خطب الجمع

سلامة القلوب

الجهات الخبيرة بالنفس..
إن الإنسان ليسَ مُلزماً بتعلم طب الأبدان، فهذا العلم يحتاج إلى سنوات طويلة، وأعمارنا ليس فيها متسع، وليسَ كُل إنسانٍ مُستعداً لذلك.. أما طُب الأرواح وطب القلوب؛ فإنه أمرٌ لابدَ منه!.. حيث أن كُل واحدِ منا هو طبيبُ نفسه؛ لأن كثيراً من أمراض القلوب، لا يتجرأ الإنسان على التفوه بها، فلو ذكرَ ما في قلبهِ من الهواجس الباطلة، ومن الخلوات المُحرمة؛ لسقطَ من أعين الناس؛ ولهذا لا يذكرها لأحد!.. وعلى فرض أنّهُ ذكرَ ما في قلبهِ لعالم أو لمُرشد وموجه؛ فما يقولهُ باللسان لا يكشفُ عن واقعه؛ بخلاف المرض الذي يصيب الجلد مثلاً؛ فإن هذا المرض يراهُ المريض والطبيب على حَدٍّ سواء، بل قد يراه الطبيب بشكل أدق مما يراهُ المريض.. أما في عالم القلوب: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ؛ كُلُ واحدٍ منا أخبرُ بنفسه.. ولكنّ هُنالكَ جهتين هُما أخبرُ من الإنسان:

الجهة الأولى: الله جلا وعلا.. فهو خالق القلوب، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وفي آية أخرى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى؛ فالإنسان الذي يُضمر لأخيه سوءاً هذا سِر، ولكن الأخفى من هذا السر؛ هي الهواجس التي لا يلتفتُ إليها الإنسان رغم أنها في باطنهِ؛ ولكن رَب العالمين يعلمها.. وقد ورد في تفسير الميزان: “وإن تجهر بقولك وأعلنت ما تريده – وكأن المراد بالقول ما في الضمير من حيث إن ظهوره إنما هو بالقول غالباً- أو أسررته في نفسك وكتمته، أو كان أخفى من ذلك، بأن كان خفياً حتى عليك نفسك؛ فإن الله يعلمه”.

الجهة الثانية: الشيطان.. بما أن الشياطين أعمارها طويلة؛ فإنها تعرف أجداد الإنسان، وتعلم الصفات الوراثية التي انتقلت إليه منهم.. وتعلم ما كان عليه الإنسان في كل مراحله، منذ الصغر مروراً بسن المراهقة التي قد ينساها الإنسان، أما الشياطين فلا يمكن أن تنساها!.. فهي تعلم أنه كان إنساناً تغلبُ عليه الشهوة، أو يغلبُ عليه الغضب، أو يغلبُ عليه الوهم؛ أي تعلم منافذ الشر لديه!..

فإذن، لابدَ لكُل واحدٍ منا أن يكون طبيب نفسه، ومن لم يُعالج نفسهُ في الدُنيا؛ فإن علاجهُ سيكون في سكرات الموت، وفي البرزخ، ويوم القيامة.. فرب العالمين لا يُدخل الجَنّةَ مريضاً؛ لأن الجَنّة هي دارُ الأصحاء.. وهذهِ الصحة تأتي بعد أن يلبث المؤمن في نار جهنم أحقاباً؛ والأحقاب سنوات طويلة جداً ربما ألف سنة، أو مليون سنة، الله أعلم بحقائق الأمور!.. لذا علينا أن نعالج أنفسنا بما تبقى، كي ندخل الجنة سالمين!..

القلب السليم..
ما هو القلب السليم؟.. إذا عرف الإنسان معنى السلامة؛ فإنه يسعى إليها.. وقد ورد ذكر القلب السليم في القُرآن الكريم، وفي السُنّة النبوية الشريفة:

أولاً: في القرآن الكريم..
إن القرآن الكريم يذكر القلب السليم في آيتين؛ هما:

الآية الأولى: يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ..
1.
﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ: إن إبراهيم (عليهِ السلام) مِصداقٌ للقلب السليم!.. وإبراهيم (عليهِ السلام) -على بعض الآراء- أفضل الأنبياء بعدَ النبي (صلی الله علیه)، فهو من أولي العَزم؛ وذلك لأنّهُ تجاوز الاختبارات الإلهية بنجاح، يقول تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا.. ومَرجعُ الضمير في كلمة ﴿شِيعَتِه يعودُ إلى نبي الله نوح (عليه السلام)، فكلمة التشيع هي أفضلُ تعبير عن الولاء للمذهب وللدين!.. إبراهيم (عليه السلام) من شيعة نوح (عليه السلام)؛ أي من أتباعه ومن مواليه، وممن يقتفي أثره.. وشيعة علي (عليه السلام) هُم شيعة النبي مُحمد (صلی الله علیه)، لأن علياً من شيعة النبي، فقد روي عن علي (عليه السلام) في وصف الرسول (صلی الله علیه) أنه قال: (ولقد قرن الله به من لدن كان فطيماً أعظم ملَك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره.. ولقد كنت معه أتّبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كلّ يومٍ علماً من أخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به.. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوة).. وكانَ يمشي خَلفَ النبي (صلی الله علیه)، ويضع رجله في موضع رجل رسول الله (صلی الله علیه).. فإذا كان علي (عليه السلام) في مشيتهِ يمشي على أثرِ أقدام النبي (صلی الله علیه)؛ فكيفَ بسلوكه؟.. وكيفَ بعقائده؟..

لذا، فإن المؤمن يفتخر بأنه ممن شايع علياً (عليه السلام)، وشايع النبي (صلی الله علیه)، وشايع إبراهيم (عليه السلام)؛ والكل من شيعة نوح (عليه السلام)؛ لأنَ إبراهيم (عليه السلام) من شيعة نوح (عليه السلام)، والنبيُ (صلی الله علیه) من ذُرية إبراهيم (عليه السلام).. فالنبي اتبعَ ملة جَدهِ إبراهيم (عليه السلام)، والشيعي هو المُتابع؛ ويكفي الإنسان فخراً أن يُتابع النبيَ وآله!.. وقد استعمل القُرآن الكريم هذا التعبير؛ لبيان مُتابعة الأنبياء لبعضهم البعض.. حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ.

2. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: إن بعض المؤمنين يقيمُ الليل مثلاً، ولكن في النهار زوجتهُ لا تحترمه، وفي العمل يُهان، فيتساءل قائلاً: يا رب، أينَ أثرُ صلاة الليل؟.. فصلاة الليل تُعطي الهيبة، وتُعطي النور، وتُعطي العَظمة عندَ اللهَ عزَ وجل؟!.. ولكن ليس بالضرورة أن الإنسان الوجيه عندَ الله تعالى، يكون وجيهاً عندَ الناس أيضاً!.. نعم، من كانَ لله كانَ اللهُ لَه، (ومن أصلح فيما بينه وبين الله عزّ وجلّ، أصلح الله له فيما بينه وبين الناس)؛ ولكن هناكَ استثناءات!.. فالأنبياء والمرسلون؛ هم أكثر الناس تعرضاً لأذى الكافرين!..

فإذن، على المؤمن أن يأتي ربه بقلبٍ سَليم، ولا يلتفت إلى الأغيار!.. عليه أن يكون للهِ عَبداً، ولا ينظر إلى انعكاس ذلك.. فليس كل إمام جماعة -مثلاً- تلتف الناس حوله، ويطرحون عليه الأسئلة: قد يكون هناك إمام جماعة قرأ كتباً كثيرة، وتفقه في الدين، ولكن لا يسألهُ سائل.. وهناك إمام جماعة تلتف الناس حوله بكثرة!.. المؤمن لا ييأس، عليه أن يكون جميلاً عندَ اللهِ عزَ وجل، ولا ينظر إلى مرايا الآخرين؛ لأن هذهِ المرايا تُكسر في يومٍ من الأيام.. وهذا أمرٌ مُهم؛ لأنَ البعض يمشي في طريق العبودية؛ ولا يرى الآثار الدنيوية لتلك العبودية.. بينما يقول تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ؛ أي الإنسان عليه بكسب القلب السليم!.. فالإنسان الذي يجلس في المنزل ويقرأ مُناجاة المُحبين والتائبين، ولكن في مقام العمل يعمل ما يُبَعدهُ عن الله عزَ وجل؛ فهذا إنسان أعماله تناقض أقواله!.. ولا يمكن للإنسان أن يطلب قلباً سَليماً، وجوارحه مُلوثةٌ بالمعاصي.. لذا، لابد أن يأتي بقلب سليم أولاً.

الآية الثانية: يقول تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾..
1.
﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾: المال نتصدق به، وبالمالِ نعتمر ونَحج، والأولاد صدقة جارية بعدَ الموت؛ لأنهم يدعونَ لآبائهم؛ فكيفَ يقول تعالى: ﴿لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ والنَكرة في سياق النفي تُفيد العموم؟!.. هُناكَ جوابان:

الجواب الأول: إن المال لَهُ ثلاث جهات:
أ- جهة حقيقية:
وهي عبارة عن القطع النقدية التي تكون في حوزة الإنسان.
ب- جهة اعتبارية:
وهي عبارة عن الحقيقة التي تكون في القلب، حيث أن القلب يقول: هذا المال لي لا لغيري؛ أي هُناكَ انتسابٌ بينَ هذا المال وبين الإنسان.
ج- جهة أخروية:
أي أن يتحول المال الذي في جيب الإنسان، والذي يعتبره ماله؛ إلى زاد للآخرة.

إن هذهِ العُلقة القلبية، واعتقاد الإنسان بأنَ المال ماله؛ لا ينفعه!.. لأن العلاقات الاعتبارية تتقطع يومَ القيامة؛ أي كونُ هذا الإنسان وَلده؛ لا ينفعه انتسابهُ إليه، يقول تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ، كل شيء هو ملك لله وحده ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.. وبالتالي، فإن هذهِ العُلقة الانتسابية لا قيمة لها، والمالُ الذي في الجيب أيضاً لا قيمة له؛ ولكن تصبح له قيمة عندما يخرج إلى يَد الفقير.. وعليه، فإن المال لَهُ ثلاث جهات: جهة حقيقية: وهي المالُ الذي في الجيب أو في الحساب؛ فهذا لا قيمة له.. وجهة اعتبارية: فإذا نُفخَ في الصور لا مالَ ولا بنون تنفع الإنسان.. أما الجهة الثالثة، وهي التي تنفع الإنسان: فهي المال الذي يتحول إلى زاد للآخرة، فقد روي عن رسول الله (صلی الله علیه) أنه قال: (الدنيا مزرعة الآخرة).

فإذن، إن المال الذي ينفع، هو المال الحقيقي لا الاعتباري؛ والحقيقي الذي يتحول إلى يد الفقير، لا الذي في الجيب!..

الجواب الثاني: إنَ المال إذا اقترنَ بالقلب السليم، تحوّلَ إلى مالٍ سَليم!.. والولد الذي لهُ أبٌ قلبه سليم؛ يتحوّل إلى ولد سليم.. فإسماعيلَ الذبيح (عليه السلام) بَلغَ ما بلغ لما قامَ بهِ أبوه إبراهيم (عليه السلام).. فلولا اقتراح إبراهيم (عليه السلام) لذبحِ إسماعيل، لما استسلمَ إسماعيل (عليه السلام).. ولولا استسلام إسماعيل (عليه السلام)؛ لما كان على رأس قائمةٍ من الصالحينَ والأولياء.

2. ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.. جاء في تفسير الميزان: “لكن من أتى الله بقلب سليم؛ فإنه ينتفع به.. والمحصل أن مدار السعادة يومئذ على سلامة القلب، سواء كان صاحبه ذا مال وبنين في الدنيا، أو لم يكن”.

ثانياً: في السُنة النبوية الشريفة..
إن البعض يعتقد أن القلب السليم؛ هو القلب الطيب.. ويطلقونه على الإنسان الذي لا يبخل بماله على أحد، ولا يتكلم على أحد، ولا يفتري، ولا يتهم، ولا يسرق، ولا يزني.. وقد يكون إنساناً لا يُصلي، أو امرأة لا تتستر بحجابٍ شرعي؛ هذهِ هيَ الطيبة العرفية!.. ولكن ليسَ هذا هو القلب السليم؛ هذا إنسانٌ طيبٌ عُرفاً؛ أما السليم باصطلاح روايات أهل البيت (عليهم السلام) فله معنى أدق وأعمق!..

1. الرواية الأولى: سئل النبي (صلی الله علیه) عن القلب السليم، فقال: (دينٌ بلا شَكٍ وهوى، وعَملٌ بلا سُمعةٍ ورياء)..
أ-
السلامة العقائدية.. يقول النبي (صلی الله علیه): (دينٌ بلا شَكٍ)؛ أي القلب المُرتاح إلى العقيدة الصحيحة.. فما الفائدة من إنسان يُعطي عطاء حاتم الطائي؛ وهو يكفرُ بالله تعالى؟.. وما قيمة إنسان لهُ ما لهُ من الإكرام؛ وهو لا يعتقدُ اعتقاداً صحيحاً؟.. فإذن، إن الخطوة الأولى هي العقيدة الصحيحة.. وهذهِ الأيام كَثُرَ الكلامُ في الدين، في الفضائيات وفي الإعلام: في المسموع، والمرئي.. البعض -مع الأسف- بمثابةِ إنسان لم يأخذ اللقاح المضاد للأمراض، ويذهب إلى مستنقع الوباء؛ هل هذا إنسان عاقل؟.. فالإنسان الذي يريد الاستماع إلى حديث عقائدي، فيهِ ما فيهِ من الجَدل، ومن الكلام المموه، ومن السفاسف.. عليه أن يكون مُحققاً، أو عالماً، أو متفقهاً؛ كي يميز الغَث منَ السمين!.. أما إن لم يكن كذلك ويستمع لإنسان ينطقُ عن الشيطان، فقد روي عن الإمام الجواد (عليه السلام) أنه قال: (من أصغى إلى ناطق فقد عبده: فإن كان الناطق عن الله؛ فقد عبد الله.. وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس؛ فقد عبد إبليس)، بحجة التثقف وزيادة المعلومات؛ فهذا إنسان غير عاقل، ويُخشى عليه من الوقوع في الشبهة!.. وعليه، فإن المؤمن لا يَسمعُ إلى كُلِ ما هَبَّ ودَب.. نعم، المُحصن عَقائدياً، الذي مَرَّ في دورة عقائدية بإمكانه الاستماع؛ وإلا فإن عُمر الإنسان محدود؛ فلماذا يصرفه في الأباطيل؟!.. وهُناكَ مُشكلة: أن الشيطان يَدخلُ على الخَط، فعندما يُؤتى بالشُبهة؛ هذه الشبهة لها جواب في كُتب القَوم؛ ولكنَ الشيطان يُعظم الشُبهة، ويُبهمُ الجواب.. فالإنسان الذي لم يأخذ المضاد الحيوي، يتلقى الشُبهة بكُلِ سهولة، وتأخذ الشياطين بتغذيتها؛ فيقع فريسة للمرض.

ب– الاستقامة العملية.. إن كلام النبي (صلی الله علیه) هو سيدُ الكلام، يقولُ: (دينٌ بلا شَكٍ وهوى).. ليسَ الكلام دائماً في الانحراف العقائدي، بعض الناس ولاءهُ واعتقادهُ باللهِ وبالنبي وآله كالجبل الراسخ!.. البعض يقول: لو جاءَ أهل الأرض ببراهين على عدم أحقية أهل البيت؛ فإن ذلك الأمر لا يُحركني أبداً؛ فهؤلاء هُم الحَق، وهُم الصراط المستقيم؛ هذا أمر جيد!.. ولكن في مقام العمل تراهُ متعثراً، إنساناً صاحب هوى.. فهنا الاستقامة العقائدية، لم تُلازم الاستقامة العملية!.. بينما الإنسان المحب لأهل البيت (عليهم السلام) لا يتقاعس عن العمل، ولا ينظر إلى “علي” بعنوان “الشفيعِ” فقط، فيعمل في الدُنيا ما يعمل، ويوكل الأمرَ إلى حيدر؛ بل عليه أن يكون مستقيماً!.. فأئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا في قمة الورع، وهذه الزهراء (عليها السلام) التي هيَّ شافعةُ المَحشر، كانت تقفُ ليلة الجُمعة في محراب العبادة، حتى تتورم قدماها.. وهذا المتقاعس يكتفي بانتسابه لأهل البيت، وإلقاء بعض الأبيات من الشعر؟!..

ج- الإخلاص.. يقول رسول الله (صلی الله علیه): (وعَملٌ بلا سُمعةٍ ورياء)؛ أي الإخلاص بالعمل، وعدم إتباع الهوى، وعدم الفرح بثناء الغير.

2. الرواية الثانية: سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال: (القلب السليم الذي يلقى ربه، وليس فيه أحد سواه)، وقال: (وكلُّ قلب فيه شكُّ أو شرك؛ فهو ساقط.. وإنما أرادوا الزهد في الدنيا، لتفرغ قلوبهم للآخرة)..

إن الإمام الصادق (عليهِ السلام) وهو السادسُ من أئمة أهل البيت (عليه السلام) يصفُ القلبَ السَليم من زاويةٍ أخرى، جدهُ المصطفى (صلی الله علیه) قال: (دينٌ بلا شَكٍ وهوى).. ولكنَ الإمام الصادق (عليهِ السلام) ذَكرَ مرتبةً أُخرى: قال: (القلب السليم الذي يلقى ربه، وليس فيه أحد سواه)؛ وهذا معنى عرفاني عَميق لا يعرفهُ إلا الخواص، فالقضية ليست قضية هوى فحسب!.. وصف النبي (صلی الله علیه) القلب السليم بأنه: (عَملٌ بلا سُمعةٍ ورياء)؛ ولكن أينَ الطريق إلى عَدم الرياء؟.. فالبعضُ يُجاهد نفسهُ، ولكنه يُخلص يوماً، ويُرائي يوماً.. الإمام الصادق (عليهِ السلام) وضعَ يَدهُ على العِلة، فقال: (وليس فيه أحد سواه)؛ أي إن الإنسان الذي لا يريد أن يكون مرائياً؛ عليه أن لا ينظر إلى أحدٍ سوى الله عز وجل!.. لأن القلب الذي لا يرى أحداً؛ لا يُرائي!.. مثلاً: الإنسان الذي يصلي صلاة الليل في غرفة فيها طفل رضيع؛ هل يمكن أن يكون مرائياً؟!.. المؤمن هكذا لا يرى وزناً لأحد في الكون، وبالتالي فإنه لا يرائي أحداً.. ما قيمة هذا فالإنسان الفاني، أو حتى آلاف الناس؟!.. الجميع مصيرهم إلى الفناء!.. إذا كانَ الواحدُ لا وزنَ له، فالاثنين كذلك.. مثل الشيك الذي فيه ملايين الأصفار؛ فإنه مهما زادات الأصفار لا قيمة له، إن لم يكن هناك رقم على يساره!..

فإذن، إن النبي (صلی الله علیه) ذَكرَ الأثر فقال: (عَملٌ بلا سُمعة ورياء).. وولدهُ الصادق (عليهِ السلام) ذكرَ العِلة، فقال: (وليسَ فيهِ أحدٌ سواه).. أي أن القلب الذي سَلِم من حُب الدُنيا، من مصاديق معاني القلب السليم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى