خطب الجمع

مواقف الحسرة

القسم بالنبي (صلی الله علیه)..

إن الآيات التي فيها ذكر صريح لاسم النبي (صلی الله علیه)، هي عبارة عن أربع آيات فقط؛ ولكن مجموع القرآن فيه الكثير من الآيات الذاكرة والمادحة لحبيبه المصطفى (صلی الله علیه) ومنها هذه الآية: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.. فمن الأقسام المتعارفة في حياتنا، أن يقول الإنسان: “أقسم بحياة فلان”!.. ويذكر أعز إنسان على قلبه.. هذا القسم استعمله القرآن الكريم بالنسبة إلى الحبيب المصطفى محمد (صلی الله علیه).

 

الحياة النموذجية.. ﴿لَعَمْرُكَ﴾:

هذا قسم بحياة النبي (صلی الله علیه) لا بذاته (صلی الله علیه).. فالحياة هي رأس مال الإنسان، ولكن البعض يفرط فيه، ولا يحسن استثماره كما ينبغي، فيكون مآله إلى الخسران، ولا يعرف هذا المعنى إلا إذا فارق الحياة، وحينها لا ينفع الندم.. مثله كالسمكة التي لا تعرف قيمة الماء إلى أن تخرج منه وتتلوى يميناً وشمالاً، عندئذ تعلم أنها كانت تعيش في نعمة!.. والأمر كذلك بالنسبة إلى الإنسان: فإن أول ما يواجهه من عذاب القبر، قبل الضغطة، وسؤال منكر ونكير؛ هي الندامة على خسارة العمر، وأن هذا العمر ما صرف كما ينبغي.. وهذا المعنى يشمل حتى الصدّيقين، والعلماء الكبار والمراجع.. فلا أحد يدّعي أن حياته كلها، كانت كما أرادها الله عز وجل، وذلك لسببين:

 

أولاً: سن التكليف..

هناك فترة ما بعد البلوغ؛ هذه الفترة قلّ المتميزون فيها!.. حيث أنه ليس كل مؤمن وعالم كان ملتفتاً فيها، ومراقباً لنفسه منذ اليوم الأول من بلوغه!..

 

ثانياً: الغفلة..

هناك الغفلة بينَ الذكرين!.. المؤمن له حالة إيجابية في المشاهد المشرفة، ولكن في الطريق ذهاباً وإياباً، وبين مشهد وآخر؛ يعيش الغفلة!.. وفي موسم العزاء أيضاً له عزاء متميز، ولكن عندما يخرج من المجلس، إذا به يمزح مع من بجانبه!.. نحن لسنا في مقام التحريم، فالحرام له بحث آخر، الحرام: دمار، وحريق، وخروج عن الفطرة؛ إنما كلامنا في الحياة النموذجية!.. من منا على هذه الهيئة؟!.. ولهذا فإن من أشق الأعمال: أشق من جهاد العدو، ومن قيام الليل، ومن الفرائض، ومن الحج، ومن كل العبادات؛ هو (ذكر الله على كل حال).. لأن الحج ذكر في موسم، والصلاة ذكر في أوقات خمسة، وذكر الله -عز وجل- في صلاة الليل لا يتعدى ساعة من جوف الليل.. ولكن ذكر الله تعالى على كل حال، لون تصطبغ بهِ الحياة بكل صورها!..

 

سجن الدنيا..

إنه لمن المناسب جداً للمؤمن بين وقت وآخر، أن يراجع روايات الموت والبرزخ.. فالبعض عندما يريد السفر في الصيف إلى عاصمة جميلة؛ يبادر للتعرف على تلك العاصمة، ويقرأ كل ما يتعلق بها، من حيث المجالات المتاحة فيها، ومتاحفها وأشجارها، و..الخ.. ونحن مقدمون على سفر، ولا نعلم إلى أين نسير؟!.. فلو أن إنساناً حُكم عليه بالسجن لسنوات، وحسب المتعارف في دولته، أنها تعطي السجين مبلغاً من المال.. فكان هذا السجين يرسل هذا المبلغ إلى أهله، لبناء منزل له، كي يؤويه عندما يخرج.. بينما هناك سجين آخر أراد أن يتباهى بين رفاقه السجناء، فبدد هذا المال في بناء قصر له في السجن.. فأما الأول: فإنه بعد انقضاء هذه المدة وخروجه من السجن، سيستمتع بالحرية، وبذلك المنزل الذي قدمه أمامه، مما يؤمن له العيشة الطيبة.. أما الآخر: فقد ترك قصره خلفه!.. فكم ستكون حسرة هذا الرجل، وكم سيشعر بالضياع والحيرة؛ هذا الإنسان أليس السجن خير له من الحرية!.. نحن كلنا في هذه الحياة الدنيا سجناء -المؤمن والكافر في سجن الدنيا- والأحكام مبهمة، لا ندري متى نخرج منها، فقد يكون بعد شهر، أو بعد ساعات.. وإن كانت إرادة الله تعالى أن المؤمن سجنه مضيق، والكافر مستمتع في سجنه، كما ورد: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر).. نحن مسجونون، وسنخرج يوماً ما، طال الزمان أو قصر.. وهذا ما يؤمن به كل أصحاب الديانات الثلاث المعروفة: (الإسلام، والنصرانية، واليهودية) فكلها تعتقد باليوم الآخر.

 

صناديق العمر..

إن لحظات العمر هذه، تكون على شكل صناديق يوم القيامة، عندما توضع الموازين في المحكمة الإلهية؛ فكل ساعة تمثل صندوقاً، وتفتح هذه الصناديق واحداً تلو الآخر للحساب.. وقد يطول الموقف، فقد يحاسب الإنسان على ما عمل في خمسين أو ستين أو سبعين سنة، في ألف سنة!.. فالذي قدم للأمام، عملاً بهذه الآية: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾؛ فإنه يجد الصناديق مليئة بالجواهر، ويبعث على الفور إلى النعيم.. وكلما فُتح صندوق ورأى هذه الجواهر؛ تهلل فرحاً.. وبعض الصناديق يخرج منها النتن، وهي ما عمله من الحرام.. فالجسم البشري إذا أحدث تصدر منه روائح منتنة، ويتم رفع هذه الروائح الكريهة: بالطيب، والغسل، والوضوء.. والروح كذلك إذا أحدثت لها نتن، وقد يكون أشد من نتن الجسد!.. وتحتاج إلى استغفار بين يدي الله عز وجل.. ويا له من موقف حينئذٍ!.. فالإنسان كم يستحي أمام الله عز وجل!.. في الدنيا عادة الإنسان عندما يخجل يقول: ذبت خجلاً.. ولكن يوم القيامة، لا يقول: تمنيت أن أذوب خجلاً، بل: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾.. يتمنى لو كان أذل شيء في الوجود وما كان بشراً، يتمنى لو كان التراب الذي يدوسه برجليه على الأرض!..

 

الصنادق الفارغة..

إن معظم صناديق المؤمنين لا يغلب عليها النتن، لأنه مؤمن.. ولا تغلب عليها صناديق الجواهر، لأنه ليس في طاعة دائماً.. ولكن المصيبة في الصناديق الفارغة!.. فلا هي جوهرة، ولا جيفة، أعمارنا هكذا!.. فمن ينام بلا نية ثمان ساعات – والبعض ينام عشر ساعات- هذه الثمان ساعات لا هي جيفة ولا جوهرة، هي صناديق فارغة.. والذي يأكل بلا نية؛ هذه الساعات التي يمضيها؛ هي صناديق فارغة.. والذي يعمل بلا نية ثمان ساعات في الدوام -إذا لم يرتكب الحرام- هي صناديق فارغة.. إذن، ماذا بقي من صناديق الجواهر؟!.. لم يبق إلا لحظات الصلوات، وقيام الليل، وحج في العمر مرة، وزيارة للمشاهد في السنة مرة.. فيا لخسارة الإنسان!.. قال النبي (صلی الله علیه): (إنه يُفتح للعبد يوم القيامة على كلّ يوم من أيام عمره، أربعة وعشرون خزانة – عدد ساعات الليل والنهار-.. فخزانة يجدها مملوءة نوراً وسروراً، فيناله عند مشاهدتها من الفرح والسرور، ما لو وُزّع على أهل النار لأدهشهم عن الإحساس بألم النار، وهي الساعة التي أطاع فيها ربه.. ثم يفتح له خزانة أخرى، فيراها مظلمة منتنة مفزعة، فيناله عند مشاهدتها من الفزع والجزع، ما لو قُسّم على أهل الجنة لنغّص عليهم نعيمها، وهي الساعة التي عصى فيها ربه.. ثم يُفتح له خزانةٌ أخرى، فيراها فارغة، ليس فيها ما يسّره ولا ما يسوؤه، وهي الساعة التي نام فيها أو اشتغل فيها بشيء من مباحات الدنيا، فيناله من الغبن والأسف على فواتها حيث كان متمكّنا من أن يملأها حسنات ما لا يوصف، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ذلك يوم التغابن﴾).

صناديق الجواهر..

إن الإنسان بإمكانه أن يغير الإستراتيجية في الحياة، وأن يغير تركيبة هذه الصناديق، ويجعلها كلها ملأى بالجواهر.. ولكن ليس من خلال الذهاب إلى رأس جبل، والعيش في صومعة، لا ليس هذا؛ لأنه لا رهبانية في الإسلام.. وإنما من خلال هذه الحركة البسيطة: أي أن ينوي أن كل ما يقوم به من عمل من المباحات، هو لوجه الله عز وجل؛ فبذلك تمتلئ كل الصناديق بالجواهر.. البعض ينام من أول الليل، ليتقوى على قيام الليل، ويستغني عن مجالس السهر والسمر والأكل والشرب؛ لأنه يخشى من عدم التمكن من الاستيقاظ لقيام الليل.. وبعض المؤمنين ينام قبل الزوال -القيلولة- كي يستيقظ لصلاة الظهرين، وهو في كامل نشاطه.. والبعض يأكل في شهر رمضان المبارك طعام السحور، للتقوّي في النهار على العبادة، ولو كان النوم ألذ عنده!.. ولكنه يجاهد في القيام من نومه، لتناول طعام السحور، ليتقوى على صيام النهار، مثلما يجاهد لقيام الليل.. وبعض المؤمنين يقصر على نفسه وعلى عائلته في الإنفاق، ولا ينفق إلا اللازم، ويدخر من راتبه، ويجمع الدينار على الدينار، لعله يوفق في هذه السنة لحج بيت الله الحرام.. ويذهب إلى الدوام بنشاط ولا يتخلف؛ لئلا ينقص من راتبه شيء، فحب بيت الله الحرام يجعله يداوم بشكل متقن.. وحتى ذهابه إلى بيت الخلاء يكون بنية التخفف، والارتياح والخلاص من مدافعة الأخبثين، ليصلي بين يدي الله -عز وجل- وهو في حال إقبال.. المؤمن الفطن هكذا: لا يعمل عملاً بلا نية.

حياة النبي (صلی الله علیه)..

إن الله تعالى يقسم بحياة النبي (صلی الله علیه)، وأي حياة هي؟!.. قبل أن يبعث كان يعبد ربه لمدة أربعين سنة في غار حراء، حيث الخلوة مع الرب.. رغم أن الذهاب إلى غار حراء متعب جداً، وقد يسقط الإنسان من الجبل، كما سقط البعض ومات.. كان يذهب بلا شريعة ملزمة، وإنما حبه لله -عز وجل- دعاه إلى أن يعيش في هذا الغار، وهو متزوج، ومن المعلوم العلاقة الوطيدة بين النبي (صلی الله علیه) وبين أم المؤمنين خديجة (عليها السلام).. ثم ثلاث عشرة سنة كان نبياً داعياً مبلغاً في مكة، بكل آلامها: بشعب أبي طالب، وبأذى قريش، وبرميهم الحجارة على بدنه الشريف.. وبعد ذلك عشر سنوات كان النبي الحاكم، النبي العابد، النبي المبلغ.. هذه سنوات حياة النبي المباركة: أربعون سنة قبل أن يبعث، وثلاث عشرة سنة مع آلام مكة، وعشر سنوات في عمارة الإسلام في المدينة.. ونحن في هذه الأيام نعيش بركة المصطفى (صلی الله علیه) فلو أراد إنسان أن يدخل في الإسلام، وردد الشهادة الأولى مليون مرة، ولم يقل مرة واحدة: (أشهد أن محمداً رسول الله)؛ لدخل جهنم، لأنه كافر، إذ لابد من الشهادتين!.. ولو صلى الإنسان بماء زمزم في جوف الكعبة، ولم يقل في تشهده: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، لكان تاركاً للصلاة.

 

كفاكم من عظيم الفخر أنكم *** من لم يصل عليكم لا صلاة له

لنقترب من هذه الحياة المباركة؛ علينا أن نتأسى بسنته، على الأقل في هذا المقام المحمود الذي أعطي للنبي (صلی الله علیه)، ونحاول بالإضافة إلى أداء الفرائض أن نقيم ما كان يقيمه المصطفى (صلی الله علیه) من النوافل ونافلة الليل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.

 

مفهوم السكر وأنواعه..

﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾: هذا جواب القسم، ومرجع الضمير يعود على قوم لوط، ولكن لا مانع من انطباقه على كثيرين في كل عصر.. فقوم لوط كانوا أسوأ خلق الله تعالى، قبل قرون ارتكبوا الفاحشة، ولحقهم العذاب الشديد، وقد ركّز القرآن الكريم عليهم كثيراً وبشدة.. ولكن هذا المنكر في هذه الأيام صار له أحزاب سياسية، ومواقع، وتحول إلى فلسفة!.. ومع ذلك فإن رب العالمين لا يعاقبهم، كما عاقب قوم لوط قبل آلاف السنين؛ وذلك لأن وجود النبي (صلی الله علیه) أماناً من العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.

ولكن ما هي السكرة؟.. السكر المعروف هو سكر الخمر.. ولكنّ هناك أنواعاً من السكر الخفي، أشد من سكر الخمر!.. سكر الخمر له مدة محدودة، دقائق أو ساعات وينتهي.. وهو مخمور يعيش جواً خيالاً، وبمجرد أن ينتهي مفعول هذا السكر، يعيش الندامة والتخبط!.. ولكن سكر الشباب، وسكر المال، وسكر الحكم.. هذا له أمد بعيد، ويأخذ من عمر الإنسان ما يأخذ، ويجر إلى حافة التهلكة كما قد جر الكثيرين!..

أولاً: سكر الشباب..  يقال عن الخمر بأنه مسكر؛ لأن الإنسان الذي يشرب الخمر، يعيش جواً خيالياً، ويتوهم، ويتكلم بما لا يعقل.. مثلاً: هو صوته قبيح كأنكر الأصوات، ولكنه يغني، ويعتقد أنه أكبر مطرب على وجه الأرض!.. أو يتصور أنه يمتلك آبار النفط في العالم!.. الشاب أيضاً يعيش هذا الجو من السكر، ويعتمد على شبابه، وعلى طول عمره.. فترى الشاب يذهب إلى بلاد الغرب فيسرح ويمرح، وهو الذي نشأ في بيئة الطاعة، وكان أبوه صاحب مجلس مثلاً، وكان يخدم مجالس أهل البيت (عليهم السلام).. ولكن عندما يذهب إلى هذه البلاد ينقلب على عقبيه.. ويوهم نفسه بأن يُمضي هذه السنوات بما يملي عليه هواه، ثم عندما يرجع إلى وطنه، يتوب ويكون عبداً صالحاً.. ولكن هناك عدة إشكالات، منها:

1. عدم ضمان العمر: هل يضمن الإنسان حياته، كي يعيش هذه الحالة من طول الأمل، وكأن حياته ممتدة وبيده!..

2. عدم ضمان العودة: من يضمن له الرجوع سالماً غانماً على الإيمان؛ فإنه قد ينسلخ من إيمانه انسلاخاً؟!.. فالشيطان يتلاعب بالمؤمن، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾.. ولكن البعض يعشعش فيه الشيطان ويكون وليه، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾، ويصبح الشيطان يأمر وينهى نيابة عن عقله.. إذن، ما الضمان أن يرجع وهو ليس ممسوخاً؟!.. إذ من الممكن أن يصل إلى مرحلة من المسخ، الإنسان بعدها لا يرى الباطل باطلاً!..

3. صحة التوبة: إن التوبة لها شروط، من شروطها عدم تعمد القيام بها، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.

4. التعويض: هذهِ السنوات التي ضاعت بالمعصية، من يعوّضها؟..

5. النهاية: إن مدة ما هو فيه من الالتهاء باللذائذ ستنتهي مهما طالت، ولابد له يوماً من الرجوع للوطن.. لذا عليه أن يحسب حساب انتهاء هذه اللذائذ، والتفكير في عواقبها.

إن هذه السكرة الشبابية، تمتد من الثامنة عشر إلى الثامنة والعشرين، وبعد ذلك يهدأ قليلاً، مع المسؤولية، ومراقبة الأهل والزوجة، فيرجع إلى رشده.. المؤمن يحاول أن يسيطر على هذه الفترة من حياته، لأن ثلثي العمر يبتني على هذا الثلث!.. فالذي وصل إلى الثلاثين وقاوم إغراءات الشياطين، فهذا لا يعقل في سن الخمسين أن تغريه النساء.. والذي كان في بلاد الغرب في الخلوات، وكان لا تغريه امرأة، فلن تغريه امرأة بعد الزواج!.. إن رب العالمين يعطيه الحصانة لعفته، كما هو مجرب!..

ثانياً: سكر المال.. إن الإنسان الذي يسكر بالخمر، يعيش حالة الوهم، ويرى نفسه بأنه في حماية مطلقة.. فتراه يمشي على حافة الوادي وعلى وشك السقوط في الهاوية، وهو لا يبالي!.. كم من الحوادث، التي تحدث في بلاد الغرب، والتي سببها السرعة الجنونية لشاربي الخمر، والسبب أنهم لا يعقلون ما يعملون!.. صاحب المال أيضاً يعيش هذا السكر، يظن نفسه أنه مُؤمّن بهذا المال، وفي حماية، وكل ما يريده يمكنه تحقيقه به.. كحالة الارتياح التي تجدها عند البعض، لأنه ملتزم بعقد تأمين، وكل ما يحدث له من أمراض وحوادث ومخاطر في حياته، التأمين يغطي مصاريفها.. مما يجعله يعيش حالة الارتياح؛ وهذا ما يُسمى بالتأمين على الحياة!.. ولكن أي تأمين هذا؟!.. إن الذي يعيش هذا الأمان، هذا لا أمان له!.. لأن الإنسان لا يستطيع شراء كل شيء في هذه الحياة بالمال، ومنها على سبيل المثال:

 

1. السعادة: إن هذا المال الذي يتبجح به الإنسان، هو في الحقيقة لا يمكنه دفع أقل الضرر وأدنى الأذى عنه!.. فالذي عنده مشكلة عائلية مع زوجته، لا يمكنه حلها بالمال.. بل كلما أغدق عليها بالآلاف، تزداد عناداً وطغياناً ونفوراً.. ولو أسكنها في قصر؛ فإنها لن ترضى عنه!.. فهذا المال لا يشفع له، بل هو في نزاع مستمر مع زوجته!..

2. الصحة: إن الذي عنده مال لا يحصيه لكثرته، هذا المال لا ينفعه لعلاج مرض في بدنه.. نعم، قد يجعله يذهب إلى أرقى المصحات العالمية؛ ولكن إن لم يكن له علاج؛ فهذا المال لا ينفعه مهما أنفق من الأموال هنا وهناك!..

فإذن، ما قيمة هذا المال الذي لا يحل لصاحبه مشكلة عائلية، تجعل حياته جحيماً ليلاً نهاراً؟!.. وما قيمة هذا المال الذي لا يحقق له شفاء من مرضه؟!.. في الحقيقة: إن المال سيطر على الكثيرين سيطرة بالغة، وأوقعهم في أسر ليس بعده أسر، وسكروا به سكراً أذهب عقولهم!.. ولكن الحساب الدقيق سيكون في الآخرة!.. عندئذ سيتمنى لو لم يكن عنده هذا المال، ويتمنى لو كان خفيف المؤونة، ليرتاح من ثقل الحساب!.. لهذا فإن المؤمن شعاره دائماً: إن (ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى)!.. فالمؤمن يخشى من زيادة المال، ويقول: ذنب عجلت عقوبته!.. كما ورد في الرواية: قال الله تعالى لموسى: (يا موسى!.. إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل: مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنب عجلت عقوبته)..  فإن كان الإنسان ممن أغدق عليه رب العالمين بالمال؛ عليه أن يكون حذراً!.. وعليه بالشكر أولاً، والإنفاق الواجب منه والمستحب ثانياً.

دور الإيمان في حياة الإنسان.. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: أي يترددون ومتحيرون.. إن الإنسان الفاسق والظالم والمنحرف، دائماً يعيش حالة القلق والتحير والتبعثر.. ولا تغشك ابتسامته، فهذه الابتسامة تخرج منه تكلفاً، بل هي كالخمرة يخدر نفسه بها، ولا تعكس حالة الارتياح الباطني.. بينما المؤمن حتى وهو في أحلك الظروف وأصعب المواقف، نجد أنه يعيش قمة الاطمئنان والارتياح الباطني.. وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

1. إبراهيم الخليل: فها هو نبي الله إبراهيم (عليه السلام) يلقى في النار، ولا تزيده هذه الحالة إلا تعلقاً بالله تعالى.. فلما أتاه الملك سائلاً: هل لك من حاجة فإذا به يقول: أما إليك فلا!.. كما جاء في الرواية المعروفة: (أمر نمرود بجمع الحطب في سواد الكوفة عند نهر كوثا من قرية قطنانا، وأوقد النار فعجزوا عن رمي إبراهيم، فعمل لهم إبليس المنجنيق فرُمي به، فتلقاه جبرائيل في الهواء فقال: هل لك من حاجة؟.. فقال: أمّا إليك فلا ، حسبي الله ونعم الوكيل، فاستقبله ميكائيل فقال: إن أردت أخمدت النار، فإنّ خزائن الأمطار والمياه بيدي، فقال: لا أريد، وأتاه ملك الريح، فقال: لو شئت طيّرت النار، قال: لا أريد، فقال جبرائيل: فاسأل الله!.. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي).

2. أصحاب الحسين: وها هم أصحاب الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء يتسامرون ويتمازحون، حتى أن أحدهم يقول للآخر: ما هذا وقت المزاح!.. (فجعل برُير يضاحك عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: يا بُرير أتضحك؟.. ما هذه ساعة باطل، فقال برير: لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا، وإنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه.. فو الله!.. ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة، ثم نعانق الحور العين).

3. المؤمن الحقيقي: إن بعض المؤمنين يصاب بمرض لا يرجى علاجه، ويقطع بموته عن قريب، ولكنك عندما تراه كأنك ترى شاباً يتشوق إلى زفافه لا للموت!.. يرضى بقضاء الله وقدره، ويحمده على الاستعداد للموت، وأنه ما جعل موته موت فجأة.. فيرتب أموره، ويقضي ما عليه، ويكتب وصيته، ويوصي بثلث أمواله.. هذه هي علامة المؤمن: أن ينظر إلى الموت بهذه النظرة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.. وليس عدم الخوف من الموت، وإنما تمني الموت!..

الخلاصة:

1. كلنا سجناء في هذه الدنيا!.. والعاقل من أحسن استثمار مدة سجنه فيها، وقدم أمامه لما بعد خروجه من السجن، ليستمتع حينها بالحرية، وبما قدم.

2. لحظات عمر الإنسان هي: إما صناديق مليئة بالجواهر، وإما صناديق مليئة بالنتن، والأغلب هي صناديق فارغة، وهي الساعات التي لابد منها: الأكل والنوم والانشغال بالمباحات.. والإنسان بإمكانه بحركة بسيطة أن يجعل هذه الصناديق الفارغة ملأى بالجواهر، لو نوى بكل عمل وجه الله تعالى.

3. لنتأمل في حياة النبي (صلی الله علیه) المباركة، ولنحاول أن نقترب من هذه الحياة، بالتأسي بما كان يعمل، ولو بأداء النوافل وصلاة الليل.

4. سكر الشباب يمتد بين فترة الثامنة عشر إلى الثامنة والعشرين.. والذي يسيطر على نفسه في هذه الفترة، يرجى أن يكون على خير إلى آخر عمره.

5. المال سيطر على كثيرين وأعقبهم الخسارة والندامة.. مع أن المال لا يمكن به دفع أقل الأمور ضرراً، ولا يجلب السعادة، كما نلاحظ في حياة المترفين الذين هم أكثر الناس تعاسة.

6. المؤمن يعيش حالة الاطمئنان بشكل دائم حتى في أحلك الظروف، بينما الكافر يعيش حالة القلق والاضطراب والتحير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى