خطب الجمع

 النساء المتميزات في التاريخ

إن التأريخ مليءٌ بالنماذج العالية من النساء والرجال، فعن رسول الله (صلی الله علیه) أنه قال: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربعة: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد).. فإذن، هُنالكَ مجموعة متميزة من النساء؛ ولكن ما هي موجبات تميزهن؟..

الشخصية الأولى: آسيا بنت مزاحم..
إن
هذهِ السيدة كانت تعيش في أسوءِ ظروف يمكن لامرأة أن تعيشها!.. فهي زوجة أعتى رَجل في تأريخ البشرية، إنسان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى، هذهِ العبارة السخيفة التي يهتزُ لها عَرشُ الرحمن، لم ينقلها القُرآن الكريم عن غيرِ فرعون.. وإذا بآسية تَعيش في كَنفِ هذا الزوج، ولكن أنظروا إلى إيمانها الذي أصبح يُضرب فيه المثل، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.. فهذه المرأة مثالٌ للجميع، وحُجةٌ على الجميع: نساءً ورجالاً، فقد قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ آمَنُوا؛ أي لم يَقل لخصوص النساء، بل هي مثل للرجال أيضاً.. والذي جعل آسية متميزة ومضرباً للمثل؛ هو:

– استقامتها.. إن استقامة آسية في مجال العقيدة، هو الذي جعلها متميزة، فهي لم تكن مُتعرضة لفتنة الرجال -مثلاً- لأنها كانت تعيش في قَصر فرعون، ولا أحد يجرؤ على الدخول إلى ذلك القصر!.. إنما استقامت في عبادة رَبِها، وتحملت الرياح المُعاكسة.. وبالتالي، فإن على المغترب أن يعلم: أنَ الاستقامة في المجتمعات الفاسدة؛ من موجبات هطول الرحمة الإلهية والتَميز، كتميز هذهِ المرأة الجليلة.. وهذه الآية القرآنية ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فيها نُكتة بلاغية:

أولاً: قال القرآن الكريم: ﴿امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ ولم يقل: زوجة فرعون؛ لأن الزوجية رباط مُقدس.

ثانياً: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾.. علماء التفسير عندما يصلونَ لهذهِ الآية، يشيرونَ إلى نوعينِ من النعيم؛ هما:
1.
العندية.
2.
الجَنة.
إن بيوت الجنة على درجات، فهذه الأيام “البيوت” تُطلقُ على الأكواخ في الغابات، وتطلق على القصور؛ فهذا بيت وهذا بيت.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى بيوت الجَنةِ، فهي على درجاتٍ لا تحتملها العقول!.. بَعضُ هذهِ البيوت عندَ اللهِ عزَ وجل، وآسية بنت مُزاحم تُريد قَصراً مُتميزاً من هذا النوع: هذا القصر فيهِ نَعيم مادي، وفيهِ نعيم معنوي أيضاً؛ وهو قرب رب العالمين!..

ثالثاً: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.. إن آسية كانت مُبتلاة بزوج شرير، وبمجتمع فاسد، لذا طلبت من الله -عز وجل- النجاة.. والمؤمن أيضاً إذا ابتلي ببيئة منحرفة، عليه أن يسأل الله -عز وجل- أن يُنجيّه منها.. فالبعض يذهب إلى بلاد الغرب لإكمال دراسته، وإذا به يصبح مواطناً في تلكَ البلاد.. وعندما يرجع لزيارة وطنه، يكون إنساناً ممسوخاً: في دينهِ، وفي عقلهِ، وفي زيهِ، وحتى في ذُريته.. بينما المؤمن الحريص على دينه، إن اضطر للذهاب إلى تلك البلاد: سواء في رحلة علاجية، أو سفرة دراسية؛ فإنه يعود إلى بلاد المؤمنين، حيثُ كلمة “لا إله إلا الله” ترتفعُ من المآذن، حيث صلاة الجُمعة والجماعة.. ولكنّ هناك فَرداً واحداً فقط، هذا الإنسان بقاؤهُ في بلاد الغَرب خَيرٌ له، وإنما بشرطِ عَدم تأثر عائلتهِ وأولادهِ: وهو الشخص الذي يقوم بنشر الدين، وترويج شريعة خاتم المُرسلين.. وهذا ينطبقُ على العُلماء، وعلى من هو في رَكب العُلماء ومُلحَق بِهم؛ وإلا عامة الناس فإن عليهم أن يطلبوا من الله -عز وجل- النجاة من القَوم الظالمين.

الشخصية الثانية: مريم ابنة عمران..
إن الله -سبحانه وتعالى- لم يذكر في كتابه الكريم امرأة باسمِها الصَريح، إلا مريم (عليها السلام)؛ وهذهِ ظاهرة مُلفتة في القُرآن الكريم، فقد ورد اسمها حوالي 34 مرة.. يقول تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ.. والذي جعل مريم (عليها السلام) متميزة:

أولاً: العفة.. الكلام هُنا ليسَ عن فرعون، ولا عن زَوجٍ مُشاكس، ولا عن بيئةٍ مُزعجة، وإنّما الكلام عن العِفة.. فهذه المرأة وَصلت إلى هذا المقام؛ باستحيائها وعفتها حَملت من عالم الغيب، ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾؛ هنيئاً لها بهذا الحَمل المُبارك!.. ولكنها مع ذلك قالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾؛ فهي لا تحتمل أن يُقال بأنّها امرأة بَغية، رَغمَ أنّها تَعلم ما هيَّ فيه.

ثانياً: الإيمان.. إن العفيفات في التأريخِ كَثيرات، ولكن مَريم ابنة عِمران عندها أيضاً بعد إيماني ومعنوي، يقول تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ؛ أي هُناك جَو عبادي، وهُناكَ قنوت، وهناك إنابة، وهناك خضوع.. وأيضاً هُناكَ إيمان مُتغلغل عَميق في الباطن.

فإذن، إن مريم تميزت لعفتها وعبادتها المتميزة، فقد اتخذت محراباً ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أيضاً طعامها كان إلهياً، كما أن منزل آسية كانَ منزلاً إلهياً.. وبالتالي، فإن من أرادَ التميز، عليهِ: بالإنابةِ، والعِفة، والإيمان العَميق؛ ليكونَ في رَكب الصالحينَ والصالحات.

الشخصية الثالثة: خديجة بنت خويلد..
السيدة خديجة بنت خويلد،
هي أم المؤمنين، وأُم الزهراءِ (عليها السلام).. وقد كان لها مكانة عظيمة عند خاتم النبين (صلی الله علیه) تقول السيدة عائشة زَوجة النبي (صلی الله علیه): (كان محمد (صلی الله علیه) لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها.. فذكر -عليه الصلاة والسلام- خديجة يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً فأبدلك الله خيراً منها؟!.. فغضب ثم قال: “لا والله ما أبدلني الله خيراً منها؛ آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء”).. فقالت عائشة: (يا رسول الله!.. اعف عني، ولا تسمعنى أذكر “خديجة” بعد هذا اليوم بشيء تكرهه).. وفي رواية أخرى: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه) إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَمُ مِنْ ثِنَاءٍ عَلَيْهَا وَاسْتِغْفَارٍ، فَذَكَرَهَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَاحْتَمَلَتْنِي الْغَيْرَةُ فَقُلْتُ: لَقَدْ عَوَّضَكَ اللَّهُ مِنْ كَبِيرَةِ السِّنِّ.. قَالَتْ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه) غَضِبَ غَضَبًا سَقَطْتُ فِي خَلَدِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اللَّهُمَّ!.. إِنَّكَ إِنْ أَذْهَبْتَ غَضَبَ رَسُولِكَ عَنِّي، لَمْ أَعُدْ أَذْكُرُهَا بِسُوءٍ مَا بَقِيتُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه) مَا لَقِيتُ، قَالَ: “كَيْفَ قُلْتِ؟.. وَاللَّهِ لَقَدْ آمَنَتْ بِي حِينَ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَآوَتْنِي إِذْ رَفَضَنِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَرُزِقَتْ مِنِّي الْوَلَدَ إِذْ حُرِمْتُمُوهُ مِنِّي”..).. فالسيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) كانت:

أولاً: مؤمنة برسول الله (صلی الله علیه).
ثانياً:
مأوية لرسول الله
(صلی الله علیه).
ثالثاً:
مُصدّقة برسول الله
(صلی الله علیه).
رابعاً:
مُغنية لرسول الله
(صلی الله علیه).
فإذن، الذي جعل هذه المرأة متميزة هو:

– الفناء في خِدمة الدِين.. إن خديجة (عليها السلام) كانت امرأة ثرية جداً، ولكنها أصبحت في عداد النساء العاديات من الناحية المالية؛ لأنّها بَذلت كل ما لديها بينَ يدي زوجها، ولم تصرفه في شراء الذَهب والحُلي والحُلل والقصور وما شابه ذلك!..

وبالتالي، فإن من أرادَ التميز؛ فليسخر ما عندهُ في خدمة الدين.. والشرع قد سمح للإنسان أن يتصرف بثلث أموالهِ، ويجعله في طاعة الله عز وجل.. فلولا الثلث والخمس؛ لما شِيدت هذهِ المعالم في حياة الأُمة: المساجد، والمكتبات، والكُتب، والحوزات العلمية؛ كل هذه الأمور من بركات هذهِ الأموال.. فرَب العالمين أذنَ للإنسان أن ينفق ثلث ماله في سبيل اللهِ -عزَ وجل- حَياً وميتاً؛ وهو حي له الحَق في التصرف في كُلِ ماله؛ كتصرف خَديجة في مالها.. كانَ بإمكانِ خَديجة أن تبقى غنية مُترفة وتقول: يا رسول الله!.. أنتَ وصيي من بَعدِ موتي، خُذ ثُلثَ أموالي في دَعمِ فقراءِ مَكة وغيرِ ذلك، ولكن هيَّ في حياتها أنفقت كُلَ ما عندها.

الشخصية الرابعة: السيدة نرجس..
هذهِ السيدة هي أمُ صاحبِ الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).. والإمام (عليه السلام) عندما يُقيم العَدل العالمي، فإن مليارات البَشر تتمتع بهذهِ العدالة؛ وهذا ثوابهُ يعودُ لهذه السيدة الرومية التي تشاركه الأجر.. ولكن لماذا تميزت هذهِ السيدة الجليلة؟.. ولماذا جعل رَب العالمين في رَحمِها نطفة خاتم الأوصياء، طاووسُ أهل الجَنة؟..

أولاً: حبها لإمام زمانها.. عندما ذَهبَ وكيل الإمام ليشتريها، يقول الراوي: (فكتب كتاباً لطيفاً بخط رومي، ولغة رومية، وطبع عليه خاتمه… فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولانا (عليه السلام) من جيبها وهي تلثمه وتطبقه على جفنها، وتضعه على خدها، وتمسحه على بدنها.. فقلتُ -تعجبا منها-: تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه؟.. قالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء)!.. هيَّ تستحق أن تكونَ أُماً لمهدي هذهِ الاُمة، فقد كانَ بإمكانِها أن تأخذ كتاب الإمام العسكري (عليهِ السلام) وتقرأ الكتاب وتقول: الحمدُ لله على هذهِ النعمة، ولكنها بَكت بُكاءً شَديداً، ومسحت الكتاب على بدنِها؛ وهذا يدل على شدة الحُب والذوبان في إمام العَصر.

ثانياً: عفتها.. أنظروا إلى سيرتها!.. في تِلكَ الأيام كانت المرأة التي تُباع في سوق الإماء، يتحكم بها الرجال، ويكشفونَ سترها، وينظرونَ إلى شعرِها مثلاً، ولكنها كما تقول الرواية: كانت (تمتنع من العرض، ولمس المعترض، والانقياد لمن يحاول لمسها)، وكانت تصرخ وتقول: (واهتك ستراه)!.. كانت تخافُ من أن يلمسها رَجُل، أو يكشف حجابها.

فإذن، إن الذي ميز هذه السيدة الجليلة، هو حبها لإمام زمانها وعفتها.. وبالتالي، فإن المرأة المؤمنة التي تُريد أن تحظى بنظرةِ إمامِ زمانها، عليها أن تنظر إلى والدة الإمام، وسلوكها، وعفتها، فقد كانت تصيح: واهتكَ ستراه!.. رغم أنها ما هُتكت، ولكنها كانت تخافُ من هَتكِ الستر.. بينما المرأةُ هذهِ الأيام -المُدعية الموالاةِ لإمامِ زمانِها- قد تهتكُ سترها وعِفتها بأدنى مُبرر؛ فأينَ التَبعية والانقياد لإمامها (عليه السلام)؟!..

الشخصية الخامسة: سيدة النساء فاطمة..
إن هناك أشياء كثيرة ميزت الزهراء (عليها السلام) عن باقي النساء، وجعلتها سيدة نساء العالمين، ولكن نكتفي هنا بأمرين:

أولاً: الكمال.. إن أحد العُلماء الموالين الذينَ كُشفَ لَهم بَعضُ الحُجب في مَعرفة مقامات أهل البيت (عليهم السلام) يقول: إن رَب العالمين في هذهِ الفترة القصيرة من حياتها، أعطاها من الكمالات ما يُعطى فيما لو بَقيت حية عشرات السنين.. أي أن رَب العالمين ميزها بأن أعطاها في هذا السن القصير من زمانِ بلوغها إلى استشهادها، ما يمكن أن يُعطى لها فيما لو عاشت مائة سنة.

ثانياً: الجزئية الكاملة.. إنّها كانت حقيقةً جُزءاً من رسول الله (صلی الله علیه)!.. والبُضعية هُنا ليست بمعنى الامتداد، فعليٌ (عليهِ السلام) أيضاً كانَ جُزءاً منَ النبي (صلی الله علیه) بمعنى من المعاني، والحُسين أيضاً من النبي (صلی الله علیه) (حسينٌ مني وأنا من حُسين) والزهراءُ من النبي (صلی الله علیه)؛ ولكن بمعنىً آخر: الزهراءُ منَ النبي (صلی الله علیه) بمعنى الجُزئية الكاملة؛ لأنه عندما ماتَ رسول الله (صلی الله علیه) ماتت فاطمة بعدَه بأيام.. فقد كانت روحها مُقترنة بروحِ رسول الله (صلی الله علیه)، لذا عندما ذهب النبي (صلی الله علیه) إلى الملكوت الأعلى، سحِبَ معه الزهراء (عليها السلام).. فهذه الحوراء الأنسية، لم تُطق العيش في هذهِ الحياة بعد أبيها.

الشخصية السادسة: السيدة زينب..
إن هناك أمرين مهمين ميزا السيدة زينب، هما:

أولاً: عرفانُها.. العرفان هُنا بمعنى المعرفة، أي معرفتها بربِها، وخضوعها بينَ يديه، أليست هي القائلة: (ما رأيتُ إلا جميلاً)!.. عندما سئلت: كيف رأيت صنع الله بأخيك؟.. وصلاة ليلها في ليلة الحادي عشر، لو جُعلت في كفة، وصلوات الليل للبشرِ في كفة؛ لكانَ لهذهِ الصلاة شأن متميز: فهي في تلك الليلة كانت تُصلي بين جُثث القتلى، وقد ذَهبَ رَمَقُها وهيَّ تَرفعُ يديها إلى السماء، وتناجي ربها بأدعية الليل قائلة مثلاً: (إلهي!.. غارت نجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابك مفتحات للسائلين) أو غيرها من أدعية قيام الليل.

ثانياً: صبرها.. إن البعض قد يكون لَهُ عرفان وفَهم: فهو يُقيم الليل، ويَعبدُ رَبه، ويذهبُ للمشاهد المشرفة: كالحج والعمرة والزيارة.. ولكنه ينامُ على فِراشٍ من حرير في بيته، ويؤتى لَهُ بالطعام اللذيذ صباحاً ومساءً؛ أي أنه إنسان يعيش التَرفَ في الحياة.. وهذا الإنسان مادام يَدفع الحقوق اللازمة، فهو من أهل الجَنةِ قطعاً؛ لأن الترف لا يُنافي المسائل الشرعية.. ولكن هناك فرقاً بينَ إنسان يعيشُ على فِراشٍ من حَرير، ويموتُ على فراشٍ من حرير، وبينَ هذهِ السيدة التي عاشت المحن والمصائب الكبرى!.. فمن أرادَ المقامات العُليا، فليستعد ويُعد نفسهُ للبلاء.. فالفقرُ بلاء، والمرضُ بلاء، والأذى في الحياة الأسرية بلاء، والتشتت والتشرذم أيضاً بلاء.

فإذن، إن المؤمن إذا أرادَ أن يتميز، عليه أن يطير بجناحين: جناح المعرفة الكاملة، وجناح الصبر على المحنِ والشدائد.

الشخصية السابعة: أم البنين..
إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يتزوجُ جُزافاً، حاشى لعلي أن تَكونَ زيجتهُ قضاءً لوَطر، أو أداءً لشهوة!.. لذا قال لأخيه عقيل -وكان نسّابة عالماً بأخبار العرب وأنسابهم-: (ابغِني امرأة، وقد ولدتها الفحولة من العرب؛ لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً)!.. فقال له: (أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية؛ فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس)!.. إن الجانب الوراثي هذهِ الأيام عُنصر مُهم، لذا لا ينبغي النظر إلى المرأة على أنها نبتة لوحدِها، إنما هي عبارة عن غُصن من شَجرة.. فقبل أن ينظر إلى جمالِها وشَكلِها ولونِها ولونُ عينيها، عليه أن ينظر إلى جذعها وجذورها؛ لأنها عناصر مؤثرة.. فالبعض قد يتزوج امرأة متعففة، ولكنها من أسرة منحرفة.. وإذا بها بعدَ أيام من الزواج، تعودُ إلى فرعها؛ لأن المرأة تَحن إلى أصولها.. صحيح هي ترتدي العباءة الزينبية -مثلاً- ولكنها لم تقم بذلك إلا كي تستولي على قلب الرجل.. أما في مقام العمل: فعندما تصل إلى مآربِها؛ فإنها تَرجع إلى بيئة أهلها وأخواتها.

إن هدف أمير المؤمنين (عليه السلام) من الزواج من هذهِ المرأة، هو أن تلدَ له غُلاماً فارساً.. والفروسية صفة من الصفات، أما مسألة الإيمانِ والتقوى؛ فهذا أمر مفروغٌ منه.. هو يُريدُ ناصراً لولدهِ الحُسين (عليهِ السلام) في يومِ عاشوراء، فأمير المؤمنين ليلة اقترانهِ بهذهِ السيدة، يُفكرُ في بَطلٍ فارس يَنصرُ ولدهُ الحُسين الشهيد (عليه السلام).. وقد أحسنَ عَقيل الاختيار، لأنه عندما تزوج أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه المرأة الجليلة، وإذا بها تُنجبُ له أربعة فرسان، هم: العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان؛ ولهذا سُميت بأم البنين.

إن العباس أبلى بلاءً حسناً في يومِ عاشوراء، فكان نعم الأخ المواسي!.. لذا استحق عن جدارة تلك الزيارة التي وردت عن الأئمة (عليهم السلام) والتي جاء فيها: (السلام عليك أيها العبد الصالح، والصديق المواسي!.. أشهد أنك آمنت بالله، ونصرت ابن رسول الله، ودعوت إلى سبيل الله، وواسيت بنفسك.. فعليك من الله أفضل التحية والسلام)!.. وقد ظهرت المواساة من العباس، في رفضه شرب الماء قبل الحسين (عليه السلام) بعد أن اقتحم بفرسه الفرات، وكشف الرجال الذين كانوا يحمونه، فدخل الماء واغترف غرفة بيده، ثم تذكر عطش الحسين؛ فرمى الماء وقال قولته الشهيرة:

يا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده لا كنت أن تكوني
هــذا حسين وارد المنـون *** وتشربين بـارد المعين
والله مـا هـذا فعــال ديني *** ولا فعال صادق اليقين

أما الذي ميز أم البنين:
أولاً: الحب..
كانت تحمل حباً كبيراً لأبناء فاطمة (عليها السلام)، فقد قالت لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تسمني فاطمة!.. لأن الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم (عليهم السلام) يتذكرون أمهم، ويتأثرون بذلك، ولذا سمّاها (عليه السلام) بـ “أم البنين”.

ثانياً: المواساة.. إن مواساتها لزينب (عليها السلام) من الأمور التي ميزتها، وقد ظهر ذلك عندما وصلَ خبر استشهاد الحسين (عليه السلام) واستشهاد أولادها الأربعة.. فلما وقع بصرها على الناعي لم تسأله عن أبنائها، وإنما سألته عن الحسين!.. وحينما نعى إليها الناعي أولادها الأربعة، قالت: (قَطَعت نياط قلبي، أولادي الأربعة، ومن تحت الخضراء؛ فداء لسيدي أبي عبد الله الحسين (عليه السلام))!.. وكانت تخرج إلى البقيع، وتصنع صور قبور خمسة، وتجلس بينهم، وتندبهم بأشجى ندبة، وكان أهل المدينة يخرجون ليستمعوا ندبتها التي تقول فيها:

لا تدعوني ويك أُم البنين ** تذكّريني بليوث العرين
كانت بنون لي أُدعى بهم ** واليوم أصبحت ولا من بنين
أربعة مثل نسور الربى ** قد واصلوا الموت بقطع الوتين
تنازع الخرصان أشلاءهم ** فكلّهم أمسى صريعاً طعين
يا ليت شعري كما أخبروا ** بأنّ عباساً قطيع اليمين

الشخصية الثامنة: السيدة تكتم..
إن بعض أمهات الأئمة (عليهم السلام) متميزات، ومنهن والدة الإمام الرضا (عليهِ السلام).. فالسيدة تُكتم كانت من النساء المتميزات، والذي يميزها:

– عبادتها.. ورد في الرواية: (اشترت حميدة المصفّاة وهي أم أبي الحسن موسى بن جعفر -وكانت من أشراف العجم- جارية مولدة، واسمها تكتم، وكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها، وإعظامها لمولاتها حميدة المصفّاة، حتى أنها ما جلست بين يديها منذ ملكتها إجلالاً لها، فقالت لابنها موسى (عليه السلام): يا بني!.. إنّ تكتم جارية ما رأيت جاريةً قطّ أفضل منها، ولست أشكّ أن الله تعالى سيطهّر نسلها إن كان لها نسل، وقد وهبتها لك فاستوص بها خيراً، فلما ولدت له الرضا (عليه السلام) سماها الطاهرة.. فكان الرضا (عليه السلام) يرتضع كثيراً وكان تام الخلق، فقالت: أعينوني بمرضعة، فقيل لها: أنقص الدرّ؟.. فقالت: لا أكذب، والله ما نقص!.. ولكن عليّ ورد من صلاتي وتسبيحي، وقد نقص منذ ولدت).. طلبت مُرضعة، كي لا يختل شيء من عبادتها؛ أليسَ هذا مقام من المقامات العُليا؟!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى