خطب الجمع

موقع النبي (ص) في قلوب الأمة

التفاعل مع مقام النبي (صلی الله علیه)..
إن
الأئمة (عليهم السلام) كانت تتغير أحوالهم عندما يذكرون اسم جدهم المصطفى (صلی الله علیه)؛ إجلالاً وإكراماً لأشرف المخلوقات، كما ورد في الحديث القدسي: (يا أحمد!.. لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما).. أما نحن فإننا نتفاعل مع الحوادث، ومع ما وقع على أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من مصائب، إذ أن حياتهم كانت محفوفة بالمحن والتشريد، والقتل والسجون.. ولهذا فمن الطبيعي أن يكون تفاعلنا مع ذكر الحسين (عليه السلام) أكثر من تفاعلنا مع ذكر أخيه الحسن (عليه السلام)، مع أن كليهما سيدا شباب أهل الجنة.. وذلك لأن من طبيعة الإنسان التفاعل مع المصائب أكثر من المقامات، وإن كان التفاعل أمر مطلوب ولابد منه!.. فالبعض قد ينكر أو يشكك في البكاء ورفع الصوت عليهم؛ ولكن إمام العصر والزمان (عليه السلام) يدعونا للبكاء عليهم بقوله في دعاء الندبة: (فَعَلَى الاْطايبِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَآلِهِما- فَلْيَبْكِ الْباكُونَ، وَإِيّاهُمْ فَلْيَنْدُبِ النّادِبُونَ، وَلِمِثْلِهِمْ فَلْتَذْرِفِ الدُّمُوعُ، وَلْيَصْرُخِ الصّارِخُونَ، وَيَضِجَّ الضّاجُّونَ، وَيَعِـجَّ الْعاجُّوَن).. فالجزع في مصيبة الحسين (عليه السلام) هذا أمر آخر، وما يؤكد ذلك هو ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: (كل الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين)!.. إنها (مصيبة عظمت في السموات والأرض).. وهناك ملائكة يبكون عند قبر الحسين (عليه السلام) منذ أن استشهد، إلى يومنا هذا.. ولعل هذا البكاء لا يتوقف إلا عندما يأتي ولده المهدي (عليه السلام)، ويعمل بشعار: (أين الطالب بدم المقتول بكربلاء)؟!..

إن النبي (صلی الله علیه) -بحسب الظاهر- حياته غير مقترنة بالمصائب الكبرى.. فحوادث إيذاء النبي (صلی الله علیه) تقريباً كلها قبل البعثة، وقبل هجرته إلى المدينة.. وأما في المدينة فقد كان رسولاً حاكماً، وآمراً ناهياً، وغازياً فاتحاً.. نعم، تعرض لبعض الشدائد، كما في معركة أُحد حيث كسرت رباعيتاه، إلا أن النبي (صلی الله علیه) لم تنزل عليه المحن الظاهرية التي نزلت على أولاده المعصومين (عليهم السلام).. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا وصف النبي (صلی الله علیه) نفسه بهذا الوصف: (ما أوذي نبي مثلما أوذيت)؟.. أيوب (عليه السلام) يضرب به المثل، في الصبر على غليظ المحن.. ونبي الله يحيى (عليه السلام) هو أشبه الأنبياء بأبي عبد الله الحسين (عليه السلام)؛ لأن هذا النبي قُطع رأسه وأُهدي إلى بغية من بغايا بني إسرائيل، والإمام (عليه السلام) أيضاً أُهدي رأسه إلى بغي من بغايا هذه الأمة.. ونبي الله يونس (عليه السلام) لبث في بطن الحوت.. ونبي الله موسى (عليه السلام) تعرض للإيذاء من قومه، فهل كان من السهل عليه أن يجد قومه يتخذون العجل إلهاً!.. هؤلاء الأنبياء يتحسسون من كل صور الشرك، وأدنى انحراف من أمتهم؛ شديد على قلوبهم، فكيف بموسى (عليه السلام) وقد اتخذ قومه العجل إلهاً من دون الله تعالى؟!.. ولكن النبي (صلی الله علیه) أوذي أذى نفسياً، وهذا الأذى النفسي أبلغ من الأذى البدني بكثير.. فكما يقول الشاعر:

جراحات السنان لها التئام*** ولا يلتام ما جرح اللسان

لو أن إنساناً تسبب أحد أصحابه له بحادث، وكانت النتيجة أن تبتر رجليه، ويصبح معاقاً إلى آخر عمره.. وهناك صاحب آخر أهانه إهانة بليغة أمام الناس؛ فأيهما أشد على نفس هذا الإنسان: هل هو ألم الإعاقة الذي سببه له صاحبه الأول، وهو غير متعمد، أم ذاك الآخر الذي جرحه وآذاه نفسياً؟.. بلا شك أن الألم النفسي أبلغ وأشد، من أي أذى بدني.. فهذا الذي سبب له الإعاقة، عندما يراه لا يُحدث في نفسه ذلك الأثر من النفور والاشمئزاز، الذي يحصل عندما يرى من أهانه، وإن كان المؤمن من صفاته العفو والمسامحة.

إن النبي (صلی الله علیه) كان له أذى نفسي بليغ في حياته، والأشد بعد مماته، بسبب ما جرى على أمته من بعده.. فالنبي (صلی الله علیه) فرح يوم الغدير بما جرى من تنصيب علي (عليه السلام ولكنه كان يعلم -بإذن الله عز وجل- ما سيحدث بعد وفاته.. حيث أن هناك ثلاثة من أوصيائه: أمير المؤمنين المرتضى (عليه السلام)، والمجتبى (عليه السلام)، والشهيد بكربلاء (عليه السلامسوف يكونون بين وهن وأذى وقتل!.. ألا يكفي هذا، لأن يقال عنه بأنه ما أوذي نبي مثلما أوذي (صلی الله علیه!.. فبحسب الظاهر حياة النبي (صلی الله علیه) ليست فيها الأحداث المؤلمة الحسية، التي كانت في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي أجبر على جلوسه في المنزل سنوات طوال، وعندما حكم إذا به يواجه أذى الناكثين والقاسطين والمارقين.. ولكن في الحقيقة إن أذى النبي (صلی الله علیه) لا يقاس بأي أذى.. لذا، علينا أن نتفاعل مع النبي الأعظم (صلی الله علیه) تفاعلاً بليغاً، من باب مقاماته.. فالنظر إلى مقامات النبي (صلی الله علیه)؛ يوجب لنا التخشع والخضوع.

التوسل بالنبي (صلی الله علیه)..
من المناسب للمؤمن عند التشرف بزيارة النبي المصطفى (صلی الله علیه
)، أن يتذكر هاتين الآيتين:

الآية الأولى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾.. إن الذهاب إلى الروضة، من أتم مصاديق المجيء؛ ولكن بإمكان الإنسان وهو في المنزل في وطنه، أن يغمض عينيه، ويقول: يا رسول الله!.. أتيتك مستغفراً، تائباً من ذنوبي!.. فهذه درجة من درجات الإتيان -إتيان الأرواح- فالنبي (صلی الله علیه) حي يرزق، وروحه مهيمنة ومسيطرة، فهو لم يمت بمعنى الموت الحقيقي، بل انتقلت روحه من دار الدنيا إلى عالم البرزخ.. المؤمن يجعل روحه تلامس روح النبي (صلی الله علیهوتخاطب روح النبي (صلی الله علیه).. وكذلك الأمر بالنسبة للمؤمن الذي يوفق لزيارة النبي (صلی الله علیه) فعندما يكون في الروضة، وعندما يصلي عند أسطوانة أبي لبابة؛ أيضاً لا يضيع فرصة التوسل بالنبي (صلی الله علیه).

إن هذه الآية آية بليغة!.. فكما جعل الله عز وجل- رضاه في رضا فاطمة (عليها السلام)، جعل رضاه في رضا النبي (صلی الله علیه) واستغفار النبي (صلی الله علیه).. ولا غرابة من هذا القول، فعن النبي المصطفى (صلی الله علیه) أنه قال: (فاطمة بضعة مني)، و(فاطمة هي روحي التي بين جنبي)، حيث أن بعض خصوصيات النبي (صلی الله علیه)، هي بعينها لابنته.. فعلاقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بالنبي (صلی الله علیه) ليست علاقة البنوة فحسب، فكل ولد هو بضعة من أبيه!.. ولكن النبي (صلی الله علیه) يريد أن يشير إلى علاقة الأرواح، فروح فاطمة من روح النبي (صلی الله علیه).. وأفضل ما يدل على ذلك، وعلى أن الزهراء غصن من شجرة النبي (صلی الله علیه)، أنه عندما مات النبي (صلی الله علیه)، هذا الغصن مات.. ولهذا كانت أسرع الناس لحوقاً بالنبي (صلی الله علیه) فقد آثرت أن تترك أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتيتم الحسنين (عليهما السلام)، لأنها تريد الالتحاق بالشجرة الأم التي يقول عنها النبي الأكرم (صلی الله علیه): (أنا وعلي من شجرة واحدة، وسائر الناس من شجر شتى).

الآية الثانية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.. لقد جعل رب العالمين ما آتاه من الرزق، منتسباً إليه وإلى حبيبه المصطفى (صلی الله علیه).. (ذكروا أنّ أبا حنيفة أكل طعاماً مع الإمام الصادق (عليه السلام)، فلما رفع الصادق (عليه السلام) يده من أكله قال: الحمد لله رب العالمين، اللهم!.. هذا منك ومن رسولك (صلی الله علیه).. فقال أبو حنيفة: يا أبا عبد الله أجعلت مع الله شريكاً؟!.. فقال (عليه السلام) له: ويلك!.. إنّ الله تبارك يقول في كتابه: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾، ويقول عز وجل في موضع آخر: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾).. ومن المعلوم أن الفضل له معنى عام، والرزق له معنى عام.. فإن أراد الإنسان الدنيا؛ عليه أن يسأل الله ورسوله.. وإن أراد الآخرة؛ أيضاً عليه أن يسأل الله ورسوله.. وإن أراد المغفرة؛ كذلك عليه أن يسأل الله ورسوله.. بمقتضى الآية الكريمة.

فإذن، إن المقام مقام منيع وعظيم، لذا علينا أن نقوي هذا الارتباط بنبي الرحمة (صلی الله علیه) على هذا الأساس!..

الدعاء الإبراهيمي..
إن خليل الله
إبراهيم (عليه السلام وهو جد المصطفى (صلی الله علیه)، قدم طلباً قبل قرون؛ وهل هنالك إنسان كإبراهيم (عليه السلام)؟.. وعادة الخليل إذا طلب من خليله شيئاً لا يرده، وقد ذكر الله تعالى طلبه في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.. وهذا الدعاء الإبراهيمي استجيب، كما نقرأ في سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.. في الآيتين السابقتين هناك ذكر لأربع مراحل، ولكن نلاحظ تغييراً في الترتيب:

في الدعاء الإبراهيمي: ذكرت المراحل الأربع بالترتيب التالي: تلاوة الآيات، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة، والتزكية.
في سورة الجمعة: ذكرت المراحل الأربع بالترتيب التالي: تلاوة الآيات، والتزكية، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة.

أولاً: انظروا على هذا الحرص والاهتمام من إبراهيم (عليه السلام)، في طلب المقامات لولده النبي المصطفى محمد (صلی الله علیه)، حيث قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.. هو لم يطلب المقامات لنفسه، فرب العالمين أعطاه ما أعطاه، وجعله إماماً، بعدما تجاوز الاختبارات الإلهية بنجاح، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.

ثانياً: إن إبراهيم (عليه السلام) هو خليل الله، وخليل الله يحب أن يكون خليله -الرب المعبود- محبوباً عند الناس.. بعض الناس له مناجاة في جوف الليل، يحب الله ورسوله، ولكن في مقام العمل لا يسعى لهداية الناس!.. إذا كان إنساناً يحب الله- عز وجل- فهل حبّب الناس إلى الله عز وجل؟.. هل ساهم في تقريب الناس إلى الله عز وجل؟.. هذه الأيام البعض عندما يتحزب لفكرة سياسية، فإنه يعمل المستحيل لنشر أفكار حزبه، وقد يكون الحزب حزباً باطلاً، علمانياً كافراً.. فمثلاً: أيام المد الشيوعي في العالم قبل سنوات، كم تفانى أصحابه في نشر الشيوعية!.. بينما الإنسان الذي يحب الله -عز وجل- يرى أمامه من يعمل بخلاف رضا من يحب؛ ويمر عليه مرور الكرام!.. إذا كان يخاف من صاحبه، وكلامه لا يؤثر فيه؛ فماذا عن أولاده وأرحامه، هل يخاف من هؤلاء أيضاً؟!..

ثالثاً: إن الذي يرى منكراً في دائرة أسرته، أو فيمن يؤثر فيه، ولا ينهى عن المنكر، ويدّعي حب المولى، فإن هذا الإنسان لا يحب الله -عز وجل- حقيقة!.. فلو كان يحب ربه، فإنه لن يرضى بأن يرتكب الآخرون خلاف ما يرضي الله-عز وجل- في عقر داره!.. هل الإنسان الذي يشتري بماله تلفازاً، ويشتري خطوط الاتصالات السريعة، وهو يعلم أن بهذا الجهاز يُرتكب الحرام، ولا يحرك ساكناً؛ يستطيع الادعاء بأنه يحب الله؟!.. هو يصلي صلاة الليل في غرفته، وأولاده ينظرون إلى الحرام بهذا الجهاز، الذي اشتراه من ماله!.. فكيف يوفق بين صلاة ليله، وبين ما عمله؟.. إن هذا لا يحب الله-عز وجل- حقيقة، وإنما يحب نفسه: يريد بعض المزايا، يريد الرزق الواسع، والسعادة النفسية، ويحب المقام المحمود لنفسه.. هذا إنسان أناني، يريد أن يحقق ذاته!.. فالبعض منا يظن أنه وصل للكمال، ولكن هو لم يصل إلى الكمال أبداً، وإنما هو يحب ذاته!.. وهذا مفهوم دقيق، قلّ من يلتفت إليه!..

سر الاختلاف بين الآيتين..
– الرتبة: إن إبراهيم (عليه السلام) خليل الله، طلب من رب العالمين أن يبعث في هذه الأمة، رسولاً بهذه المواصفات، ورب العالمين استجاب له.. ولكن نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، كان في دعائه في مقام بيان الرتبة.. فرتبة تلاوة الآيات، وتعليم الكتاب والحكمة؛ مقدمة على التزكية.. لأن الذي يريد أن يزكي نفسه، لابد أنه يحتاج إلى البرنامج النظري الدقيق الذي هو عبارة عن الآيات والكتاب والحكمة.. ولهذا فإن الشاب المراهق المهتم بالمقامات الروحية، ويصلي صلاة الليل ساعتين، يُخاف عليه.. هذا المراهق إن كانت له معرفة نظرية -وفي هذا السن قل من يمتلك المعرفة، والعبادة المثمرة- أكرم وأنعم بمثل هذا الشاب!.. أما الذي يزكي نفسه بلا معرفة، ويمارس رياضيات روحية، وعزلة عن الناس، ونوافل مطولة، وزيارة للمشاهد بشكل لا يرضي والديه، وله مسؤولية أسرية، ويترك الأسرة في بعض الحالات ليذهب هنا وهناك؛ فمثل هذا الشاب أمره مريب!..

إن الإنسان الذي يريد أن يسلك في هذا الطريق، عليه أن يعرف الخطة أولاً.. هل هناك إنسان يبني قصراً بلا خارطة؟.. لو أراد الإنسان أن يبني شقة متواضعة، فلابد له من خارطة!.. والذي لا يمتلك خارطة، هذا لا يبني بناءً.. وإن بنى بناءً، فسيكون بناءً معوجاً.. والبناء المعوج، من أدنى زلزال يهوي على رأسِ صاحبه!.. ولكن ينبغي الحذر من الدخول في بعض المدارس الروحية، الذين يستغلون حالة ازدياد هذه الرغبة عند الناس.. فبعض الناس ملّ من الطعام والشراب والنساء، ويريد الوصول لبعض الأمور الباطنية، فيذهب للمدارس الأخلاقية كما يقال، ولكن من دون بصيرة، والجاهل إما مفرِط أو مفرِّط!.. فإذن، إن إبراهيم (عليه السلام) -وهو شيخ الأنبياء، خليل الرحمن- جعل التلاوة والتعليم والحكمة، مقدماً على التزكية؛ لأنه كان في مقام بيان الرتبة.

– الآلية: أما في سورة الجمعة، فالآية في مقام بيان الآلية.. أي أن الذي يريد أن يتعلم الحكمة؛ عليه أن يكون طاهراً نقياً؛ حيث أن الحكمة لا توضع في إناء نجس!.. فالقلب المتكبر؛ لا يتلقى الحكمة.. لأن الحكمة نور، والنور لا يوضع في غير محله.. فمثلاً: لو جاء إنسان بإناء ملوث، وطلب من بائع العسل أن يضع له ملعقة واحدة من العسل في ذلك الإناء، ألا يرفض طلبه؟!.. لأن هذا العسل فيه شفاء، فلا يجعله في إناء قذر؟!.. فإذن، في مقام التعلم، وفي مقام كسب الحكمة، لابد من التزكية أولاً!..

بعثة الأنفس..
إن الإنسان المؤمن يجب عليه محاولة بناء نفسه من جديد!.. مثلاً:
بعض التجار وهو مع رفاقه في الحرفة، يسمع بفكرة لشراء بضاعة معينة، يقال أنها مطلوبة في الأسواق.. فيقتنع بهذه الفكرة، ويشتري البضاعة.. ونسبة الأرباح متعارف أنها دون النصف، ولكنه يربح عشرات الأضعاف!.. كانت فكرة عابرة ولعلها كانت مزاحاً، ولكن هذا الإنسان استثمر الفكرة، وحولها إلى مشروع اقتصادي ضخم!.. والإنسان أيضاً عليه محاولة البدء في هذا المشروع الكبير!.. يقول تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً﴾!.. والبعثة أنواع:

1. بعثة الأبدان: أي بعثة الموتى من القبور في عالم الآخرة.. فرب العالمين له بعثة في عالم الأبدان، حيث أن هذه الأبدان الفانية، رب العالمين يبعثها مرة أخرى يوم القيامة.. ورب العالمين كرامة للبعض يبعثه بكفنه، وإلا فأغلب الناس عراة يوم القيامة.. فالمؤمن له وجاهة عند الله -عز وجل- كما أن بدن البعض لا يتآكل في القبر فالشيخ الصدوق كشف قبره في السنوات الأخيرة، وإذا بهِ في هيئته يومِ وفاته-.. فإذن، البعض يبعث من قبره بكفنه؛ وهذا بعث قهري.

2. بعثة الأنبياء: إن بعثة الأنبياء بالرسالة السماوية، تكون في عالم الدنيا.. فرب العالمين يبعث الأنبياء بالرسالة، وهذا الأمر أيضاً يعود إلى الله عز وجل.. فهو أعلم بمن يختار من الأنبياء، يقول القرآن الكريم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.

3. بعثة الأنفس.. إن الإنسان أيضاً مرشح لأن يُبعث: لا من قبره، فهذا بعث قهري!.. ولا للنبوة، فباب النبوات سدت!.. ولكن بإمكانه أن يطلب من الله-عز وجل- وأن يتفاوض معه؛ بمعنى الإلحاح في الطلب، يقول: يا رب!.. أريد أن تبعثني كما بعثت الأنبياء، وكما تبعث من في القبور؛ اجعلني إنساناً جديداً!.. كما حولت اللحم والدم والمضغة إلى جنين حي، وصار كما قلت: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر﴾.. يا رب!.. أنا روحي روح متواضعة، هي كالجنين غير المكتمل الذي لا يتحرك، اجعلني إنسانا متكاملاً!.. رسول الله (صلی الله علیه) في لحظات من ليلة السابع والعشرين من رجب، وإذا بجبرئيل ينزل عليه، ويصبح نبياً مرسلاً.. والإنسان أيضاً يسأل الله تعالى، في ليلة من ليالي العمر: في ليلة قدر، أو في طواف، أو في أرض عرفة، أوالخ؛ يسأل الله تعالى أن يبعثه إنساناً جديداً.

الخلاصة:

1. إننا في تعاملنا مع أهل البيت (عليهم السلام)، عادة نتفاعل مع المصيبة أكثر من المقام.

2. إن حياة النبي (صلی الله علیه) بحسب الظاهر ليس فيها الأحداث الحسية المؤلمة، التي كانت في حياة باقي المعصومين.. لكنه أوذي أذى نفسياً، أبلغ من أي أذى بدني، في حياته وبعد وفاته.

3. إن النظر إلى مقامات النبي (صلی الله علیه)، من موجبات التخضع والخشوع والتفاعل.

4. إن رب العالمين في كتابه الكريم، جعل الرزق منتسباً إليه وإلى حبيبه المصطفى (صلی الله علیه).. والرزق معنى عام: فإن أردت الدنيا، أو أردت الآخرة، أو أردت المغفرة؛ فسل الله ورسوله.

5. إن الذي يرى منكراً في دائرة أسرته، وفيمن يؤثر فيه، فلا ينهاه عنه؛ فإن هذا لا يحب الله -عز وحل- حقيقة وإن كان قائماً ليله، صائماً نهاره.. بل إنه إنسان أناني، يحب نفسه، ويريد أن يحقق بعض المزايا.

6. إنه لابد لمن أراد أن يزكي نفسه، من معرفة نظرية.. فالذي لا يملك الخطة لا يبني بناءً، وإن بنى فسيكون البناء معوجاً، والبناء المعوج من أدنى زلزال يهوي على رأس صاحبه.

7. إن رب العالمين كما أن له بعثاً في الدنيا للأنبياء، وبعثاً قهرياً في الآخرة للأموات، له بعث آخر في عالم تكامل الأرواح؛ فسل الله تعالى أن يبعثك خلقاً جديداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى