خطب الجمع

عوامل القسوة بعد الموسم

الشكوى الدائمة..
إن أغلب الناس تشتكي هذهِ الأيام من الإدبار ومن قسوة القلب بعد مواسم الطاعة، لدرجة أن البعض يشعر بحالة من حالات التثاقل عند أداء الصلاة الواجبة!.. ولكن هذا مؤشرٌ خطيرٌ جداً؛ لأنَ الذي يتثاقلُ من الصلاة يعني أنه لا يشتاق إلى لقاءِ رَبه.. والذي لا يشتاقُ إلى لقاء الله عزَ وجل؛ فإن رَب العالمين لا يشتهي لقاءه.. وهذا أمر طبيعي، وذلك لأن رَب العالمين من صفاته أنّهُ متكبر مُتعال، لذا فإنه لا يُقبل على من يُدبر عنه؛ فهو الغني عن العباد!.. أما الذي يُدبر وهو متألمٌ لما هو فيه، فهذا في مظان الرحمة الإلهية، وذلك بمثابة إنسان مريض يعاني من انسداد في الشرايين: فإن كان لا يُبالي بما هو فيه؛ فإنه من الطبيعي أن يموت بعدَ فترة.. أما إن كان يهتم لأمر نفسه؛ فإنه سوف يبحث عن العلاج الذي يضمن له الشفاء.

سلب الإقبال..
لابدَ أن نفرق بين حالة الإدبار، وبينَ حالة عدم الإقبالِ المتميز.. فالإنسان الذي يدخل محل بيع للعطور؛ فإنه يشم رائحة متميزة، وعندما يخرج من المحل، حيث لا نتن ولا رائحة طيبة؛ هذا الإنسان لم يمر على مكان لتجمع النفايات، وإنّما فَقدَ أجواء الروائح الطيبة.. وقياساً على ذلك: فإن الذي يرى في قلبهِ حالة من حالات عَدم الرقة بعد شهر رمضان مثلاً، هذا أمرٌ متوقعٌ جداً، وإلا لو بقي على حالته الرمضانية، فقد تصافحه الملائكة بعدَ حين.. فقط الأنبياء والأوصياء والأولياء لهم حالات مستمرة، أما نحنُ البشر المتواضعون في قدراتهم؛ فإنه من الطبيعي أن نعيش حالة التذبذب؛ نصعدُ يوماً ونهبط يوماً كما في روايات أهل البيت (عليهم السلام) فقد روي عن رسول الله (صلی الله علیه) أنه قال: (مَثَل المؤمن كمثل السنبلة تخرّ مرةّ وتستقيم مرّة، ومَثَل الكافر مثل الأرزة لا يزال مستقيماً لا يشعر).. المؤمن مثلهُ كمثل سُنبلة القمح في المزارع، عندما تهب الرياح فإن سنابل القمح كُلها تنامُ على الأرض، فيظن الرائي أنَ هذهِ المزرعة تلفت، ولكن بعدَ فترة ترجعُ العيدان إلى حالتها من الاستقامة.

فإذن، عندما يرجع البعض من الحج والعُمرة والمشاهد ويشعر أنه أصيب بحالة من الإدبار، فهذا ليسَ بإدبار؛ وإنّما إقبالٌ سُلبَ منه.. وبالتالي، فإن هذا الإقبال كان لظروف الزمان والمكان؛ وهذهِ نقطة ينبغي الالتفات إليها.

موجبات الإدبار..
إن الناس صنفان: صنف يعيش الهواجس المعنوية، ويهتم بمسألة الإقبال والإدبار.. وصنف لا تهمه هذه المسألة؛ فإن أتته حالة الإقبال لا يفرحُ، وإن انتابتهُ حالة الإدبار لا يحزن.. فهؤلاء همهم أبدانهم وأموالهم، وما إلى ذلك من متع الحياة الدنيا، أما القلب وحالاته وتقلباته فإنهم غير معنيين به.. وهذا الصنف أقرب ما يكون إلى عالم البهائم، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا﴾.. فمن موجبات الإدبار:

1. عَدم شُكر نعمة الإقبال.. إن كل فرد منا لابد وأن تعرض لهذه النفحات، سواء في شهر رمضان المبارك، أو في الحج والعمرة، أو في زيارة المشاهد المشرفة، أو في ليالي الجمعة، أو في صلوات الليل المتقطعة؛ ولكنه ما يلبث أن يحرم منها.. وهذه النفحات ليست دليل عافية لكل إنسان، وذلك للأسباب التالية:

السبب الأول: أنَ الرقة التي تنتاب الإنسان في شهرِ رمضان المبارك؛ هي أنَّ الله عزَ وجل جعلَ الشياطين مغلولة.
السبب الثاني: أن الرقة التي تنتاب الحاج أو المعتمر وهو في الطواف حولَ البيت؛ هي من لوازم ضيافة الرحمن؛ حيث أن لكُل ضيفٍ كرامة.
السبب الثالث: أن الرقة والحالات التي تنتاب الزائر في الحائر الحسيني؛ هي من بركات دماء الشهداء.

رغم ذلك فإن البعض لا يؤدي شُكرَ هذهِ النعمة، بل عندما يرجع من الزيارة أو من الحَج أو العُمرة، أو عندما يخرج من شهرِ رمضان المُبارك؛ فإنه يتصرف وكأنّهُ أخذ الحصانة، وكأنَّ الشياطين يئست منه.. بينما القرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، والمقصود بكلمة “عبد الله” هو العبد الممتثل لأوامر الله عزَ وجل في كُلِّ خطوةٍ من الحياة.. أما الذي يترك المحرمات كُلّها، ولكنه يبقى أسيراً لشهوةِ بطنه؛ فهذا ليسَ بعبد الله، هذا عبدُ الله إجمالاً!.. وإلا عندَ البطنِ والفرج؛ هو عبد الهوى، كما في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾؛ فأهل الهوى هؤلاء ليسوا بعبيد!.. وبمقدار ما يكون عند الإنسان من هوى وميل وحُب للدنيا، يكون الشيطانُ متغلغلاً فيه؛ هذهِ حقيقة ينبغي أن نعترف بها.. فمثلاً: بعض المؤمنين ليسَ على درجة عالية من التقوى، ولعلَ لهُ بعض الذنوب الكبيرة، ولكنه بالنسبة إلى شهوة النساء كالجبل الراسخ لا تحركه الريح.. هذا الإنسان لا ينبغي أن يتبجح بما هو فيه، لأنه في فتنة النساء درجتهُ مُمتازة، أما عندَ الغضب فإنه يفورُ لأدنى مُسبب، وفي الحقوق المالية عليهِ الآلاف إن لم يكن الملايين.

فإذن، إن العبودية بقولٍ مُطلق تحتاجُ إلى جهدٍ جهيد، ومن يخرج من المواسم، ويظن أنّهُ اخترقَ الحُجب السبع؛ عليه أن يعلم أنه كان في ضيافة اللهِ عزَ وجل، أو في ضيافة المعصوم؛ لذا لا ينبغي الخلط بينَ الضيافة وبين الحالة الاعتيادية.. فبعض البركات الإلهية منوطةٌ بالمكان والزمان، فهذهِ من لوازم الضيافة.. وبالتالي، فإن هذهِ الحالات حالات مؤقتة، علينا أن نطورها ونحاول البقاء عليها.. ولكن العبد بسوء اختياره لفعله، يقوم بما يوجب له سلب هذه النعمة: وهو كفران النعم.. والشكر على نعمة الإقبال، يتمثل في الالتزام بأوامره ونواهيه.

2. المعصية بعد الطاعة.. إن المؤمن ينبغي أن يحذر من المعصية الأولى بعدَ الإقبال؛ فإنّها قاصمةٌ للظهر، وخاصة في مواطن الطاعة.. فالإنسان الذي يعيش أجواء روحانية في شهرِ رمضان المبارك، وفي الأسبوع الأول من العيد يعيش حالة: الغفلة، والانسياب، وعدم مُراقبة النفس؛ فإنه من الطبيعي أن تُسلب منهُ حالة الإقبال، وقد يمتد هذا السلب إلى فترةٍ طويلة، لدرجة أنه قد يبقى لمدة سنة كاملة لا يرق قلبه، ولا تدمع عينيه: لا في مصائبِ أهلِ البيت يومَ عاشوراء، ولا في ليلة القدر.. أي لا معَ رَب العالمين، ولا معَ أهل البيت لهُ دمعة.. صحيح أن الدمعة هي عبارة عن قطرات ملحية لا قيمة لها، ولكنها تكشفُ عن الباطن، ألا نقول في تعقيبِ صلاة العصر: (اللّهُمَّ!.. إنّي أعُوذُ بِكَ مِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ صَلاةٍ لا تُرْفَعُ، وَمِنْ دُعاءٍ لا يُسْمَعُ)!..

3. عدم امتلاك الهم المقدس.. إن البعض ليسَ لهُ هَمٌ مُقدس في هذه الحياة، إنما أمنيته أن يمتلك منزلاً واسعاً وأولاداً.. هذهِ معانٍ جيدة، نحنُ لا نُنكرها؛ ولكن هذا طموحٌ نازل.. بينما الطموح الأكبر هو أن يصلَ العَبدُ إلى درجة اللقاءِ معَ الله عزَ وجل لقاءً اختيارياً، وهذه نقطة مُذهلة!.. فكل من يستوعب هذهِ النقطة تنتابهُ حالة الوحشة، حيث أن الإنسان بمجرد أن يموت يكون معَ الله تعالى: ففي عالم البرزخ خلوته معَ رَب العالمين، وفي عرصات القيامة المذهلة التي يصفها تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ علاقته تكون معَ الربِ مُباشرةً.. وعندما يدخل الجنة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ علاقته أيضاً مع رَب العالمين.. وبالتالي، فإن الإنسان من لحظة موته إلى أبد الآبدين تكون عينه على اللهِ عزَ وجل شاء أم أبى!.. حتى أهل النار يستغيثون باللهِ عزَ وجل، والمُعذبونَ في البرزخ عينهم على اللهِ عز وجل، وفي عرصات القيامة العُصاة يتحينون الفُرصة للحديثِ معَ اللهِ عزَ وجل، ولكن يأتيهم الجواب: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾.. وعليه، فإن المؤمن الفطن يحاول العمل على عدة أمور؛ منها:

أولاً: جعل اللقاء اختيارياً.. إذا كان اللقاء بالله عز وجل واقعاً لا محالة، فلمَ لا نجعله لقاءً اختيارياً؟.. ومن هنا قيل لنا: (موتوا قبل أن تموتوا)!.. لذا، فإنه ينبغي رفع حجاب الغفلة والشهوات النفسية قبل فوات الآوان، كي نرى حقائق الأمور!.. فأصحابُ صلاة الليل ما الذي يجبرهم على القيام سوى حُب اللقاء!.. وأصحاب الصلاةِ في أول الوقت ما الذي يدعوهم لذلك سوى حُب اللقاءِ معَ اللهِ عزَ وجل؟!..

ثانياً: تحويل العلاقة.. ينبغي للمؤمن أن يحوّل علاقته من علاقة بالمجهول إلى علاقة بالمحبوب.. فنحن آمنا باللهِ عزَ وجل كما آمن به الطفل الصغير، فهو وجودٌ مجهول بالنسبة لنا؛ فمن هو الرَب؟.. وهل تجلى لنا؟.. وهل عرفناه بصفات جلالهِ وكماله؟.. يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ بينما أحدنا يسمع آيات الجحيم وهو يمزح مع صاحبه؛ فأينَ هذا من تلك الآية الكريمة؟.. هل هذا هو الإيمان؟.. هذهِ الآية تعطي ضوابط ومعايير الإيمان، وهي ليست بحديث رواهُ البخاري أو الكافي، إنما هذا كلامُ رَب العالمين.. فالذي يبحثُ عن منام أو عن مُكاشفة كي يطمئن على نفسه، عليه أن يُحكّم هذا المقياس.. فحتى زيارة المشاهد ليست بمقياس، وإن كاد الزائر يُغمى عليه؛ فهذه ليست بعلامة القُرب!.. أينَ قولهُ تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، و﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَر﴾ِ؟.. أين الحديث القائل: (من لن تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ فلا صلاة له)؟.. هَب أن الإنسان صلى داخلَ الكعبة، وتوضأ بماء زمزم؛ ولم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ فما قيمة تلك الصلاة؟!.. لذا لابد من إعادة دراسة الأمور من جديد!..

ثالثاً: التفكر.. إن من قنوات الانقلاب وتغيير وجهة الحياة: التفكر، ولهذا فإن “تفكر ساعة؛ خير من عبادة سبعين سنة”.. أي أن المؤمن يجب أن يجلس مع نفسه، وينظر هل هو في الطريق الصحيح؟.. وما الذي قدمه لآخرته؟.. فرَحِمَ الله من عَلِمَ: من أين، وفي أين، وإلى أين!.. والمشاهد المشرفة هي أفضل مكان للتفكر والتدبر والتأمل!.. أحدهم التزم بأربعينية معينة، ففتحت له الأبواب، وأصبح من الصباح ينتظر الليل حتى يخلو بربه، وأخذ يرى التجلي الإلهي في كُلِ حركةٍ وسَكنة، ولم يعد يتحمل الجلوس معَ الغافلين!.. هذا الإنسان لا يتجرأ أن يذهب لزيارة الإمام عندَ الضريح؛ لأن هذا المقام مقامٌ عَظيم، لذا فهو يحوم حولَ الحَرم فقط، وينتقل من رواقٍ إلى رواق، وعبادته في ذلك المكان هي التفكر!.. فهو يرى حولَ الضريح ما لا نراهُ نحن!.. بينما نحنُ ندخل من الباب إلى الضريح مباشرة دون استئذان، ولا رقة قلب، ولا دَمعة، وكأنَّ هذا بيت العَمِ والخال!..

الدرس العملي:
1. اكتشاف البوصلة: إن المؤمن عليه أن يكتشف البوصلة، أو أن يجعل في حياته بوصلة جديدة.. فكونه يعمل موظفاً في رتبةٍ عالية، أو صاحب ثروة؛ فإن هذهِ البوصلة لا تفيده.. لذا عليه أن يجعلها جانباً، ولينظر إلى علاقته معَ رَب العالمين؛ لأن علاقته اليوم هيَّ علاقته في القبر، ألا نقرأ في الدعاء الشريف: (يا شفيق!.. يا رفيق!.. يا جاري اللزيق!.. يا ركني الوثيق)!.. أينَ نحنُ من هذا المعنى؟.. رَبُ العالمين في نظرنا إما مُعذب في نارِ جهنم، أو ممول في الجنة يعطينا الحور والقصور؛ أما علاقة الشفيقِ والرفيق، والمعاني التي جاءت في مناجاة المتوسلين: (يا خير من خلا به وحيد)؛ فإننا نتركها للأنبياء والمرسلين!.. ولكن كُلَّ واحدٍ منا مُرشحٌ لهذا المقام، مُرشح كي يكون خليفة الله تعالى في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؛ فهذه الآية تفسر بأن كل إنسانٍ يَدب على وجه الأرض، هو مشروعُ خليفة، فقد يوفق وقد لا يوفق.

2. توحيد الهم: إن المؤمن يجعل له هَماً واحداً في الحياة.. لذا، فإنه عندما يصلي الفريضة من دونِ توجه؛ يبث شكواه إلى اللهِ عزَ وجل.. وعندما يستيقظ بعدَ طلوع الشمس؛ يبحث عن السبب الذي جعله مطروداً من صلاة الفجر.. وعندما يقع في حرام من دون اختيار؛ يبحث عن السبب.. أي أنه يجعل جهازاً رقابياً على هذا القلب، لينظر ما هيَّ موجبات الإقبال وموجبات الإدبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى