خطب الجمع

جولة في حياة الإمام السجاد (ع)

دور الإمام السجاد (عليه السلام)..
إن هناك شخصيتين يغلب ذكرهما على المنابر من اليوم العاشر من شهر محرم إلى العشرين من صفر؛ أي يوم الأربعين، هاتان الشخصيتان لهما دور بارز في حمل النهضة الحسينية، ونشرها في الآفاق:
الشخصية الأولى: هي الإمام زين العابدين، وقُرة عين الساجدين، وتاج البكائين؛ علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
الشخصية الثانية: هي الحوراء زينب (عليها السلام) فقد كانت اللسان الناطق باسم الشريعة، في محضر إمام زمانها السجاد (عليه السلام).

ومن هنا صح القول: كما أن الإسلام: مُحمديُ الحدوث، حُسينيُ البقاء.. فإن الحركة الحسينية أيضاً: حُسينية الحدوث، سجادية وزينبية البقاء.. وبعبارةٍ أخرى: إن دور الإمام زين العابدين (عليهِ السلام) وعمتهِ الحوراء في حفظ الإسلام، هو كدورِ الحسين (عليهِ السلام) في حفظِ إسلامِ جَده (صلی الله علیه).. ولكن الجانب المأساوي هو الغالب ذِكرهُ من حياةِ هذهِ الشخصية العظيمة، وهذا أمرٌ طبيعي!.. إذ لابد أن تُذكر هذهِ الجهات، لنعلم حال الأمة في زمانِ الإمام الحُسين (عليهِ السلام) وأنّها عندما قتلت عَلياً، وسمّت الحَسنِ المجتبى؛ دخلت في متاهةٍ جديدة، فوصلَ الأمر إلى أن يَحكم هذهِ الأُمة شخصية يُعبر عنها سَيد الشهداء بـ: “شارب الخمور، وراكب الفجور”.. عادةً الشيطان هو الذي يركب الإنسان الفاجر، أما يزيد فهو الذي كانَ يركب الفجور، وكأنه مَطية بيدِه يسوقه حيثما شاء، لا أنّ الفجور يسوقه، وهذا تعبير بليغ في وصف الحالة المتردية التي وصل إليها يزيد!..

إن الإمام زين العابدين (عليهِ السلام) هو عندَ البعض مظهر: البكاء والحُزن، وهو العليل والأسير!.. هذا صحيح؛ ولكن أيضاً له صفات أخرى، وهناك دروس تأملية في حياته (عليه السلام) ينبغي للموالي التأسي بها!..

جولة تأملية في حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام)..
أولاً: التعويض الإلهي..
إن أكثر إمام يُلهجُ بأدعيتهِ في ليالي شهرِ رمضان وفي الأسحار، هو الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام).. فهذا الإمام معروف بأدعيته، ومن أشهر ما أثر عنه في هذا المجال:

– الصحيفة السجادية: من المؤكد أنه ليست هناك مجموعة دعائية في تراث الإنسانية، كتراث الإمام زين العابدين (عليه السلام).. إذ أن هنالك أكثر من صحيفة جمعت في كتاب ضخم بعنوان: “الصحيفة السجادية الكاملة” التي تدعى بـ “زبور آل محمد” و”إنجيل أهل البيت”.. تضم هذه الصحيفة:

1. الأدعية: وهي عبارة عن أربعة وخمسين دعاء من أبلغ الأدعية الجامعة في كل الشؤون، إنها أدعية متنوعة: للوالدين، والاستعاذة من الشيطان، وفي الفطر، وفي الأضحى.. الخ.
2. المناجيات الخمس عشرة: وتشتمل على خمس عشرة مناجاة: (مناجاة الخائفين، مناجاة التائبين، مناجاة الزاهدين، مناجاة المحبين…إلخ).. وهذه المُناجيات هي دواءٌ لشتى الأمراض!.. ويستحب قراءتها في كل زمان ومكان.

إن هذه الأدعية والمناجيات تتميز بـ:
أ- التنوع: إن المناجيات الخمس عشرة، هي صيدلية جامعة!.. وبما أن الإنسان يمر بحالات مختلفة، لذا عليه أن يقرأ من هذهِ المُناجيات ما يتناسب مع حالته: فمن لهُ همٌ وغم؛ فليلتجئ إلى مناجاة المفتقرين.. والإنسان الذي يغرق في بحر المعاصي؛ فلينادِ ربه بمناجاة التائبين.. وإذا كان هناك إقبال شديد؛ عليه بمناجاة المحبين.. وعند اليأس من النفس؛ يقرأ مناجاة الراجين.. وإذا كان هناك رزق معنوي؛ عليه بمناجاة الشاكرين، أو المريدين، أو الراغبين.

ب- التأثير: إن المتأمل في أدعية الإمام (عليه السلام) يرى حُرقةً خاصةً في أدعيته، فعند قراءتها: الجلد يقشعر، والقلب يرق.. فالإنسان الذي يقرأ مُناجاة التائبين، (إِلهِي أَلْبَسَتْنِي الخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتِي)… إلى أن يقول: (إِلهِي!.. إِنْ كانَ النَّدَمُ عَلى الذَّنْبِ تَوْبَةٌ؛ فَإنِّي وَعَزَّتُكَ مِنْ النَّادِمِينَ!.. وَإِنْ كانَ الاسَتِغْفارُ مِنْ الخَطِيئَةِ حِطَّةً؛ فَإنِّي لَكَ مِنَ المُسْتَغْفِرِينَ)؛ يرى مسحة برد العفو الإلهي على قلبه.. وعندما يقرأ مُناجاة المُحبين؛ فإنه يشتدُ حنينه وشوقه إلى رب العالمين.. وهكذا باقي مناجياته؛ فكل مناجاة لها شعور خاص.. والذي يُريد أن يُرققَ قلبهُ في شهرِ رمضان وفي غير شهر رمضان؛ عليه بقراءة فقرات من دُعاء أبي حمزة الثمالي، مثل: (فَما لي لا أَبْكي؟!.. أَبْكي لِخُروجِ نَفْسي، أَبْكي لِظُلْمَةِ قَبْري، أَبْكي لِضيقِ لَحَدي، أَبْكي لِسُؤالِ مُنْكَر وَنَكير اِيّايَ، أَبْكي لِخُرُوجي مِنْ قَبْري عُرْياناً ذَليلاً حامِلاً ثِقْلي عَلى ظَهْري… الخ)؛ فهذه العبارات تُثيرَ البُكاء قهراً!.. وهنالك الكثير من العبارات المؤثرة في هذا الدعاء، وكأن الله عز وجل جعل أثراً في أدعية الإمام السجاد، لما مر به من محن!..

ج- الخلود: نحن في شهر رمضان وفي غيره، نعيش على مائدة السجاد (عليه السلام).. ففي أسحار شهر رمضان، نقرأ دعاء أبي حمزة الثمالي (اِلهي!.. لا تُؤَدِّبْني بِعُقُوبَتِكَ، وَلا تَمْكُرْ بي في حيلَتِكَ، مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ يا رَبِّ وَلا يُوجَدُ إلاّ مِنْ عِنْدِكَ؟!.. وَمِنْ أيْنَ لِيَ النَّجاةُ وَلا تُسْتَطاعُ إلاّ بِكَ؟!.. لاَ الَّذي أَحْسَنَ اسْتَغْنى عَنْ عَوْنِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَلاَ الَّذي أساءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُرْضِكَ خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ).. وكأنّ رَبَ العالمين جعل له هذا التراث الخالد؛ تعويضاً له عما جرى عليهِ في طريقِ الأسر من كربلاء إلى الشام.. فكما أن الحسين (عليه السلام) عوضَ عن قتله أنَّ الشفاء في تُربته، والأئمة من ذريته -هذهِ خاصية ليست لأحدٍ من المعصومين: أخوه المجتبى أيضاً سبط النبي (صلی الله علیه)، وسَيد شبابِ أهل الجنة، وريحانة النبي (صلی الله علیه) من الدُنيا؛ إلا أنَ الأئمة من ذُرية الحُسينِ (عليهِ السلام)- والإجابةُ تحتَ قبته.. كذلك فإن المؤمنين جميعاً ينهلون من مائدة الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى أن تقوم الساعة!..

وعليه، فإن الإنسان المبتلى في هذهِ الحياة، هناك تعويض له، وهذا التعويض له عدة أوجه:
1. تنزل البركات: إن من يَمر بمحنة في هذهِ الحياة، وخاصة إن كانت المحنة مستمرة، فإنه يعوض عن ذلك في الدنيا قبل الآخرة.. أما حُمى ليلة، أو صُداع ليلة، فإنه قد لا يُعطي نتيجة كبيرة.. ولكن الذينَ يبتلون بولدٍ معاق مثلاً: فهؤلاء من صِغرهِ إلى أن يموت، وهم يتحملون الأذى بشكل مستمر.. لذا، فإن هُناكَ بركات تنزل على هذا المنزل، ولكن معَ الصبر وعَدم الجزع!..

2. الراحة: إن الكثيرين ممن فقدوا بصرهم، تعلو وجوههم ابتسامة، فهم طوال الوقت يعيشون حالة من حالات الراحة!.. لأن الأعمى لا ينظرُ للحرام، ولا يرى متاع الغَير، ولا يعيش حالة الحسد؛ فذنوب البَصر تقريباً مرتفعةٌ عنه.

3. رفع الدرجات: إنّ الإنسان المصاب بإعاقة، هذه الإعاقة تُعطيهِ درجات في الجنة.. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إنّ الله عز وجل يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين شبيهاً بالمعتذر إليهم، فيقول: وعزتي وجلالي!.. ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم عليّ، ولتروُنّ ما أصنع بكم اليوم، فمن زوّد أحداً منكم في دار الدنيا معروفاً، فخذوا بيده فأدخلوه الجنة، فيقول رجل منهم: يا رب!.. إنّ أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم: فنكحوا النساء، ولبسوا الثياب اللينة، وأكلوا الطعام، وسكنوا الدور، وركبوا المشهور من الدواب، فأعطني مثل ما أعطيتهم!.. فيقول تبارك وتعالى: لك ولكل عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت الدنيا إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفاً).. وفي رواية أخرى: قال الصادق (عليه السلام): (إنّ الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا، كما يعتذر الأخ إلى أخيه، فيقول: وعزتي وجلالي!.. ما أحوجتك في الدنيا من هوان كان بك عليّ، فارفع هذا السجف فانظر إلى ما عوضتك من الدنيا، فيرفع فيقول: ما ضرني ما منعتني مع ما عوضتني).

4. التقدم: إن الإنسان الذي لا يسمع، والذي لا يرى، والمشلول، وأصحاب العاهات؛ هؤلاء لو عملوا عَملاً قليلاً؛ فإنهم يتقدمون للأمام.. فهم مثل السيارة التي تمشي بسرعة بطيئة، ولكن بما أنها باتجاه الريح؛ فإنها تتقدم إلى الأمام!.. يُذكر أن أحد العلماء الكبار كان في النجف الأشرف، ابتلاه رَب العالمين بمرض أوشكَ أن يودي بحياته، ولكن في تِلكَ الفترة الزمنية وَفقهُ رَب العالمين للعِلمِ الكثير.

وبالتالي، فإن الذي يَمر بأزمة مستمرة في حياته، سواء كانت أزمة جسمية، أو أسرية، أو اجتماعية؛ هناك تعويض له في الدنيا!.. فمثلاً: الإنسان الذي لم يتوفق في زواجه، ويعيش معَ زوجة لا تعجبه، ولكن يصبر عليها؛ حفاظاً على كرامة الأسرة وتربية الأولاد.. أو العكس: المرأة التي تبتلى بزوجٍ ليسَ على الطريق المستقيم، ولكنها تتحمل خُلقهُ؛ حفاظاً على كيان الأسرة.. أو الإنسان الذي يبتلى بوسط اجتماعي مُزعج؛ فهذه بلية مستمرة إلى الموت.. والذي يُبتلى ببليةٍ كهذه، ليعلم أن العالم عالم التعويض، فهو سيعوض قطعاً، ولكن بشرط الصَبر!.. فالبعضُ من المؤمنين عندما يرى حياتهُ حياةً رتيبة: ليس لديه مُشكلة في الجسم، ولا في المال، ولا في الأسرة؛ فإنه يخاف!.. طبعاً الإنسان يسأل الله تعالى العافية، ولكن من لا يَمر بأزمة من الأزمات، وتكون كُل أموره متسقة لمدة طويلة، فليحتمل أن هنالك خللاً في البَين، ألا يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾؛ فاجتماع النِعم بمعنى من المعاني؛ يُخيف المؤمن.. عن يونس بن يعقوب قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: (ملعون ملعون، كل بدن لا يصاب في كل أربعين يوما)!.. فقلت: ملعون، قال: (ملعون)!.. فلما رأى عظم ذلك علي، قال: (يا يونس!.. إن من البلية: الخدشة، واللطمة، والعثرة، والنكبة، والفقر، وانقطاع الشسع، وأشباه ذلك.. يا يونس!.. إن المؤمن أكرم على الله -تعالى- من أن يمر عليه أربعون يوما، لا يمحص فيها من ذنوبه، ولو بغم يصيبه لا يدري ما وجهه.. وإن أحدكم ليضع الدراهم بين يديه، فيراها فيجدها ناقصة؛ فيغتم بذلك.. فيجدها سواء؛ فيكون ذلك حطا لبعض ذنوبه).. ملعون هذا البَدن يعني فيهِ بُعدٌ عن رحمة الله عزَ وجل، لذا فإن المؤمن عندما يصاب بمرض من الأمراض؛ فإنه يرَحب به!.. ولكن بشرط عدم التعمد؛ لأن من يقصر في حفظِ صحتهِ لا يلومنَّ إلا نفسه!.. ولكن المقصود هو الترحيب بالبلاء الذي يكون قضاءً وقَدراً.

فإذن، إن هذه الأغلال الجامعة التي تحملها الإمام السجاد (عليه السلام)، تحولت إلى أدعيةٍ جامعة، تجعلنا نعيشُ على ذِكرهِ في شهرِ رمضان المُبارك، وعلى ذِكرِ أبيهِ في يومِ عَرفة من خلال دُعاء الإمام الحُسينِ (عليهِ السلام) في ذلك اليوم.

ثانياً: مواقفهُ الحياتية..
إنه من المناسب للموالي في مُناسبات الأئمة (عليهم السلام): استشهاداً، أو ولادةً أن يأخُذ كتاباً من الكُتب المدونة في سيرتهم، ويقرأ سيرة ذلك الإمام ليعلم على من يبكي!.. لأن من يعرف حقيقة ذلك الإمام ومواقفه؛ فإنه عندما يَسمع مصيبته يتفاعل تفاعلاً مُضاعفاً!.. فمن المواقف الملفتة للإمام زين العابدين (عليه السلام):

1. مع ربه: يقول الراوي وهو حماد بن حبيب الكوفي القطان: “انقطعت عن القافلة عند زبالة (موضع بطريق مكة) فلما أن أجنني الليل، أويت إلى شجرة عالية، فلما اختلط الظلام، إذا أنا بشاب قد أقبل، عليه أطمارٌ بيض يفوح منه رائحة المسك، فأخفيت نفسي ما استطعت، فتهيأ للصلاة، ثم وثب قائما وهو يقول: (يا من حاز كل شيء ملكوتاً، وقهر كل شيء جبروتاً، أولجْ قلبي فرح الإقبال عليك، وألحقني بميدان المطيعين لك).. ثم دخل في الصلاة، فلما رأيته وقد هدأت أعضاؤه، وسكنت حركاته، قمتُ إلى الموضع الذي تهيأ فيه إلى الصلاة، فإذا أنا بعين تنبع فتهيأتُ للصلاة ثم قمتُ خلفه، فإذا بمحرابٍ كأنه مثّل في ذلك الوقت، فرأيته كلما مرّ بالآية التي فيها الوعد والوعيد يرددها بانتحاب وحنين.. فلما أن تقشّع الظلام، وثب قائما وهو يقول: (يا من قصده الضالّون فأصابوه مرشدا، وأمّه الخائفون فوجدوه معقلا، ولجأ إليه العابدون فوجدوه موئلا!.. متى راحةُ من نصب لغيرك بدنَه؟.. ومتى فرحُ من قصد سواك بنيته؟.. إلهي!.. قد تقشّع الظلام ولم أقض من خدمتك وطراً ، ولا من حياض مناجاتك صدراً، صلّ على محمد وآله، وافعل بي أولى الأمرين بك يا أرحم الراحمين)!.. فخفت أن يفوتني شخصه، وأن يخفى عليّ أمره ، فتعلّقت به، فقلت: بالذي أسقط عنك هلاك التعب، ومنحك شدة لذيذ الرّهب، إلا ما لحقتني منك جناحُ رحمة، وكنفُ رقةٍ، فإني ضالٌّ.. فقال: (لو صدق توكلك ما كنت ضالاً، ولكن اتّبعني واقْفُ أثري).. فلما أن صار تحت الشجرة، أخذ بيدي وتخيّل لي أن الأرض يمتد من تحت قدميّ، فلما انفجر عمود الصبح، قال لي: (أبشر فهذه مكة)!.. فسمعت الضجّة ورأيت الحجّة، فقلت له: بالذي ترجوه يوم الأزفة، يوم الفاقة من أنت؟.. فقال: (إذا أقسمت، فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب).

– (يا من حاز كل شيء ملكوتاً، وقهر كل شيء جبروتاً)!.. إن الملوك وأبناء الدُنيا يحوزونَ مُلكَ الأموال، فالمرأة أو الرَجُل عندما يلبسون خاتِماً، فإنهم يحوزون مُلك هذا الذهب أو هذهِ الفضة.. ولكن هذا الذهب وهذهِ الفضة فيهما ذرات، والذرات فيها نواة، والنواة فيها الكترونات.. ورَبُ العالمين هو الذي يتحكم في داخل هذهِ الذَرّة، ولهذا لو شاءَ رَب العالمين غَيرَّ من تركيبتهِ الذَرّية، فيتحول الفِلز إلى فِلزٍ آخر.. فقد ورد في بعض الروايات أن الإمام حَولَّ التراب إلى ذَهب، قال إبراهيم بن موسى القزاز -وكان يؤمّ في مسجد الرضا بخراسان-: “ألححت على الرضا (عليه السلام) في شيء طلبته منه، فخرج يستقبل بعض الطالبيين وجاء وقت الصلاة فمال إلى قصر هناك، فنزل تحت صخرة بقرب القصر وأنا معه وليس معنا ثالث، فقال: (أذِّن)!.. فقلت: تنتظر يلحق بنا أصحابنا، فقال: (غفر الله لك، لا تؤخّرن صلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها من غير علة عليك، ابدأ بأول الوقت)!.. فأذّنت وصلينا.. فقلت: يا بن رسول الله!.. قد طالت المدة في العدَة التي وعدتنيها، وأنا محتاج وأنت كثير الشغل ولا أظفر بمسألتك كل وقت!.. فحكّ بسوطه الأرض حكّاً شديداً، ثم ضرب بيده إلى موضع الحكّ، فأخرج سبيكة ذهب.. فقال: (خذها بارك الله لك فيها، وانتفع بها واكتم ما رأيت)!.. قال: فبورك لي فيها حتى اشتريت بخراسان ما كانت قيمته سبعين ألف ديناراً، فصرت أغنى الناس من أمثالي هناك”.. وهناك روايات أخرى بهذا المضمون عن الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام).. فكل ما في الأمر أن الألكترونات تغيرت أعدادها من عُنصرٍ إلى عنصر، ففي علم الكيمياء: العناصر كُلها مُتشابهة، فهي عبارة عن نواة وألكترونات، ولكن العدد الذري هو الذي يُحدد جنس المادة، كالفحم الذي يتحول بعدَ فترة إلى الألماس مثلاً.. فإذن، إن الإمام (عليه السلام) يُشيرُ إلى أنَ اللهَ عَزَ وجل يَملِكُ ملكوتَ الأشياء، ويتصرفُ في جواهرها.. فرَبُ العالمين مالكُ لملكوت النار، فحولها إلى بَردٍ وسلام.

– (أولج قلبي فَرح الأقبالِ عليك).. إن المؤمن الفطن، عندما يقف في جَوف الليل بين يدي ربه، يسأله هذا المعنى؛ لأنه لو تحققَ هذا الدُعاء:
أ- لا يحتاج إلى من يوقظه لصلاة الليل؛ ففرحة الإقبال على الله عَزَ وجل تدفعه للقيام.
ب- وفي موسم الحَج لا يحتاجُ إلى إغراء؛ لأن فَرح الإقبالِ على اللهِ في زيارةِ بيتهِ، يدعوهُ للذهابِ إلى بيت اللهِ الحرام.
ج- وإذا أذنَ المؤذن للصلاة، لا يحتاج إلى من يحثه على القيام لأداء الصلاة في وقتها؛ لأنه هو لا يتحمل أن يبقى في مكانه؛ بعد أن دَخلَ قلبهُ فرَح الإقبالِ على اللهِ عَزَ وجل.

– (وألحقني بميدان المطيعين لك).. الدُنيا فيها سباق، وهذا السباق في مجالات متعددة، منها: سباق الأموال، وسباق الدواب، وسباقُ المطيعين.. أما المؤمن فإنه يطلب من ربه أن يدخله في مسابقة المطيعين، وأن يجعله من الفائزينَ في حَلبة السباق.. ولا يكون هَمّهُ أن يَربح في هذهِ الدنيا، ويُنافسَ أثرياء العالم الذينَ يعشقونَ المال!.. لأنه لو قتل نفسه في الدُنيا؛ فإنه لا يحصل على معشار ما يملكهُ يهود العالم مثلاً، فثراؤهم ثراء خيالي!.. فإذن، إن المؤمن لا يدخل في سباقٍ معَ هؤلاء الذينَ يغلبونه قهراً، بل يدخل في ميدان سباق المطيعين للهِ عزَ وجل.

– (يا من قصده الضالّون فأصابوه مرشدا).. إن الإنسان الذي لا مُرشِدَ لَهُ من رَب العالمين؛ هذا الإنسان هو ضال.. ولكن لا بمعنى الإسلام، بل بمعنى الجزئيات في طريق الحياة!.. فالإنسان يعيش في حيرة دائمة، مثلاً: أين يُقدم؟.. وأينَ يُحجم؟.. وماذا يدرس؟.. ومن يتزوج؟.. الخ!.. حياته كُلها إبهامٌ في إبهام، وبعدَ سنوات قد يكتشف أنّهُ في الطريق الخطأ، وكانَ مشتبهاً في قراره!.. فلو أن رب العالمين من أول يوم أفهمه الطريق؛ لما سلك هذا الطريق الأعوج؟!.. مثلاً: لو أنَ الله عزَ وجل ألهمهُ الرشد من أول يوم؛ لما وقعَ في أزمةٍ معَ زوجته، وبعدَ عشرينَ سنة طلقها، وأخذت الأولاد، وبقيَ وحيداً غريباً يُعاني من أمراض نفسية!..

– (متى راحةُ من نصب لغيرك بدنَه)؟.. الذينَ يبحثونَ عن الراحة في الحياة هؤلاء متوهمون!.. لأن من لا يجعل نفسهُ عَبداً له؛ لا يَجدُ راحة في هذهِ الحياة.

– (ومتى فرحُ من قصد سواك بنيته)؟.. هل يكون فرح الإنسان باقتناءِ دابةٍ سريعة، أو دارٍ وسيعة، أو زوجةٍ بمواصفات معينة؟!.. فرَب العالمين ابتلى أصحاب الدُنيا ببلية، هذه البلية تعتبر قاعدة ثابتة؛ ألا وهي: لكلِ جديدٍ بهجة!.. فالإنسان الذي يشتري لوحة من أجمل لوحات العالم -مثلاً- ويعلقها في المنزل، فإنه بعدَ فترة تصبح هذهِ اللوحة والحائط على حَدٍ سواء!.. كما ورد في الحديث الشريف: (الليل والنهار يبليان كل جديد)؛ أي لا تُعلق أملَكَ على جمالِ هذا الوجود.

– (إلهي!.. قد تقشّع الظلام ولم أقض من خدمتك وطراً).. طَلعَت الشمس أو طلعَ الفجر، وإلى الآن أنا ما شبعتُ من هذا القيام.

– (ولا من حياض مناجاتك صدراً).. صدري ما شَبِعَ من مناجاتك.

– (صلّ على محمد وآله، وافعل بي أولى الأمرين بك يا أرحم الراحمين).. أي يا رَب أنا الآن مريض، فالأمرُ دائر بينَ: الموت، والشِفاء.. يا رَب!.. أنتَ ماذا تُريد: إن كنت تُريدُ شفائي؛ فأنا أريدُ الشِفاء.. وإن كنت تُريد موتي؛ فأنا أُريد الموت.. أنتَ ماذا تُريد أفعل يا أرحمَ الراحمين!..

2. توكلهُ في الحياة: (ذُكر عند علي بن الحسين غلاء السعر، فقال: وما عليّ من غلائه، إن غلا فهو عليه، وإن رخص فهو عليه).. أي أن رَب العالمين هو خيرُ الرازقين، وقد تعهد برزقي؛ لذا فإن اختلاف الأسعار لا يؤثرُ في قدرتهِ على أن يُمدّني بالعطاء، ألا يقول تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.

3. الوصية: إن الإمام (عليه السلام) كانَ كثير الوصية، فقد روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنه قال: (مرض علي بن الحسين (عليه السلام) ثلاث مرضات، في كل مرضة يوصي بوصية، فإذا أفاق أمضى وصيته).. فالإمام أيضاً يصيبهُ المرض، لذا فإنه يستحب للمؤمن أن يَدفع صَدقة ينوي بها دَفعَ البلاءِ عن إمامِ زمانه، عندما يدفع الصدقة في كُلِ يوم يقول: يا رَب، ادفع البلاء عن إمامي أولاً، وعن مُحبيهِ ثانياً، وعني ثالثاً!.. هكذا ينوي الصَدقة في كُلِ صباحٍ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى صدقة الليل.. إن الإمام السجاد (عليه السلام) كان في كُلِ مَرضٍ يوصي بوصية، فمثلاً: لو أوصى بالثلث، فإنه عندما يشفى من المرض يُرسلُ هذا الثُلث، وكأنَّهُ ذَهبَ إلى رَبهِ؛ هكذا كانَ حالهُ (عليه السلام)!..

4. حسن الخلق: إن الذي ليسَ له تَحمل في هذهِ الدُنيا، أو سريع الغضب، عليه عندما يبكي على الإمام زين العابدين (عليهِ السلام) أن يتشبه بإمامه.. أما أن نبكي على مُصيبته ونُخالفُ سنتهُ؛ فهذا ليسَ من الإنصاف!.. فقد روي أنه (جعلتْ جارية لعلي بن الحسين (عليه السلام) تسكب الماء عليه -وهو يتوضأ للصلاة- فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه، فشجّه (أي جرحه) فرفع علي بن الحسين (عليه السلام) رأسه إليها.. فقالت الجارية: إن الله عز وجل يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾.. فقال لها: قد كظمتُ غيظي.. قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال لها: قد عفا الله عنكِ.. قالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهبي فأنت حرة)!.. هذهِ سيرتهم، وهذهِ سنتهم، هل نحنُ هكذا؟!..

5. اليقين: إن هؤلاء لهم يقينٌ، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إن علي بن الحسين (عليهما السلام) استقبله مولى له في ليلة باردة، وعليه جبّة خز ، ومطرف (أي رداء) خز، وعمامة خز، وهو متغلّف بالغالية (أي الطيب) فقال له: جُعلت فداك!.. في مثل هذه الساعة على هذه الهيئة إلى أين؟.. فقال: إلى مسجد جدي رسول الله (صلی الله علیه) أخطب الحور العين إلى الله عز وجل).. الموالي أيضاً يتأسى بإمامه، ويذهب إلى المسجد بهذهِ الهيئة، وبهذه النية، ألا يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.. فالحُور العيِن مَظهرٌ ماديٌ للنعيم، ولكن هُناكَ ما وراء الحور ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَر﴾!.. لذا، فإن المؤمن عَينهُ على النعيمين: الحُور، والدرجات العُليا.. ولعل الإمام لم يَذكر الدرجات الأُخرى؛ لأن هذا المولى لم يَكن ليستوعِب ذلك، وإلا فإن الإمام أجْلّ من أن يكون نَظرهُ قاصراً على الحُورِ والقصور!.. والإنسان عندما يأتي إلى المسجد يوم الجُمعة وفي غير الجُمعة؛ يذهب ليشتري قصوراً في الجَنّة.. فهو قبل الذهاب إلى المسجد قد يكون فقيراً أو غَنياً بدرجة من الدرجات، ولكن بعدَ أن يرجع من بيت اللهِ عزَ وجل؛ يصبح من الأثرياء في ذلكَ اليوم.. فرَبُ العالمين حَجبَ الجزاء عن قلوبنا، ولو عَلِمَ الناس ما يُعطونَ في المساجد لاقتتلوا على أبوابها، ولدفعوا الأموال الطائِلة لشراءِ بطاقات الدخولِ إلى بيوت الله تعالى؛ ولكن القلوب محجوبة!.. لذا نجد بعض المساجد فارغة، فلو يعَلِمَ الإنسان ما يُعطى في ضيافة الله عزَ وجل، لما صلى فريضة إلا في بيتٍ من بيوته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى