَطمت ولدها عن اللبن.. والطِفل يُسمى مفطوماً؛ أي قُطعَ منهُ اللَبَن.. أما في تسميةِ الزهراء (عليها السلام) فإن رَب العالمين هو الفاطم، وهو المانع، وهو القاطِع؛ لأنَ كَلمة “الفَطم” مأخوذة من القطع.

ثانياً: سبب التسمية: لقد وردت روايات كثيرة في معنى هذا الاسم، منها:
أ- الفطم من النار: قال رسول الله (صلی الله عليه): (يا فاطمة!.. أتدرين لمَ سميتِ فاطمة)؟.. فقال علي (عليه السلام): (يا رسول الله، لم سميتْ)؟.. قال: (لأنها فُطمت هي وشيعتها من النار)؛ فالنَبي (صلی الله عليه) يفسرُ لنا في هذا الحديث سبب تسمية فاطمة بهذا الاسم!.. ولكن هل معنى ذلك، أنّ كل من يدعي الانتساب إلى الزهراء (عليها السلام) وإلى أبيها وبعلها وبنيها؛ لا يرى النارَ أبداً؟.. هناك جوابان:

الجواب الأول: عدم الخلود في النار.. إذا كانَ المُراد بشيعتها مُطلَق من يدّعي ولايتهم، ويعتقدُ بإمامةِ وخِلافةِ بعلِها بلا فَصل؛ ولكنه ارتكبَ المعاصي: سواء الكبائر وغير الكبائر؛ فالفَطمُ مِنَ النار هنا يكون بمعنى عدم الخلود فيها.. أي أن هذا الإنسان وإن دخل نارَ جهنم، وتذوقَ حرها؛ فإنها قد تكون فترة قصيرة.

الجواب الثاني: عدم دخول النار.. وإن فسرنا شيعتَها بالمعنى الصحيح، فمثلاً: عندما يجلس الإنسان في المنزل ويقول: أنا أتمنى أن أُشايع جنازة فُلان، وهو في المنزل.. هنا لا يُقال: أنه مُشايع!.. ولكن عندما يقوم من فراشه ويذهب إلى المقبرة، سواء كان ذاك اليَوم حارِاً أو بارداً، وذَهبَ خَلفَ الجنازة، ومشى ولو خطوات؛ عندئذ يقال: فُلان شيعَ فُلان.. فإذن، إن تشييع الموتى لا يكون بالتمني؛ بل بالمشي خلف الجنازة.. ولو بكى على الميت فهذا أفضل؛ لأنه عندئذ يُفهَم أنَّ له عِلاقة بصاحب الجنازة، ولكن مُجرد مُتابعة الجنازة أيضاً تُسمى مُشايعة.. وعليه، فإن من يدّعي المشايعة، ويدعي أنّهُ من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا يمشي خَلفَ خطواتِهم المُباركة؛ هذا الإنسان مُدّعٍ للتشيع؛ إنما هو إنسان مُحب فقط.. وبالتالي، فإن من يكون شيعتها بالمعنى الصحيح؛ فُطم من النارِ قطعاً؛ لأنه لا يعمل إلا ما يُرضي الله عز وجل!..

ب- الفطم من الشر: فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (أتدرون أي شيء تفسير فاطمة؟.. قلت: أخبرني يا سيدي، قال: فطمت من الشر).

ج- الفطم عن معرفتها: من معاني فاطمة أيضاً أنَّ الخَلق فُطموا عن معرفتها؛ فمن نَحنُ حتى نعرف فاطمة؟.. إن فاطمة سِرٌ من أسرار اللهِ عزَ وجل، فقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إنا أنزلناه في ليلة القدر، ليلة القدر فاطمة، ليلة القدر فاطمة.. فمن عرف فاطمة حق معرفتها؛ فقد أدرك ليلة القدر.. وإنما سميت فاطمة؛ لأن الخلق فطموا عن معرفتها).

3. الصديقة.. قال الصادق (عليه السلام): (وهي الصدّيقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأولى).. الأنبياء كانوا يعرفونَ فاطمة، فما بعث الله نبيًا ولا رسولاً منذ نبي الله آدم (عليه السلام) إلى النبي الخاتم؛ إلا وألهمه معرفة السيدة الزهراء.. فأولُ الأنبياءِ وهو آدم أبو البَشَر، كان يَعلم أنَّ هناك نبياً سيأتي من صُلبهِ هو النَبي مُحمد (صلی الله عليه)، فقد روي عن رسول الله (صلی الله عليه) أنه قال: (لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد؛ إلا غفرت لي!.. فأوحى الله إليه: ومن محمد؟.. قال: تبارك اسمك!.. لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك، فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ فعلمت أنه ليس أحد عندك أعظم قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك.. فأوحى الله إليه: يا آدم!.. إنه آخر النبيين من ذريتك، ولولاه ما خلقتك).. فهل آدم يعرفُ النَبي ولا يَعرفُ ابنته فاطمة؟!.. وهل يعرفُ النَبي، ولا يعرف وصيّه أمير المؤمنين؟!.. وهل يعرفُ أمير المؤمنين، ولا يعرف الأئمة المعصومينَ من ذُريّته؟!.. يقول تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ فما هي هذه هذهِ الكلمات؟.. إنها كلمات النُور المُستمدةِ منَ العَرش، وعلى رأسِ مظاهر النُور الإلهي هذهِ الذوات المُقدّسة.. قال الكليني في الكافي: وفي رواية أخرى: في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾، قال: “سأله بحق: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين”.

فإذن، إن الأنبياء كانوا على معرفة بفاطمة، هُم يعرفونَ فاطمة حَق المعرفة، أما نَحنُ كخَلق فقد فُطمنا عن معرفتها.. روي عن الإمام العسكري (عليه السلام) أنه قال: (نحن حجج الله على الخلائق، وأمنا فاطمة حجة الله علينا).. ولهذا عندما يأتي موسم الفاطمية، يبكي الإنسان على ظُلامة هكذا شخصية، يبكي على أنَّ الأُمة لم تعرف قَدرَ هذهِ السيدة، إلى دَرجةٍ جعلتها تتمنى الموت بعدَ أبيها.. تقول الرواية: (عن عائشة قالت: ما رأيت من الناس أحدا أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله (صلی الله عليه) من فاطمة، كانت إذا دخلتْ عليه رحّب بها، وقبّل يديها وأجلسها في مجلسه، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبت به وقبّلت يديه.. ودخلت عليه في مرضه فسارّها فبكت، ثم سارّها فضحكت، فقلت: كنت أرى لهذه فضلا على النساء فإذا هي امرأة من النساء، بينما هي تبكي إذ ضحكت، فسألتها فقالت: إذاً إني لبَذِرة (أي التي تفشي السر).. فلما توفي رسول الله (صلی الله عليه) سألتها، فقالت: إنه أخبرني أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكتُ).. لقد فرحت فاطمة عندما عَلِمت بأنّها أول أهل البَيت لحوقاً بأبيها؛ لأنّها لم تَعُد تتحمل أن تَرى محرابَ أبيها خالياً من أمير المؤمنين، ولم تَعُد تتحمل أن ترى منبَرَ أبيها خالياً من وصي رسول الله (صلی الله عليه).. ففاطمة غُصنٌ من دَوحة النَبي، ومن شجرة النَبي (صلی الله عليه)، فهذه الشجرة عندما ارتفعت إلى السماء، ارتفعَ معها الغُصن الذي صار ذابِلاً مَيتاً بعد ذهاب الشجرة!..

4. المباركة.. وأي بَركة أعظم من هذهِ البركة؟!.. فكم من ملايين البَشَر مِنذُ وفاتِها إلى يَومِنا هذا والسادة الكِرام يتوالدون، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قيل: الكوثر هو كثرة النسل والذرّية، وقد ظهرت الكثرة في نسله (صلی الله عليه) من وُلد فاطمة.. لقد أبى اللهُ عَزَ وجَل إلا أن يَجعلَ نَسلَ النَبي (صلی الله عليه) من هذهِ المُباركة، فقد روي عن رسول الله (صلی الله عليه) أنه قال: (يا فاطمة، ما بعث الله نبياً إلاّ جعل له ذرّية من صلبه، وجعل ذرّيتي ‏من صلب علي )؛ وما المانع في ذلك؟.. فلو أنَّ إبراهيم والقاسم أبناء رسول الله مازالوا أحياء؛ لكانت الأُمة اليوم تفتخر بهم، وكم كانت لهم مِنَ القداسة، ولكانَ هناك ذرية كثيرة يُقال: هؤلاء ذُرية إبراهيم وذُرية القاسم؟!.. ولكنَ الله عَزَ وجَل سَدَّ هذهِ الأبواب، ولم يجعل نَسل النَبي (صلی الله عليه) إلا عَبرَ هذه السَيدة المُباركة، رغم أن عُمرها كان قصيراً، ولكن أحدَ عَشَرَ نُوراً بزَغَ من هذا الوجود المُبارك!..

5. الطاهرة.. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.. وقد ورد عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) أنه قال: (إنّما سمّيت فاطمة بنت محمّد (صلی الله عليه) «الطاهرة» لطهارتها من كلّ دنس، وطهارتها من كلّ رفث، وما رأت قطّ يوماً حمرة ولا نفاساً).

6ـ الزكية.. الزكاة هي: الطهارة، والنماء، والبركـة.. والزهراء زكية؛ لأن الله تعالى جعل ذرية رسول الله (صلی الله عليه) تزداد عن طريقها.. والزهراء (عليها السلام) أزكى أنثى عرفتها البشرية!..

7ـ الراضية.. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لرجل من بني سعد: (ألا أحدثك عنّي وعن فاطمة؟.. إنّها كانت عندي وكانت من أحبّ أهله إليه!.. وإنّها استقت بالقربة حتّى أثر في صدرها، وطحنت بالرّحى حتّى مجلت يداها، وكسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتّى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضررٌ شديد ، فقلت لها: لو أتيت أباكِ فسألتيه خادماً يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل.. فأتت النبي (صلی الله عليه) فوجدت عنده حدّاثاً، فاستحت فانصرفت، فعلم النبي (صلی الله عليه) أنّها جاءت لحاجة، فغدا علينا …. فقال: يا فاطمة!.. ما كانت حاجتك أمس عند محّمد؟.. فخشيت إن لم تجبه أن يقوم، فأخرجت رأسي فقلت: أنا والله أُخبرك يا رسول الله (صلی الله عليه)!.. إنها استقت بالقربة حتّى أثر في صدرها، وجرّت بالرحى حتّى مجلت يداها، وكسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتّى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل.. قال رسول الله (صلی الله عليه): أفلا أُعلمكما ما هو خيرٌ لكما من الخادم؟.. إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين، فأخرجت (عليها السلام) رأسها فقالت: رضيت عن الله ورسوله، رضيت عن الله ورسوله، رضيت عن الله ورسوله).

فإذن، إن زينب (عليها السلام) بعدَما رأت من الأحداث والمصائب ما رأت؛ عندما تُعلّق على ما حَدث لأخيها، وإذا بها تقول: (ما رأيتُ إلا جَميلاً)!.. لم يكن ذلك الشعور وذلك التصرف غريباً عليها، فهي بضعة الزهراء، ومنطقها كمنطق أمها (عليها السلام) رغم كل ما مر عليها من مصائب، لم تكن إلا راضية.

8ـ المرضية.. ورد في الرواية: (فيوحي الله عزّ وجلّ إليها: يا فاطمة!.. سليني أُعطكِ، وتمنّي عليّ أُرضك، فتقول: إلهي!.. أنت المنى وفوق المنى، أسألك أن لا تعذّب محبّي ومحبّي عترتي بالنار، فيوحي الله إليها: يا فاطمة!.. وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني!.. لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السماوات والأرض بألفي عام، أن لا أعذب محبيّك ومحبّي عترتك بالنار).

9. المُحدّثة.. أي كانت الملائكة تحدثها، وقد وردت عدة روايات في ذلك، منها: عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (… أن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلی الله عليه) خمسة وسبعين يومًا، وكان قد دخلها حزن شديد على أبيها.. وكان جبرئيل (عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويُطيِّب نفسها، ويُخبرها عن أبيها ومكانه، ويُخبرها بما يكون بعدها في ذريتها.. وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك؛ فهذا مصحف فاطمة (عليها السلام)).

فإذن، إن مُصحَف فاطمة الذي هو من تُراث أهلِ البَيت (عليهم السلام)، ليسَ بقُرآن في قِبال هذا القُرآن، بل هو عبارة عَن إملاءات المَلَكِ للزهراء (عليها السلام)، وكانت هيَّ بدورها تُملي على بَعلِها أمير المؤمنين، فمن افتخاراتِ علي (عليه السلام) أنّهُ كانَ كاتباً لما كانت تَقولَهُ فاطمة.. لذا، فإن من أعظمِ التُراث عندَ الإمام المَهدي (عليهِ السلام) هذا المُصحَف الفاطمي، الذي هو بخط أمير المؤمنين، وإملاء فاطمة الزهراءِ؛ فهو من أنفَسِ نفائسِ البَشرية بعدَ القُرآن الكريم!..

مصائبها..
هذا النَقل التأريخي من كتاب الحِبر العَظيم، والمُحدِث الكَبير؛ العلامة المجلسي.. تقول الرواية:
(اعلم أنه لما قُبِضَ رسولُ الله: افتجعَ لَهُ الصَغير والكَبير، وكَثُرَ عليهِ البُكاء، وقَلَّ العَزاء، وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب.. ولم تَلقَ إلا كُلَّ باكٍ وباكية، ونادب ونادبة.. ولم يَكُن في أهل الأرض والأصحاب، والأقرباء والأحباب، أشدُّ حُزناً وأعظمُ بُكاءً وانتحاباً من مولاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وكانَ حُزنُها يتجدد ويزيد، وبكاؤها يشتد!.. فجلست سَبعة أيام لا يهدأُ لها أنين، ولا يَسكنُ منها الحَنين، كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول!.. فلما كان في اليوم الثامن، أبدت ما كتمت من الحُزن، فلم تطق صبراً، إذ خَرجت وصَرخَت فكأنّها من فَمِ رسول اللهِ تنطُق!.. فتبادرت النسوان، وخرجت الولائد والولدان، وضَجَّ الناسُ بالبُكاءِ والنَحيب، وجاءَ الناسُ من كُلِّ مكان، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء.. وخُيلَّ إلى النسوان أنَّ رسول الله (صلی الله عليه) قد قامَ من قَبره، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم، وهي (عليها السلام) تنادي وتندب أباها: وا أبتاه!.. وا صفياه!.. وا محمداه!.. وا أبا القاسماه!.. وا ربيع الأرامل واليتامى!.. من للقبلة والمصلى؟!.. ومن لابنتك الوالهة الثكلى؟!.. ثُمَّ أقبلت تَعثرُ في أذيالِها، وهيَّ لا تُبصرُ شيئاً من عبرتِها، ومن تواتر دمعتها، حتى دنت من قبر أبيها محمد (صلی الله عليه).. فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفُها على المأذنة: فقصَرَت خُطاها، ودامَ نحيبُها وبُكاها، إلى أن أُغميَ عليها.. فتبادرت النسوان إليها، فنَضحنَ الماءَ عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت، فلما أفاقت من غشيتها قامت وهيَّ تقول: رُفعت قوتي، وخانني جَلَدي، وشَمُتَ بي عدوي، والكَمَدُ قاتلي.. يا أبتاه!.. بَقيتُ والهةً وحيدة، حيرانةً فريدة، فقد انخمدَ صوتي، وانقطعَ ظهري، وتنغَصَ عيشي، وتكدر دهري.. فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي، ولا راداً لدمعتي، ولا معيناً لضعفي.. فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرئيل، ومحل ميكائيل.. انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلقت دوني الأبواب.. فأنا للدنيا بعدك قالية، وعليك ما ترددت أنفاسي باكية، لا ينفد شوقي إليك، ولا حزني عليك).

إن هذهِ الصرخة الفاطمية بَقيت في التأريخ، وها نَحنُ اليَوم بعدَ عشرات القرون نَذكرُ صرخَة فاطمة!.. فمُشكلة فاطمة (عليها السلام) لم تكن في فَقدِ أبيها (صلی الله عليه) وحَسب؛ بل كانت تبكي لما جرى على بعلِها أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى