خطب الجمع

في رحاب النبي (صلي الله عليه)

الصلاة على النبي (صلی الله عليه)..
إن الصلاة على النبي وآله دعاء مستجاب، ألا نقول في التشهد كل يوم: (اللهم!.. صلّ على محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته وارفع درجته)؟!.. لأنه لو كان هذا الدعاء لا يستجاب، فهو لغو من القول.. والله -سبحانه وتعالى- لا يكلفنا أن نطلب في الفرائض طلباً لا يستجاب أبداً!.. وبما أن الصلاة على النبي وآله دعاء؛ والدعاء يمكن أن يستجاب، فلو استجيب هذا الدعاء في العمر مرة واحدة، ورُفعت درجات النبي الأعظم وآله؛ هل ينسى النبي (صلی الله عليه) ذلك المؤمن الذي كان سبباً في رفع درجته، ألا يجعله معه في ذلك المكان؟!.. وبالتالي، لو أتقن الإنسان هذه الجملة: “وارفع درجته” في كلّ فريضة؛ أي قالها بكلّ وجوده؛ فالنتيجة هي كنوز لا تقدر بثمن!.. وهنيئاً لمن كانت صلاته لها مثل هذا الأثر!..

اسم النبي (صلی الله عليه)..
إن اسم النبي (صلی الله عليه) لم يرد في القرآن الكريم صريحاً إلا أربع مرات، والآيات التي ورد فيها اسمه الشريف هي:

١. الآية (٣) من سورة “آل عمران”: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.

٢. الآية (٣٣) من سورة “الأحزاب”: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.

٣. الآية (٤٧) من سورة “محمد”: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾.

٤. الآية (٤٨) من سورة “الفتح”: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.

وبالرغم من ذلك، فإن القُرآن الكريم من أولهِ إلى آخرهِ هو -بمعنى من المعاني- ذِكرٌ للنبي، لأن كُلَ آيةٍ جاءت إلينا، كانت عبرَ النبي (صلی الله عليه).. وبالتالي، فإن كُل آيةٍ تذكرنا به؛ لذا فهو لا يحتاجُ إلى ذكرٍ كثير.

مفهوم الأسوة..
إن القرآن الكريم يطلب منا أن نتخذ من رسول الله (صلی الله عليه) قدوة لنا، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾؛ ولكن ما معنى الأسوة؟..

إن الأسوة تعني أن هناك شخصاً له صفات معينة، فيقوم الإنسان بما يلي:
أولاً: اتباعه.. أي أن يجعل الإنسان ذلك الشخص في الأمام، ويسير هو خلفه.. وذلك كمثل إنسان ضل الطريق في الصحراء، ووجد رجلاً خبيراً بمداخل ومخارج تلك المنطقة، فيمشي خلفه إلى أن يصل إلى هدفه.. فهو بذلك يُعدّ مُتبعاً له.

ثانياً: التخلق بأخلاقه.. أي أن ينظر الإنسان إلى صفات ذلك الشخص، ويحاول أن يتصف بصفاته، ويتخلق بأخلاقه.

ثالثاً: القيام بأعماله.. أي أن ينظر الإنسان إلى أعمال ذلك الشخص، ويتأسى به.

إن مشكلتنا نحنُ أن علاقتنا بالنبي وآله، الغالب عليها هي جهة المحبةِ والعاطفة.. وهذا ليسَ بسر، فنحن عندما ننظر إلى نفوسنا، نرى أن امتلاء قلوبنا بحُب النبي وآله؛ أكثرُ بكثير من امتلاءِ جوارحنا بالاتباعِ لهم!.. والدليل على ذلك: أن الموالي عندما يذهبُ لزيارةِ مشاهدهم، يتفاعل ويبكي على مصائبهم، وتارةً يبكي شوقاً لهم، ويتلهف لرؤيتهم تلهف الأم التي تستقبل ولدها بعد غياب طويل؛ وهذا البكاء أرقى من البكاء الأول!.. وبالتالي، فإن إبداء العواطف شيءٌ طيب لا غنى عنه، وهو مُصداقٌ لقولهِ تعالى: ﴿قُل لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.. ولكن عندما يصل للمشهد الشريف، ويُفرغ ما في قلبهِ من الشُحنات العاطفية، ويزور؛ فإن أفضل عمل يمكن للموالي أن يقوم به؛ تأسياً بأصحاب تلك المشاهد المشرفة في تلكَ الساعة: صلاة ركعتين للهِ عزَ وجل؛ ولكن بطريقتهم!.. فهؤلاء جميعهم كانت تتغير ألوانهم، ويقفون كالخشبة اليابسة من شدة التوجه.. وهذه بعض الشواهد على ذلك:

1. الإمام علي: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت له خلواته في جوف الليل، وفي النهار أيضاً.. فقد روي عن أبي الدرداء أنه قال: (فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحرّكته فلم يتحرّك، وزويته فلم ينزو، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب.. قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم، فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبا الدرداء!.. ما كان من شأنه ومن قضيته؟.. فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله -يا أبا الدرداء- الغشية التي تأخذه من خشية الله.. ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه، فأفاق…).

2. الإمام الحسن: فقد رُوي أنه (كان الإمام الحسن (عليه السلام) أعبد أهل زمانه: حجّ بيت الله ماشيا خمسةً وعشرين حجة.. كان إذا قام للوضوء والصلاة، اصفرّ لونه، وأخذته رجفة من خشية الله، وكان يقول: حقّ على كل من وقف بين يدي رب العرش، أن يصفرّ لونه، وترتعد مفاصله)، هؤلاء كانت تصفر ألوانهم وقت الصلاة، ليس بعض الأوقات، بل دائماً!..

٣. الإمام السجاد.. إن الإمام السجاد (عليه السلام): كان إذا حضرت الصلاة اقشعر جلده، واصفر لونه، وارتعد كالسعفة، وفي بعض الروايات: نقل أبان بن تغلب إلى الإمام الصادق (عليه السلام) صلاة جدّه الإمام السجاد (عليه السلام) فقال له: “إنّي رأيت عليّ بن الحسين إذا قام في الصلاة، غشي لونه بلون آخر”، فقال له الإمام الصادق (عليه السلام): (والله!.. إنّ عليّ بن الحسين، كان يعرف الذي يقوم بين يديه…).. كانت أحوالهم تتغير، لأنهم يعرفون بين يدي من يقفون!..إن الإنسان غير مطالب بالغشية، ولا أن يكون كالخشبة اليابسة، ولا أن يصفر لونه، وترتعد فرائصه، ويقشعر جلده.. إنما ليحاول أن يجعل هاتين الركعتين، هما الأفضل خشوعاً.. ومن الملفت أن قشعريرة الجلد، هذا المعنى ذكر في القرآن: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾؛ فالجلودُ تقشعر بالمعنى المادي لا بالمعنى المجازي.. وهذا ما يحدث لبعض المؤمنين عندما يُصلي، شعر جلدهِ يقف عندما يتذكر الهيبة الإلهية.. فالذي يُريد أن يُصلي ركعتين في الأماكن المقدسة، وإذا بهِ يسرح يميناً وشمالاً، بإمكانه أن يُحفّز نفسه من خلال بعض العبارات المؤثرة، كأن يقول: يا مولاي!.. أنا جعلت علامة القَبول ركعتين بتوجه.. وإذا لم يخشع في الركعتين يقول لنفسه: لعلك طُردتَ من بابهم!.. ويحاول أن يعيدها إلى أن يصل إلى صلاة خالصة، فهذا خير ما يمكن تقديمه كهدية لذاك المعصوم.. فالنبي الأكرم (صلی الله عليه) عندما يرى ذاك الموالي، قد صلى في الروضة ركعتين، ولم تحدثه نفسه بشيء من مال الدُنيا ومتاعها، ولا من الآخرة وحورها، ألا يفتخر به؟!.. وبعد انتهاء الصلاة فليطلب من رسول الله (صلی الله عليه) ما يشاء، فإنهُ لا تُرد له طَلبة.

فإذن، إن الأسوة لابد أن يكون فيها جانبُ الاتباعِ والعمل، إلى جانب المحبة والعاطفة.. فالطائر لا يطير إلا بجناحين، لذا لابدَ من جناحي: العاطفة، والاتباع.

آيات الأسوة:
إن هُنالكَ ثلاثة تعابير للأسوة في القُرآن الكريم:

أولاً: النبي (صلی الله عليه).. يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.. هذهِ الآية فيها إشارة إلى أن مسألة الأسوة بالنبي (صلی الله عليه)، هي قانون ثابت في كل العصور والأجيال.. حيث أن البعض قد يظن بأنَ الذينَ أُمروا باتباع النبي (صلی الله عليه)، هم الذينَ كانوا معه فقط، لأنه في آيةٍ أُخرى يقول: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾، فيفسرون ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، بمعنى صحابته الذين كانوا حوله.. فإذن، النبي (صلی الله عليه) هو أسوة في كل عصر وزمان.. ولكن أسوة لمن؟..

لنتدبر في القرآن الكريم، ولا نكون ممن ينطبق عليهم هذا التوبيخ الإلهي: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾؟!.. فالتدبر في القُرآن من ألذ لذائذ الوجود!.. لذا، هناك من يمسكُ مصحفاً ويفكرُ في صفحة واحدة أو صفحتين ساعات؛ وهي عنده ألذ من مشاهدة التلفازِ وغيره.. والذي يداوم على هذا الأمر، بعدَ فترة تُفتح لهُ الأبواب.. فأحد الأطباء معهُ مصحف خاصٌ به، يُدّون الأفكار والتعليقات والنُكات القُرآنية التي تأتيه في هامشه!.. إنها حركة جميلة، وهذا المصحف هو مصحف العُمر، دائماً معه كُلما رأى فكرة جميلة يدونها.. وهناك من يتدبر في الآية قبلَ أن يُراجع التفسير، ويفرح ويحمد الله تعالى عندما يرى أنه وصل إلى ما وصل إليه كبار العلماء.. فالعلمُ نورٌ يقذفهُ اللهُ -عز وجل- في قلبِ من يشاء، وهذا العلم موجود في الكُتب، وفي الحوزات، وفي الجامعات؛ ولكنّ هُناكَ علماً ربانياً، يُنير به رب العالمين الطريق لعبده.. وكثرة تلاوة القُرآن، وخاصة في الأسحار من موجبات ذلك النور.

إن الأسوة بالنبي (صلی الله عليه) ليست جزافية، وليست مجانية؛ فهي ليست بالنية، وبالعواطف فقط!.. وزيارة النبي في كُلِ يومٍ مرة، أو في الشهرِ مرة؛ هذا لا يوجب الأسوة!.. إنما الأسوة تكون بتهيئة الأرضية، وأن يكون مصداقاً لهذا القيد الذي في الآية ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.. فالذكر الكثير يمحو كل نقص في الوجود، مثلاً: لو أن هناك إنساناً ذَهبَ إلى بيئةٍ موبوءة، وفي كل دقيقة يُعقمُ يديه، ألا يسلم هذا الإنسان من كُل الجراثيم؟!.. والذكرُ الكثير كذلك بمثابة تعقيم دائم، فالذي يعقمُ نفسهُ صباحاً فقط، ولا يفعل ذلك ليلاً؛ من الطبيعي أن جراثيم الليل تفتكُ به.. ومشكلتنا نحن أنَ أحدنا عندما يذهب للحَج أو للعُمرة أو للزيارة، يظن أنه على خير!.. ولكن الأمر ليس كذلك، لأنه أيام الزيارة كان محصناً، أما عندما يرجع فإنه قد يقع في الغفلة والسهو والشهوة المحرمة؛ لأنه خرج من الحصن.. والدليل على ذلك الرواية المعروفة عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (الحـاج لا يزال عليه نور الحج، ما لم يلم بذنب).. أي هُنالكَ نور، هو عبارة عن أجرة إلهية مُعطاة؛ فرب العالمين أكرم الأكرمين!.. ولكن ذلك النور الذي كانَ مع الحاج في الطواف انتهى!.. والنور الذي كانَ مع الزائر في الحائر الحسيني أُخذ!.. ولهذا بعض الناس يُغش ببعض العطايا، فهو بمثابةِ إنسان ذهبَ إلى محل بيع العطور، عندما يرى الجو كُلهُ مُعطراً، يظن بأن عطور الدُنيا أُعطيت له.. ولكن عندما يخرج من المحل، ويمرُ على مكان تجمع النفايات وإذا بالروائح تتغير.. فبعض الروائح الطيبة، وبعض البركات الإلهية، منوطةٌ بالمكان، فهذهِ من لوازم ضيافة المعصوم، ولهذا البعض يستغرب لأنه كان في الزيارة كالطير الذي يحلق في الفضاء؛ ولكن بعد العودة انتهى الأمر!.. هذهِ كرامة حج بيت الله الحرام، وزيارة المعصوم.. وبالتالي، فإن هذهِ الحالات حالات مؤقتة، علينا أن نطورها.

فإذن، إن الأسوة متوقفة -كما نلاحظ في الآية- على جناحين: الإيمان- اليقين بالغيب كما ينبغي- وذكر الله كثيراً.. فعندئذ يكون ممن رشح، لأن يكون متبعاً للنبي (صلی الله عليه).

ثانياً: إبراهيم (عليه السلام).. يقول تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾.. إن إبراهيم (عليه السلام) من الأنبياء الذينَ لهم بعضُ الخصوصيات، فمن خصوصيات النبي إبراهيم: أنَ الأديان السماوية الثلاثة المعروفة: الإسلام، واليهودية، والنصرانية؛ تفتخر به، والكلّ يدّعي أنه يتأسى به.. ولكن القرآن الكريم جعل المقياس هو الاتباع، إذ قال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.. فإذن، إن خط النبي إبراهيم (عليه السلام) كخط باقي الأنبياء، والذي تأسى بالنبي الخاتم (صلی الله عليه)، فقد تأسى بالأنبياءِ جميعاً.

ثالثاً: الأولياء.. يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.. إن فسرنا مرجع الضمير ﴿فِيهِمْ﴾ بالأنبياء رجعنا إلى الآيتين، ولكن من المُمكن أن نفسره بجماعة المؤمنين؛ فالمؤمن أيضاً أسوة.. حيث أن البعض يقتدي بغير المعصوم، فيتخذ من مؤمن، أو من عالم، أو من وليًّ من أولياء اللهِ -عَز وجل- قدوة.. وهذا أمر جيد؛ لأنه عندما يسمع عن الصبر، وعن كظم الغيظ، في الأنبياء وفي الأوصياء، ربما يرى أن تلك الأمور هي للمعصومين.. أما عندما يرى مؤمناً عالماً أو غيرهِ، يُهان إهانة بليغة وهو يضحك ويسكت، ويقول في قلبه: “اللهم!.. اهد قومي فإنهم لا يعلمون”؛ فإن ذلك الموقف سيؤثر فيه.. وكذلك عندما يرى زميلاً له في العمل، أو أخاً له في الدين، وقد تجسدت فيه أخلاق النبي (صلی الله عليه)؛ فهذا الأمر قد يؤثر فيه أكثر من قراءة كتاب حولَ الغضبِ والصبرِ وكظم الغيظ.. وهذا الذي جعلَ البعض يقول: بأن الطريق إلى الله -عز وجل- لا يتمُ إلا من خلال الأستاذ.. ولكن نحن نقول: إذا وجد إنسان مؤمن حقيقي -وإلا فالمزيفون كثيرون- يمكن أن يُتأسى به، ويدفع الإنسان للإمام؛ هذا أمر جيد!.. ولكن ليسَ معنى ذلك أن الأمر متوقفٌ عليه، فالسُفن الشراعية قديماً لم يكن فيها محركات، وإنما كانت تعتمد: إما على الرياح الموسمية، أو المجاذيف.. إن وجدت الرياح، ساعدت على سرعة الوصول؛ ولكن إذا توقفت، فإنهم يجذفونَ بأيديهم.. والمؤمن كذلك في حركة تكاملية مستمرة، فهو تارة يسعى بنفسه، وتارةً تأتي رياح: محرم، وصفر، وموسم الحَج، وزيارة الأربعين، وشهر رمضان؛ تدفعهُ للأمام.. لكن إذا انتهى الموسم، عليه أن لا يقف في مكانهِ أبداً!..

فإذن، إن حركة التكامل الأنفسي، أمر لا يتوقف على وجود الأستاذ.. وحتى إذا وجد العالم الذي له الصفات الراقية، المؤمن لا يجعله قدوة له في كل حركاته، بل يأخذ منه الصفات الحسنة فقط، لأنه غير معصوم.. فقد ورد في الرواية: (إياك أن تنصب رجلاً دون الحجة، فتصدقه في كل ما قال)؛ و”الحجة”؛ هو الإمام المعصوم.. أي مهما كانت مكانة هذا الرجل: خطيباً أو مرجعاً، عليك أن لا تصدقهُ في كُلِ ما يقول؛ لأن هذا شأن المعصوم، فلا تجعله معصوماً في مقابل المعصومين.. والمؤمن مثله كالنحلة، يبحث في البساتين، ويأخذ من كل بستان زهرة، ويمتص رحيقها.. لا كالذبابة التي تحط في كل مكان!..

التأسي بالنبي (صلی الله عليه)..
إن من أهم صفات النبي (صلی الله عليه)، والتي يطمح كل مؤمن أن تتجلى فيه، هي ما تشير إليه هذه الآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾..

١. الحرص: إن المؤمن حريص على المؤمنين ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾.. فإذا رأى في أخيه انحرافاً، فإنه يتأذى إلى درجة أنه لا يمكنه أن يرتاح، حتى يزيل هذه الصفة من أخيه المؤمن.

٢. الرأفة: إن المؤمن مظهر الحنان ومظهر اللطف ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.. فالإنسان العابد الذي يُغمى عليه في صلاة الليل، ولكنه فظّ غليظ القلب مع زوجتهُ وأولادهُ، هذا ويل له!.. إن النبي (صلی الله عليه) لم يكن لطيفاً بزوجاتهِ فقط، ولا بمجتمعهِ؛ وإنما بكفار قُريش، الذين كانوا من أكثر المجموعات البشرية تخلفاً: حيث وأد البنات، وشُرب الخمر، والزنا، والحروب على أتفه الأمور.. والأهم من هذا كُلهِ أنّهم حاربوا نبيهم، النبي الأمين الذي جاءَ بالقُرآن، ورموه بالحجارة.. وهم أصحاب المعلقات، ألا يميزونَ بينَ القُرآنِ وغيره؟!.. ولكن هؤلاء مع كل سيئاتهم، عندما دخلَ النبي (صلی الله عليه) فاتحاً وإذا بهِ يقول لهم: (أذهبوا!.. فأنتم الطلقاء)؛ فأينَ نحنُ من هذهِ الصفة المحمدية الراقية؟!.. لمَ لا نجعل هذا شعارنا مع: أهالينا، وزوجاتنا، وأرحامنا؟!..

الخلاصة:

١. إن الصلاة على النبي (صلی الله عليه)، هي دعاء مستجاب، ومعناه ارتفاع درجات النبي وآله (صلی الله عليه)، وإذا استجيب هذا الدعاء من الإنسان ولو في العمر مرة؛ كان من الفائزين.

٢. إن المراد بالأسوة، هو أن نتبع الذي نتأسى به، ولكن مشكلتنا نحن أن امتلاء قلوبنا بحب النبي وآله (صلی الله عليه) أكثر بكثير من امتلاء جوارحنا باتباعهم.

٣. إن أفضل عمل يمكن أن يقوم به الإنسان تأسياً بالمعصوم في مشهده، هو صلاة ركعتين لله -عز وجل- بتوجه.

٤. إن التدبر في القرآن الكريم من ألذ لذائذ الوجود، وتلاوة القرآن في الأسحار من موجبات قذف نور العلم في القلب.

٥. إن الأسوة ليست بالعواطف، فمن يريد أن يكون متأسياً عليه أن يهيئ الأرضية: بالإيمان بالغيب، واليقين به كما ينبغي، وذكر الله كثيراً.

٦. إن وجد المؤمن الحقيقي الصادق، يمكن أن يُتأسى به؛ فهو يدفع الإنسان إلى الأمام.. ولكن ليس معنى ذلك، أن الأمر متوقف عليه، فالسفن الشراعية تمشي بأي حال.. وإياك أن تجعل غير المعصوم في مقابل المعصومين!..

٧. إن من أهم صفات النبي (صلی الله عليه) التي علينا التأسي بها صفتي: الحرص على المؤمنين، والرأفة بهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى