خطب الجمع

درجات الرضا والتسليم

تاريخ الإمام الحسين -عليه السلام-
إن الحُسين عليهِ السلام- يمكن أن نجعل تاريخهُ بلحاظٍ في صفحتين: الصفحة الأولى: ما قبل واقعة عاشوراء.. والصفحة الثانية: ما بعد واقعة عاشوراء..

الصفحة الأولى: إن تاريخ الإمام الحسين -عليه السلام- ما قبل واقعة عاشوراء، منذ ولادته، ومنذ أن كان مُدللاً بين يدي رسول الله (ص)، ولا شك أنَ النبي (ص) لم يعامل أحداً من أولاد المُسلمين، كما عاملَ ولديه وريحانتيه منَ الدُنيا!.. إذا أردنا أن نعنون هذه الفترة من حياة الإمام، يمكن أن نجعل لها عنوان: “التضحية والإيثار”؛ فهو ضحى بنفسه، وبذل كُلَ ما عندهُ في سبيل اللهِ -عزَ وجل-: من الرضيعِ إلى الكبيرِ، ومن الأخوة والأهل إلى الأصحاب.

الصفحة الثانية: إن ما جرى على أهلِ بيتهِ بعدَ واقعةِ عاشوراء، يمكن أن نعنونها بعنوان: “الرضا بقضاء اللهِ، والتسليم لأمر الله”؛ لأنَ أخته السيدة زينب الكُبرى، وابنه الإمام زين العابدين – عليهما السلام- ضربوا أعلى صور الاستسلام أمامَ القدر الإلهي في هذا المجال!..

القضاء الإلهي..
إن قضاء الله -عز وجل- وقدرهُ في الناس عامة له ثلاث شعب: إما كفارةٌ لسيئة، أو رفعٌ لدرجة، أو استدراج.. فالشعبتان الأولى والثانية؛ هي لأولياء الله -عز وجل-.. والشعبة الثالثة؛ هي لغير المؤمنين.. وكلمة “أولياء” هنا لا تعني الأولياء المُخلَصين؛ إنما الذينَ هُم في سبيل العبودية.

الشعبة الأولى: كفارة لسيئة.. أي عقوبة لبعضِ ما يرتكبه العبد منَ الخطايا والذنوب؛ وهذا مَكسبٌ عَظيم!.. لأن رب العالمين يحبه؛ لذا ابتلاه ببليةٍ!.. فالإنسان الذي ينظر إلى ما يحرم النظر إليه، ثم يشعر بصداع، ولكن عندما يطلع الفجر وإذا به مُعافى؛ هذا خيرٌ له من أن يُضرب رأسه بمقامع من نار في عرصات القيامة وفي القبر؟!.. فشتان بينَ صُداع ليلة في الدُنيا يذهب بمسكنٍ، وبينَ أن يبقى الإنسان مُعذباً في قبرهِ عشر سنوات؛ مُقابل ذلك الحرام الذي ارتكبه!.. فإذن، إن البلاء للمؤمن من أكبر النعم!.. ولو كُشفَ لهُ الغطاء، لقال: يا رب، زدني بلاءً!.. ولا غرابة في ذلك، فهناك روايات مُلفتة من هذا القبيل، مثلاً: الإنسان في دار الدُنيا عنده حوائج، فيدعو اللهِ -عزَ وجل-: فيُعطى بعضَ الحوائج، ويُمنع بعضها، ولكن يوم القيامة يرى الفارق: فالدعاء الذي أستجيب؛ أستجيب وانتهى الأمر، لا أثرَ له.. أما الدعاء الذي لم يُستجب؛ فإنه يرى له تعويضاً مذهلاً!.. هذا المؤمن دعا في جوف الليل، وذَهبَ للمشاهد، وتعلقَ بأستار الكعبة، ولكن لم يُعط الحاجة؛ لحكمةٍ يراها هو.. ففي يوم القيامة عندما يرى سعة رحمة الله تعالى، وعظيم جزائه وتعويضاته؛ يتمنى أنه لو لم تستجب له دعوة واحدة في الدنيا.. فقد روي عن الإمام الصادق -عليه السلام- أنه قال: (إنّ الربّ ليلي حساب المؤمن فيقول: تعرف هذا الحساب؟.. فيقول: لا يا رب!.. فيقول: دعوتني في ليلة كذا وكذا في كذا وكذا، فذخرتها لك، قال: فممّا يرى من عظمة ثواب الله يقول: يا ربّ!.. ليت أنّك لم تكن عجّلت لي شيئاً، وادّخرته لي).

الشعبة الثانية: رفع لدرجة.. هنيئاً لمن كانَ حسابهُ صفراً مع رب العالمين!.. أي ليس عليه تبعة لأحد، وليس عليه ديون، ولا خمس، ولا قضاء، ولا رد مظالم!.. هذا الإنسان يكون مستعداً دائماً للموت، وكُل بلاءٍ يصيبه؛ هو رفع درجة له، حتى الخدش أو الشوكة كما في الروايات.. فعن النبي الأكرم (ص) أنه قال يوماً لأصحابه: (ملعونٌ كلُ مالٍ لا يُزكّى ملعونٌ كلّ جسدٍ لا يُزكّى، ولو في كل أربعين يومٍاً مرة، فقيل: يا رسول الله!.. أمّا زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟.. فقال لهم: أن تُصاب بآفة.. فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه، فلمّا رآهم قد تغيرت ألوانهم قال لهم: هل تدرون ما عنيت بقولي؟.. قالوا: لا يا رسول الله!.. قال: بلى، الرجل يُخدش الخدشة، ويُنكب النكبة، ويعثر العثرة، ويمرض المرضة، ويشاك الشوكة وما أشبه هذا.. حتى ذكر في آخر حديثه اختلاج العين).. وعن الإمام الصادق -عليه السلام-: (ملعون!.. ملعون!.. كل بدن لا يصاب في كل أربعين يوماً… إن من البلية: الخدشة، واللطمة، والعثرة، والنكبة، والفقر، وانقطاع الشسع، وأشباه ذلك.. يا يونس، إن المؤمن أكرم على الله -تعالى- من أن يمرّ عليه أربعون يوماً، لا يمحص فيها من ذنوبه، ولو بغم يصيبه لا يدري ما وجهه.. وإن أحدكم ليضع الدراهم بين يديه، فيراها فيجدها ناقصة؛ فيغتم بذلك فيجدها سواء؛ فيكون ذلك حطاً لبعض ذنوبه).

فإذن، ما من صغيرة ولا كبيرة، تصيب الإنسان المؤمن؛ إلا وهي: إما كفارة لسيئة، أو رفع درجة!..

الشعبة الثالثة: استدراج.. إن النعمة للمؤمن؛ أداةٌ للتقرب إلى الله عز وجل، فالدُنيا مزرعة الآخرة.. ولكن لغير المؤمن؛ فهي استدراج؛ لإيقاعه في الإثم، يقول تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.. حيث أن رَب العالمين يجعل النعمة مُقدمة للإثم: فالكافر كُلما جاءهُ نعيم؛ استمتعَ بهذا النعيم استمتاعاً مُحرماً.. وكُلما زادَ النعيم، وزادت الثروة؛ زادَ الاستمتاع المُحرم.. وبالتالي، فإن مكثه في النار سيطول!.. ويقول تعالى أيضاً في كتابه الكريم: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.. هذهِ الآية من الآيات المُخيفة لنا جميعاً، فهذا الكلام يعمّ المُسلمَ وغير المسلم.. لذا، فإن البعض يتمنى يومَ القيامة، لو كانَ فقيراً مُعدماً!.. لأن الإنسان الذي يبخل بما فرضَ الله -عزَ وجل- عليه، ولم يدفع ما عليه من الحقوق الواجبة في دار الدنيا، وجعل أمواله في البنوك العالمية، وحولها إلى سبائك ذهبية؛ فإن هذا المال سيتحول إلى طوق من نار في عنقه يوم القيامة ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ﴾.. تارة يكون الطوق صغيراً، فيتحملهُ الإنسان -وإن كان طوق النار لا يُتحمل-!.. ولكن كُلما زادَ المال الذي بَخلَ بهِ الإنسان؛ كُلما كانَ الطوق أغلظ وأعظم!..

فإذن، إن القضية مخيفة جداً!.. ولهذا يجب على المؤمن، أن لا ينبهر عندما يرى متاع الكافرين ونعيمهم، وإلا فهو بعيدٌ عن منطق القُرآن الكريم، الذي يقول: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.. فهذه النعم؛ هي في الواقع عذاب لهم في الحياة الدُنيا؛ لأنه كُلما زاد النعيم؛ زاد التعلق.. وكُلما زادَ التعلق؛ زادَ خوف المفارقة.. وكُلما زادَ خوف المفارقة؛ كُلما زادَ القلق.. فبعض التجار يطلب بضاعةً منَ الغرب، فلا يقر له قرار إلى أن تصل إلى الميناء؛ لأنه يخاف من الطريق، ومن القراصنة، ومن الحريق والغرق.. بينما الإنسان المستضعف المسكين؛ فإنه ينام بأمان قرير العين؛ لأنه غير مشغول البال: لا بسفينة، ولا ببضاعة!.. فهنيئاً لمن رزقهُ الله -عزَ وجل- الميسور من الرزق، فقد ورد في الحديث الشريف: (إنَّ ما قلَّ وكفى؛ خيرٌ مما كَثُرَ وألهى)!.. ولكن هذا الكلام ليسَ معناهُ التقاعس الاقتصادي، إنما هو موجه للإنسان الذي تلهيهِ التجارة!.. فتارة المؤمن كالجبل الراسخ؛ عندما يصلي لا يفكرُ في شيء، هذا الإنسان تجارتهُ مُباركة: لأنه كُلما زادَ مالاً؛ زادَ تخميساً وتزكيةً!.. ولكن أين هم هؤلاء؟!..

التسليم والرضا بقضاء اللهِ وقدره..
إنَ الناس بالنسبة إلى القضاء والقدر، ينقسمون إلى قسمين: المتبرم، والصابر..

القسم الأول: المتبرم.. ليسَ هُنالكَ من يستثنى منَ البلاء، ولو عاشَ الإنسان عيشة الفراعنة والقياصرة والأكاسرة؛ فإنّهُ سيأتيه الموت!.. مثلاً: لو بقيَ الإنسان في نشاط الشباب إلى سن المائة -وهذا الفرض فرض باطل لا معنى لهُ- فإن أقل بلاءٍ لهُ أنّهُ سيغادر هذا النعيم!.. والمتبرمونَ صنفان:

أولاً: متبرمٌ صريح: إن بعض الناس عندما ينزل عليهِ البلاء؛ فإنه يكفر باللسان؛ وهذا قسم قليل.. أو يجزع عند المصيبة؛ فهذا لا ينال أجراً في الآخرة، ولا مقاماً في الدنيا!..

ثانياً: متبرمٌ غير صريح: إن هناك كثيراً منَ المسلمين لا يصرحونَ بما في قلوبهم، ولكنهم في سويداء القلب، يتمنون غير ما وقع.. كأن يقول الإنسان في نفسه: يا رب، لمَ قبضتَ ولدي؟.. أو لمَ أخذتَ مالي؟.. فبمجرد هذا التمني هو أصبح متبرماً منَ اللهِ عزَ وجل.. المؤمن لا يقول: “لو” فعن النبي (ص) أنه قال: (…وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا.. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ!.. فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ).. فإذن، هذا قسم متبرمٌ ومعترض على قضاء اللهِ وقدره، ولكنه لا يصرح؛ استحياءً واحتراماً لمقام الربوبية.

القسم الثاني: الصابر.. إن الصابر غير متبرم، ولا يتجرأ أن يتمنى -ولو في قلبه- غير ما وقع.. هذا أيضاً قسمٌ جيد، لا هو في الأعلى، ولا هو في الحضيض، يصبر على ما أصابهُ.. وعامة المؤمنين في أحسن التقادير من هذا القسم الصابر!.. ولكنّ الصابرين أيضاً صنفان:

أولاً: الراضي: مثلاً: الإنسان الذي في المستشفى، يصبر على حقن الإبر، وعلى العمليات، وعلى غيرهِ.. ولكن ليسَ معنى ذلك: أنه راضٍ بما يجري، فهو يصبر؛ ولكنه غير راضٍ عما يحدث له.. أما مقامُ الرضا بقضاء اللهِ -عزّ وجل- وقدره، فهو أن يرى العبد كل ما يجري عليه جميلاً جداً.. كما قالت السيدة زينب -عليها السلام- عندما شمت بها ابن زياد قائلاً لها: “كيفَ رأَيت صنعَ اللهِ بأَخيكِ وأَهل بيتكِ”؟!.. فقالتْ: (مَا رَأَيْتُ إلاَّ جَمِيلاً)!.. هذا هو مقام الرضا بقضاء اللهِ وقدره.

ثانياً: المسلّم: وهذا الذي كانَ فيهِ الإمام زين العابدين -عليهِ السلام- والسيدة زينب الكبرى -عليها السلام-.. فالصابر يرى لنفسهِ وجوداً، والمستسلم يرى لنفسهِ وجوداً، ولهذا قد يُعجب فيقول: أنا الذي استسلمت، أنا الذي صبرت.. ولكن المُسَلم لا يرى لنفسهِ وجوداً، يرى يد اللهِ -عز وجل- تقلبهُ يميناً وشمالاً.. فالإمام الحسين -عليه السلام- يوم عاشوراء، كان يقول وهو يجود بنفسه: (هَوّنَ ما نزلَ بي؛ أنّهُ بعين اللهِ عزَ وجل)!.. كان مُستسلماً للقتل، وزينب -عليها السلام- أيضاً كانت مستسلمة للسبي؛ لأنَ الله -عز وجل- شاءَ أن يراهُ قتيلاً، وشاءَ أن يراهنَ سبايا.. هذا هو مقامُ التسليم!.. والذي يصل لهذهِ الدرجة منَ التسليم؛ فإنه لا يرى إلا الجميل في هذا الوجود.

كيفَ نصل لدرجة التسليم؟..
– المعرفة النظرية.. كي يصل الإنسان إلى درجة التسليم، عليه أن يعرف الهَدف من خلقة الوجود، ألا وهو التعرّف عليه، فقد ورد في الحديث القدسي: (كُنتُ كنزاً مخفياً، فأحببتُ أن أعرف؛ فخَلقتُ الخَلقَ لكي أُعرف)!.. إذن، رَب العالمين خَلقنا لنصلَ إليه، والطريقُ إلى اللهِ -عَزَ وجل- يَمرُ من خلال تحمل البلاء.. فهذا الإمام زين العابدين -عليهِ السلام- يقول في خطبته: (الحمد لله الذي لا بداية له، الدائم الذي لا نفاد له، الأول الذي لا أول لأوليّة، والآخر الذي لا آخر لآخريّتة له، الباقي بعد فناء الخلق).. فمعرفةُ الله حَقَ المعرفة، من موجبات التسليم بقضاءِ اللهِ وقدره؛ لأنه هو القابض، وهو الباسط.. فهو الذي يعطي، وهو الذي يأخذ.. لذا، فإن المؤمن عندما يموتُ ولده، يقول: يا رب، أنت الذي أعطيتني هذا الولد أمانة، والآن أخذته، واسترددت أمانتك!.. يقول ذلك بكُلِ معنى الكلمة، لا من باب المجاملة!..

آثار الرضا والتسليم..
أولاً: الارتياح.. إن المؤمن إذا وصلَ إلى مرحلة التسليم، يعيش أحلى لحظات الوجود؛ لأنّهُ بينَ يدي اللهِ عز وجل.. فالألم الذي يجري في بدنهِ، يراه محبوباً عند اللهِ -عزَ وجل-؛ فيحب هذا الألم؛ لأنَ اللهَ يحب ذلك.. وإذا وقعَ في الفقر، أو المرض، أو في الإفلاس – غير الاختياري؛ لأن الإنسان تارة لا يتقن التدبير.. مثلاً: إنسان غير اقتصادي، لا يراعي قواعد المهنة؛ فهو بسوء تصرفه وقع في الإفلاس؛ فهذا غير معلوم أنه يؤجر على فعله -؛ هذا الإنسان يعيش أعلى درجات الارتياح النفسي!…

ثانياً: الشجاعة.. إن الرضا بقضاء الله -عز وجل- والتسليم لأمره، يجعل الإنسان شجاعاً مقداماً.. ومن الأمثلة على ذلك، موقف الإمام زين العابدين -عليه السلام-، وعمته السيدة زينب -عليها السلام- من يزيد بعد واقعة عاشوراء:

1. موقف الإمام السجاد -عليه السلام-: فهذا الإمام -عليه السلام- يقف أمام جبار، وأمام طاغية؛ قتلَ أباه، وسبى نساءه.. فالقاعدة تقول: أنه من الأفضل أن يداري هذا اللعين، وهذا الظالم؛ كي يتخلص من شره.. ولكن انظروا إلى لحن الإمام معَ يزيد، عندما التقى القاتل مع ابن المقتول، ويا لهُ من لقاء!.. فالإمام لم يتكلم معَ يزيد بهذا المنطق؛ إلا لأنّهُ يرى أنَّ أزمة الأمور طُراً بيده، والكلّ مستمدّة من مدده؛ لذا فإنه عندما أمر يزيد -لعنه الله- بمنبر وخطيب، ليخبر الناس بمساوي الحسين وعلي‏ -عليهما السلام- وما فعلا.. فصعد الخطيب المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم أكثر الوقيعة في علي والحسين، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد.. هنا صاح به علي بن الحسين -عليه السلام- قائلاً: (ويلك أيها الخاطب!.. اشتريت ‏مرضاة المخلوق بسخط الخالق؟!.. فتبوأ مقعدك من النار)!.. فالذي جعلَ الإمام يتكلم بهذا اللحن؛ هو أنّهُ اجتاز الامتحان الأخير!.. فهذا الطاغية -لعين الأزلِ والأبد- أخذَ يستهزئ ويقول: “يا علي الحمد لله الذي قتل أباك”!.. قال علي -عليه السلام-: (قتل أبي الناس).. قال يزيد: “الحمد لله الذي قتله فكفانيه”!.. قال علي -عليه السلام-: (على من قتل أبي لعنة الله، أفتراني لعنت الله عز وجل)؟.. هذا المنطق هو منطق إنسان يرى اللهَ -عزَ وجل- فوقَ كُلِ شيء!..

إن المؤمن هكذا يعيش، يكون كإمامه زين العابدين -عليه السلام- عندما وقف أمام يزيد -كما تقول الروايات- بكل شموخ وعزة، مع الحالة التي هو عليها.. قال يزيد لزين العابدين: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾.. فقال علي بن الحسين -عليه السلام-: (كلا!.. ما هذه فينا نزلت، إنما نزلت فينا: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.. فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا، ولا نفرح بما آتانا).. الإمام طَبقَ هذهِ الآية على نفسهِ الشريفة!.. هكذا إمام بهذهِ العَظمة، يُقاد أسيراً، ولا يستبعد أنه عندما كانَ في طريق السبي، والأغلال الجامعة في عنقه، كانَ يتمتم بمناجاةِ المُحبين، والمُريدين؛ فهو صاحب هذه المناجيات!.. تقول الروايات: (وجيء بعلي الحسين -عليه السلام- على بعير ضالع، والجامعة في عنقه، ويداه مغلولتان إلى عنقه، وأوداجه تخشب دماً).. بعض روايات المقتل والمصيبة؛ تستدرُ الدمعة، ومنها هذه الرواية: (وقبل إدخالهم على يزيد، أوقفوهم فترة على درج باب المسجد، حيث مكان إيقاف سبي الكفار، ثم أتوا إليهم بحبل أوثقوهم به كتافاً.. وقد كانت بداية الحبل في عنق علي بن الحسين، ونهايته في عنق السيدة زينب، كما تربق الأغنام، وساقوهم بإذلال!.. وكلما قصروا عن المشي؛ ضربوهم بالسياط، والسبايا يكبرون ويهللون.. حتى أوقفوهم بين يدي يزيد في مجلسه، وهو متربع على سريره، فالتفت إليه علي بن الحسين قائلاً: «ما ظنك بجدنا رسول الله، لو يرانا على مثل هذه الحالة»؟.. فتأثر يزيد، ولم يبق أحد في مجلسه إلا وبكى.. وأمر يزيد بالحبال، فقطعت)!..

2. موقف السيدة زينب -عليها السلام-: وأما السيدة زينب -عليها السلام- انطلقت لتتكلمَ على لسانِ عليٍّ -عليهِ السلام- بكل شجاعة، ورباطة جأش.. وعندما تكلمت: هدأت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثمَ قالت معاتبةً ليزيد: (أ من العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله سبايا: قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي، ولا من رجالهن ولي؟.. وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟.. وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت، من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان؟.. ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:

لأهلوا واستهلوا فرحاً *** ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله، سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك؟!.. وكيف لا تقول ذلك؛ وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأقة، بإراقتك دماء ذرية محمد (ص)، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب.. وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم، فلتردن وشيكاً موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت.. اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا.. فوالله!.. ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك!.. ولتردن على رسول الله (ص) بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته.. حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم، يأخذ بحقهم ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾؟!.. وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً!.. وسيعلم من سوّل لك، ومكنك من رقاب المسلمين ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ أيّكم ﴿شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾؟..

يا لهُ من منظر!.. زينب -عليها السلام- عندما كانت في الكوفة في زمانِ أبيها أمير المؤمنين، كان يُشار إليها بالبنان: هذهِ ابنة خليفة المسلمين، هذهِ ابنةُ علي!.. وكانت النساء يتواضعنَ؛ إجلالاً لها!.. وإذا بها تدخل الكوفة، والكُلُ ينظر إلى هذهِ القافلة، حتى نادت الهاشمية منهن: (لقد خزينا من كثرة النظرِ إلينا)!..

الخلاصة:-

1. أنه يمكننا أن نوجز تاريخ الحُسين عليهِ السلام- في صفحتين: الصفحة الأولى ما قبل واقعة عاشوراء، وعنوانها: التضحية والإيثار،والصفحة الثانية ما بعد واقعة عاشوراء، وعنوانها: الرضا بقضاء اللهِ، والتسليم لأمر الله.

2. أن البلاء للمؤمن من أكبر النعم، فهو إما كفارةٌ لسيئة، أو رفعٌ لدرجة، ولو كُشفَ لهُ الغطاء لقال: يا رب، زدني بلاءً!.

3. أن النعمة للمؤمن؛ أداةٌ للتقرب إلى الله عز وجل، فالدُنيا مزرعة الآخرة،ولكنها لغير المؤمن استدراجٌ لإيقاعه في الإثم.

4. أن الناس بالنسبة إلى القضاء والقدر، ينقسمون إلى قسمين: فالقسم الأول هو المتبرم صراحة الذي يخسر الدنيا والآخرة؛ او المتبرم في قلبه بتمنيه غير الذي وقع، و القسم الآخر الصابر.

5. أن الصبر على مكروه القضاء تارة يكون استسلاما لانعدام القدرة على التغيير، وتارة يكون تسليماً كصبر زينب عليها السلام ،عندما لا يرى لنفسهِ وجوداً، ويرى يد اللهِ -عز وجل- تقلبهُ يميناً وشمالاً، والذي يصل لهذهِ الدرجة منَ التسليم؛ فإنه لا يرى إلا الجميل في هذا الوجود.

6. أن الذي يريد أن يصل إلى درجة التسليم، عليه أن يعرف الهَدف من خلقة الوجود، فرَب العالمين خَلقنا لنصلَ إليه، والطريقُ إلى اللهِ -عَزَ وجل- يَمرُ من خلال تحمل البلاء.

7. أن المؤمن إذا وصلَ إلى مرحلة التسليم، يعيش أحلى لحظات الوجود؛ وقمة ارتياحه النفسي ،لأنّهُ بينَ يدي اللهِ عز وجل، ويكتسب شجاعة وإقداما كتلك التي سجلها التأريخ لزينب ولإمامنا زين العابدين –عليهما السلام- في مجلس الطاغية يزيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى