خطب الجمع

أمير المؤمنين عليه السلام أسوة الأمم

ميلاده واستشهاده..
إن أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وقائد الغُر المُحجلين إلى جنات النعيم؛ هذا الإمام الهُمام متميز زماناً ومكاناً:
المكان: ولدَ أمير المؤمنين -عليه السلام- لا في بيتٍ من بيوت الله -عزَ وجل- وإنما ولدَ في مركز الأرض؛ ألا وهي الكعبة المشرّفة.. والاستشهادُ أيضاً متميز، فمن المواضع التي يخير فيها الإنسان بينَ القصرِ والتمام: مسجد الكوفة.. فعليٌ -عليه السلام- ولدَ في مكان متميز، واستشهد في مكان أيضاً متميز.
الزمان: زمان ميلادهِ -عليه السلام- في شهرٍ حرام، كشهر رجب.. واستشهادهُ في أفضل الشهور، وفي ليلةٍ من ليالي القدر المُباركة.. أنظروا إلى الجمع بينَ المزيتين الزمان والمكان!..

فضائله (عليه السلام)..
إن البعض يفرح بحديث الفضائل -وهذا في محله- عن الإمام الصادق (ع): (شـيعتنا منّا يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا)؛ ولكن حديث الفضائل حجةٌ علينا.. فمثلاً: الإنسان الذي يصفُ أباهُ أمام الناس بكل الصفات الحسنة ويقول: والدي في قمة الحنان، وفي قمة الكرم، وفي قمة الرعاية، وفي قمة الإحسان؛ ولكن في مقام العمل يراهُ الناس عاقاً لأبيه، أليست هذهِ إدانة في حقه؟.. يقولون: لو كانَ والدك ظالماً بخيلاً قاسي القلب؛ لعذرناك!.. ولكن هو ليس هكذا؛ فلماذا لستَ باراً به؟!.. والكل يعرف قول النبي -صلى الله عليه وآله-: (أنا وعلي أبوا هذهِ الأمة).. وفي كُل زمان وفي كل عصر ولي أمرنا؛ هذا الأب الشفيق.. وليس هناك مانع أبداً أن يقول الإنسان في دعواته وفي أحاديثه مع صاحب الأمر -عجل الله تعالى فرجه-: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} كما طلبَ أبناء يعقوب -عليه السلام- من أبيهم.

روايات الفضائل:
أولاً: الاتحاد والاتصال.. قال أمير المؤمنين (ع) في رسالته إلى سهل بن حنيف رحمه الله: (والله!.. ما قلعتُ باب خيبر، ورميتُ به خلف ظهري أربعين ذراعاً: بقوة جسدية، ولا حركة غذائية؛ لكني أُيّدت بقوة ملكوتية، ونفس بنور ربها مضيئة.. وأنا من أحمد كالضوء من الضوء، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت، ولو أمكنتني الفرصة من رقابها لما بقّيت.. ومن لم يبالِ متى حتفه عليه ساقطٌ؛ فجنانه في الملمات رابط ).. فعبارة: (وأنا من أحمد كالضوء من الضوء)، تشبيه مُلفت من أمير الكلام -عليه السلام-!.. نحن تارةً نقيس الضوء إلى الفتيل أو إلى المصباح، فالمصباح قد يكون موجوداً ولكن لا نورَ لهُ باعتبار أنهُ فتيلةٌ مطفية.. إذن، هُنالكَ انفكاكٌ بينَ مصدر النور وبينَ النور، ولكن عندما تكون العلاقة علاقة الضوءِ من الضوء، فإن الحزمة النورية لا يمكن أن يميز فيها ضوء من ضوء، هذا الضوء كهذا الضوء؛ فليست النسبة كالفتيل إلى الضوء.. في آية المُباهلة يقول النبي -صلى الله عله وآله-: {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ}؛ أي هناك وحدة.. وفي تعبير عليٍّ -عليه السلام- يصفُ نفسه أنهُ كالضوءِ من الضوء؛ أي هناك اتحاد واتصال.. يا لهُ من تعبير!..

يقول النبي -صلى الله عليه وآله-: (فاطمة بضعة مني)، فهي كالضوءِ من الضوء؛ لأن البضعة من الشيء تكون متحدة معهُ، متصلة به، لا انفكاكَ بينهما.. وعليٌ -عليه السلام- هو خيرٌ من فاطمة، فكيف لا يكون بضعة النبي -صلى الله عليه وآله- بالمعنى الذي سيأتي في الرواية الأخرى؟.. يقول النبي -صلى الله عليه وآله-: (أو ما علمت إن علياً مني وأنا منه)؟.. ففي حديث: (حسينٌ مني، وأنا من حُسين) فُسّر (حسينٌ مني): بأنهُ حفيد النبي، والحفيدُ من الإنسان، (وأنا من حُسين) بمعنى امتداد الرسالة؛ أي إن بقاء ديني وشريعتي الى يوم القيامة، إنما هو بسبب الحسين -عليه السلام- فلولا الحسين لما بقي من الدين المحمدي أثر.. ولكن ماذا نفسر هذهِ الرواية: (..أنَ علياً مني وأنا منه)؟.. (وأنا منه) يمكن أن يُفسّر: كـ(وأنا من حُسين)؛ بمعنى امتداد الرسالة.. ولكن ما معنى: (أنَ علياً مني)؟.. بمعنى: أنَ هنالكَ تفاعلاً واتصالاً واتحاداً بينَ المنهجين، ولطالما أرادَ النبي -صلى الله عليه وآله- أن ينفي الاثنينية بينهُ وبين علي -عليه السلام- فكان يؤكد على أن علياً مع الحق والحق مع علي.. عن حذيفة بن اليمان: “سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله- يقول: (علي أمير البررة، وقاتل الفجرة.. منصورٌ من نصره، مخذولٌ من خذله.. ألا وإنّ الحق معه يتبعه؛ ألا فميلوا معه)”.. أرادَ أن يُفهم الأمة أنَ وزنَ علي بعدَ ممات النبي -صلى الله عليه وآله- كوزن النبي في الأمة.. وهذا المعنى لم يكن خافياً على من كانَ مع النبي -صلى الله عليه وآله-.

ثانياً: الوجه الرباني.. ورد في راوية: (جاء رجل مشجوج الرأس يستعدي عمرَ على عليّ -عليه السلام-، فقال عليّ: “مررتُ بهذا وهو يقاوم امرأة، فسمعتُ ما كرهتُ”.. فقال عمر: إن لله عيوناً، وإن عليّاً من عيون الله في الأرض).. وفي رواية الأصمعي: (أنه قال عليه السلام: “رأيته ينظر في حرم الله إلى حريم الله”.. فقال عمر: اذهب!.. وقعت عليك عين من عيون الله، وحجاب من حجب الله، تلك يد الله اليمنى يضعها حيث يشاء).. هذه نظرةُ من كانَ في زمان النبي -صلى الله عليه وآله- لعلي -عليه السلام-.. وهذهِ الرواية أيضاً من طرائف الحديث، حيث أنها تعكس لنا وزن عليٍّ في الأمة.. فهذا الفضل كان مسجلاً له -عليه السلام- في حياة النبي، وبعدَ وفاة النبي -صلى الله عليه وآله-.. فمنذ أن بُعثَ بالدعوة إلى حجة الوداع، والنبي -صلى الله عليه وآله- كُلما رأى مُناسبة كانَ يُبيّن فضلَ علي -عليه السلام- في مواقف كثيرة ومختلفة، منها: حديث الطائر المشوي: عن أنس: (كنت أخدم رسول الله (ص) فقدم لرسول الله (ص) فرخ مشوي، فقال: “اللهم!.. إئتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي من هذا الطير”، قال: فقلت: اللهم!.. إجعله رجلاًًًً من الأنصار، فجاء علي (ر)، فقلت: إن رسول الله (ص) على حاجة، ثم جاء فقلت: إن رسول الله (ص) على حاجة، ثم جاء فقال رسول الله (ص): إفتح!.. فدخل، فقال رسول الله (ص): ما حبسك علي؟.. فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس، يزعم أنك على حاجة.. فقال: ما حملك على ما صنعت؟.. فقلت: يا رسول الله، أسمعت دعاءك، فأحببت أن يكون رجلاًًًً من قومي.. فقال رسول الله: أن الرجل قد يحب قومه).. وحديث المَنْزِلَة: الذي هو قول رسول الله -صلَّى الله عليه وآله- لعلي بن أبي طالب -عليه السَّلام-: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي).. وليلة المبيت، والأحاديث المختلفة التي تؤكد على هذا الوجه الإلهي الرباني.. حتى أن الإمام الصادق -عليه السلام- قال: (ما نوديَ بشيءٍ، مثلما نوديَ بالولاية).

ثالثاً: المنزلة المبهمة.. عن ابن مسعود قال: نظر إلي رسول الله -صلى الله عليه وآله- وهو واضع كفه في كف علي -عليه السلام- مبتسماً في وجهه، فقلت: يا رسول الله، ما منزلة علي منك؟.. قال: (كمنزلتي عند الله عز وجل).. وفي رواية أخرى: سُئل النبي (ص) عن عليّ بن أبي طالب (ع) فغضب وقال: (ما بال أقوامٍ يذكرون منزلة مَن منزلته من الله كمنزلتي، مَن له منزلةٌ كمنزلتي؟.. أَلاَ ومَن أحبّ عليّاً فقد أحبّني، ومَن أحبّني رضي الله عنه، ومَن رضي الله عنه كافأه الجنّة.. أَلاَ ومَن أحبّ عليّاً تقبّل الله صلاته وصيامه وقيامه، واستجاب الله له دعاءه).. هذهِ الرواية من الروايات التي تحتاجُ إلى شرح: فمنزلة النبي -صلى الله عليه وآله- من الله -عزَ وجل- منزلة مُبهمة.. بمعنى: أنه نحنُ البشر لا نعلم منزلة النبي من ربه، ولهذا في رحلة المعراج يقول القرآن الكريم: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}.. ما هذا الذي أوحاه؟.. نحنُ لا نعلم ولن نعلم، جبرئيل -عليه السلام- يقول: (لو دنوت أنملةً، لاحترقت)؛ يالها من خلوة بين الله -عزَ وجل- وبينَ نبيهِ -صلى الله عليه وآله-!.. في هذه الرحلة رب العالمين -جلا وعلا- خلقَ الكلام للنبي -صلى الله عليه وآله- كما خلقَ الكلام لموسى -عليهِ السلام-.. سئل رسول الله (ص): بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج؟.. فقال: (خاطبني بلغة علي بن أبي طالب (ع)، وألهمني أن قلت: يا ربّ!.. أخاطبتني أنت أم علي؟.. فقال: “يا أحمد!.. أنا شيءٌ ليس كالأشياء، ولا أُقاس بالناس، ولا أُوصف بالأشياء، خلقتك من نوري، وخلقت علياً من نورك.. فاطّلعت على سرائر قلبك، فلم أجد على قلبك أحبّ من علي بن أبي طالب (ع)، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئن قلبك”).. رب العالمين اختارَ لحنَ وصوت علي -عليه السلام-؛ لأنهُ صوتٌ يؤنس النبي -صلى الله عليه وآله-.. فإذن، إن المنزلة مُبهمة، وكذلك منزلة علي من النبي -صلى الله عليه وآله- مُبهمة.

– المعرفة الإشراقية.. إن علياً -عليه السلام- كانت لهُ خلوات في السحر مع رسول الله -صلى الله عليه وآله- كما في بعض النصوص.. عن علي بن أبي طالب -عليه السلام- قال: (كانت لي ساعة من السحر، أدخل فيها على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فإن كان قائماً يصلي، سبح لي؛ فكان ذلك إذنه لي.. وإن لم يكن يصلي؛ أذن لي).. ماذا كانَ يجري بينهما؟.. قد نعلمُ شيئاً من هذه الأسرار من خلال حديث: (علمني رسول الله -صلى الله عليه وآله -ألف باب من العلم، ينفـتح لي من كل باب ألف باب).. ولكن ما هذهِ الفتوحات؟.. وكيفَ ينفتح من كل باب ألفَ باب؟.. نحنُ لا نعلم!.. هُنالكَ كما يُقال في اصطلاح البعض: معرفة إشراقية، فالنبي -صلى الله عليه وآله- كانَ ينقل ما عندهُ من مزايا وعلم، بطريقتهِ الخاصة إلى عليٍّ -عليه السلام- أي لم يكن الأمر بالكلام المُجرد.

– المعرفة المعنوية.. ما منزلة النبي -صلى الله عليه وآله- من ربه؟.. هذهِ المنزلة منزلة رسالية معنوية، ليسَ هناكَ أيّ مزيةٍ مادية في البين.. تعالى رب العالمين أن تكون لهُ مزية مادية مع حبيبهِ المصطفى -صلى الله عليه وآله-.. في عالم المخلوقات: النبي خَلقٌ من خلق اللهِ -عزَ وجل- كباقي مخلوقات الوجود.. وفي عالم المادة: نسبةُ النبي لله -عز وجل- كنسبةِ أعدائهِ في أصل الخَليقة.. ولكن الرابطة رابطة معنوية: أي رابطة القُرب، ورابطة العبودية، ورابطة المحبة.. وكذلك بالنسبة إلى ارتباط علي -عليه السلام- بالنبي -صلى الله عليه وآله-: صحيح كان صهره، وكانَ ابن عمه؛ ولكن حاشى لرسول الله -صلى الله عليه وآله- أن يعامل علياً -عليه السلام- فقط معاملة المصاهرة، وكونه ابن عمٍ له؛ بل هي علاقة متمحضة في عالم المعنى.. وفي حديث منقول قال النبي -صلى الله عليه وآله- لعائشة: (ليأتيني أمير المؤمنين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين).

المقامات المتاحة للعبد..
إن حديث: (إن لله عيوناً، وإن عليّاً من عيون الله في الأرض)؛ ليس غريباً!.. وعلينا أن نعلم أن هذه مقامات مُتاحة لنا، كما ورد في حديث قرب النوافل.. فعليٌ -عليه السلام- عين الله، لأنهُ عملَ بهذا الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب.. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه.. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها.. وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).. رحمَ الله أحد المراجع الماضيين، كانَ يقول -معنى كلامه-: بأنَ الغيبة أكلٌ للحم الميتة، ولكن بخصوص العلماء والأولياء، هؤلاء لحمٌ مسموم، لحمُ ميتةٍ وفيه سُمٌ قاتل؛ فإياكَ أن تتكلم بما لا يليق عن وليٍّ من أولياء اللهِ عزَ وجل!.. والمراد بالولي هُنا، أعم من أن يكون عالماً بزي العلماء.. ومن هُنا بعض الأوقات الإنسان عن غفلةٍ أو عن جهلٍ، وفي بيئةٍ منحرفة أو في مجلس البطالين، يتناول مؤمناً بكلمة أو بشطرِ كلمة؛ فيهوي بها أبعدَ من الثُريا، ثم بعد ذلك يشتكي من قساوةٍ في قلبه، ومن ضيقٍ في رزقه!.. والحال أنه هو الذي قتل قلبه، وهو الذي قطع رزقه بيده.. والرواية تقول: (قد أذنتهُ بالحرب)؛ فالإنسان قد يقاوم مخلوقاً مثلهُ، ولكن كيف يقاوم غضبَ جبار السموات والأرض؟!.. يا ترى الآن في عالم البرزخ، ما هو مصير الذينَ سبوا مثلَ علي -عليه السلام- على منابرهم عشرات السنين؟..

– محبوبية العمل.. يقول عز وجل: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه).. هذهِ الرواية من الروايات المُشكلة، لم نعلم: الفريضة أهم أم المستحب أهم؟.. الكلام هنا في محبوبية العمل: فالصلاة الواجبة أين والمستحب أين؟.. الصلاة الوسطى أين -أي الظهر- ونافلة الظهرين أين؟.. فالعمل أرقى بكثير منَ المُستحب!..

– محبوبية الذات.. أما عندما يقول عز وجل: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، هُنا محبوبية الذات لا محبوبية العمل.. فالذي يصومُ في شهر رمضان: عمله مُبارك، وصومه في شهر رمضان؛ أرقى من صومه في شهري: رجب وشعبان.. ولكن الذي يصوم في شهر رجب؛ ذاتهُ أحبُ إلى الله عزَ وجل؛ لأنَ الله -عزَ وجل- لم يُلزمهُ بهذا العمل؛ ومع ذلك فإنه يقاوم الجوع والعطش ويصوم.. كما أنه لم يُلزمهُ بصلاة الليل، فيُقاوم النوم ويقف ليصلي ركيعات بين يدي الله عز وجل!.. فإذن، قُرب النوافل: أي قُربُ صاحب النافلة من رب العزةِ والجلال.

– النتيجة: يقول عز وجل: (فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).. وعليه، فلماذا نستنكر حديث: عليٌ يد الله، أو عليٌ عين الله؟.. إذا كان علي -عليه السلام- ليس من مصاديق هذا الحديث، فمن هو المصداق لهذا الحديث؟.. عندما أدّب عليٌ -عليه السلام- ذاك الذي كان ينظر إلى نساء المُسلمين في الحرم لأنه (يدهُ التي يبطشُ بها، ورجلهُ التي يمشي بها).. ويقول في آخر الرواية: (وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

فإذن، علينا أن نجعل هذهِ الرواية -رواية قُرب النوافل- سقف الاهتمام الأعلى.. فليسَ المهم أن يكون الإنسان عبداً للهِ -عزَ وجل- لأن هذه أول درجات العبودية؛ ولكن عليه أن يتحول إلى إنسان: كلامه كلام رب العالمين.. ولهذا يقولون: اتق غضب الحليم!.. فالإنسان عندما يريد أن يتكلم أو يعاتب أحداً في المنزل؛ فإنه: يرفع صوته، وتتوتر أوداجه، ويحمر وجهه؛ فيصبح شكله مضحكاً.. وذلك لأنه لا يتكلم بلسان الله عز وجل.. بينما كانَ النبي -صلى الله عليه وآله- إذا غضب أعرض وأشاح؛ أي إذا لم يعجبهُ شيء؛ كانَ يُعرض بوجهه فقط.. وهذا الإعراض من رسول الله -صلى الله عليه وآله- كالصاعقة على رأس الطرف المقابل؛ فلا يحتاجُ إلى حديث.. وعندما كانَ يكفهرُ وجه النبي -صلى الله عليه وآله- لم يكن أحدٌ يجرؤ أن يتكلمَ معه، وكانَ الوسيط الوحيد هو عليٌ (عليه السلام).

الإيمان المستقر..
إن هذا الحب الذي في قلوبنا، هو رأس مال صحيح.. ولكن كم من الذينَ في أواخر أعمارهم سُلبَ منهم حُب علي بن أبي طالب وولايته!.. فمن الممكن أن يُسلب الإنسان بالمعاصي هذهِ الجوهرة الإلهية!.. قال رسول الله -صلى الله عليه وآله- لعليّ -عليه السلام-: (يا عليّ!.. ما ثبت حبّك في قلب امرئ مؤمنٍ: فزلّت به قدمٌ على الصراط، إلا ثبتت له قدمٌ، حتى يُدخله الله -عزّ وجلّ- بحبك الجنة).. ويقول الإمام الباقر -عليه السلام- (ما ثبت الله -تعالى- حب علي في قلب أحد، فزلت له قدم؛ إلا ثبتت له قدم أخرى).. فإذن، هناكَ إيمانٌ مستودع، وهناكَ إيمانٌ مستقر.. ولكن إذا ثبتَ حُب علي في قلب أحد، ما دامَ مُحباً حُباً يُلامس شُغاف القلب، فليعلم بأنَ الله -عزَ وجل- سيأخذُ بيده في يومٍ ما.

الدروس العملية..
1- الدعوة إليه (ع): إن ذكر الفضائل أمر طيب، فـ”حب علي بن أبي طالب أحلى من الشهد إلى الشارب”!.. ولكن في حياتنا العملية يجب أن نسلك الطريق الذي يجذب الآخرين إليه عليه السلام، فنتمسك بالأخلاق الإسلامية، والتي هي أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله- وأهل بيته -عليهم السلام-.. فهذه الأخلاق توجب النظرة الحسنة من الآخرين، وقد تؤثر فيهم.. ألم يقل الإمام الصادق -عليه السلام-: (كونوا لنا دُعاةُ بغير ألسنتكم)؟!..

2- قضاء حوائج محبيه (ع): إذا أراد الإنسان أن يقضي حاجة محبٍ لعلي -عليه السلام- فليقف هُنيئة وليقل: يا ربِ، اشهد علي بأني أقضي حاجتهُ لما يحملُ في قلبهِ من حُبٍ لعلي -عليه السلام-.. مثلاً: لو كان معه مبلغاً من المال، وابنه يستقرضه ومحبٌ لعلي -عليه السلام- يستقرضه، يقول: يا رب، هذا أقربُ إليَ من ولدي؛ لأنَ هذا ولدي والدافع حُبٌ فطري، ولكن الدافع هنا حُبٌ رسالي.. لذا فهو يقرضه المال؛ لحب عليٍّ، ولمنزلة عليٍّ في قلبه.

3- إبراء ذمة محبيه (ع): بعض المؤمنين يقول: أنا أبرأتُ ذمةَ كُل أحد اغتابني، وتكلمَ علي، وانتهكَ حُرمتي؛ ممن يحملُ في قلبهِ حُب علي بن أبي طالب.. ما المانع أن نبرئ نحن أيضاً ذمة كل موالٍ؛ كرامةً لعلي، وحُباً لعلي؟!.. فهذا الإنسان يحب علياً وفاطمة، ولابد أنه في السنةِ مرات أو على الأقل مرة ذرف دموعه على مصائب أهل البيت -عليهم السلام-!.. إن هذهِ الحركة ستكون مشكورة عندما نلقى علياً -عليه السلام- على حوض الكوثر!..

4- التأسي به (ع): دخل ضرار بن ضمرة الليثي على معاوية، فقال له: صف لي علياًَ، فقال: (أو تعفيني من ذلك)!.. فقال: لا أعفيك، فقال: (كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاًَ، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته.. كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفيه، ويخاطب نفسه، ويناجي ربه.. يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب.. كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه.. وكان مع دنوه منا وقربنا منه لا نكلمه هيبةً له…).. الموالي يجب أن يتأسى بإمامه -عليه السلام-، ومن جوانب التأسي:

أ. سخاء الدمعة.. قال ضمرة: (كان والله غزير العبرة)؛ من صفات المؤمن أنَ دمعتهُ سخية، هنيئاً لمن رآهُ رب العالمين في جوف الليل، وقد رفعَ يدهُ إلى السماء وهو يقول: إلهي!.. العفو!.. العفو!.. ودموعهُ تسيلُ على خديه، لا يدعو لنفسهِ فحسب!.. وإنما يدعو لأربعين مؤمناً.
ب. التفكر.. قال ضمرة في وصف علي: (طويل الفكرة)؛ البعضُ يغلب عليهِ التمتمة في الأذكار، وهو لا يعلم ماذا يقول.. بينما عليٌ -عليه السلام- كانَ طويل الفكرة.
ج. محاسبة النفس.. ومما جاء في وصف علي -عليه السلام-: (يقلب كفيه، ويخاطب نفسه)؛ لو أنَ هذهِ الأيام أحدهم كلمَ نفسهُ أمام المرآة، أو في خلوة نقول: هذا مسهُ شيء؛ ولكن علياً -عليه السلام- وهو أمير المؤمنين كان يُحادثُ نفسهُ: فيُعاتبها، ويُراقبها، ويحاسبها.
د. المناجاة.. وكذلك من الصفات التي ذكرها ضمرة: (ويناجي ربهُ).. يقول ضُمرة: “فَأَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ، وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُدُولَهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي مِحْرَابِهِ، قَابِضٌ عَلَى لِحْيَتِهِ، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ، وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا!.. يَا دُنْيَا!.. إِلَيْكِ عَنِّي أَ بِي تَعَرَّضْتِ، أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّفْتِ؟!.. لَا حَانَ حِينُكِ.. هَيْهَاتَ!.. غُرِّي غَيْرِي لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا.. فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ.. آهِ!.. مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ، وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَعَظِيمِ الْمَوْرِدِ)؛ السليم هُنا: أي الملدوغ.. هكذا كانَ منطقهُ -عليه السلام- في هذهِ الدُنيا!..
ه. البكاء.. علي -عليه السلام- يبكي من بُعد السفر، ومن قلة الزاد؛ فكيف بنا نحن؟!.. يقول ضمرة: (وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ، وَهُوَ يَقُولُ:… آهِ!.. مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ، وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَعَظِيمِ الْمَوْرِدِ).. هذا الكلام أثرَ حتى في قلب من كان في صفٍ يقابل علي.. قال ضمرة: (فذرفت دموع معاوية على لحيته، فما يملكها وهو ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء.. فقال معاوية: رحم الله أبا الحسن!.. كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟.. قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها: فلا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها).

الخلاصة:
1-
أنَ وزنَ علي بعدَ ممات النبي -صلى الله عليه وآله- كوزن النبي في الأمة فهو منه كالضوء من الضوء لوجود تفاعلٍ واتصالٍ واتحادٍ بينَ المنهجين.

2- إن منزلة علي من النبي -صلى الله عليه وآله- مُبهمة وهي كمنزلة النبي صلوات الله عليه وآله من الله جل وعلا.

3- أن علياً -عليه السلام- كانت له معرفة إشراقية من النبي -صلى الله عليه وآله-.

4- أن الإنسان عن غفلةٍ أو عن جهلٍ قد يتناول مؤمناً بكلمة أو بشطرِ كلمة؛ فيهوي بها أبعدَ من الثُريا، وهو بذلك بيده يقتل قلبه و يقطع رزقه، فكيف بمن سبّ علياً على المنابر؟.

5- أن قُرب النوافل يعني: قُربُ صاحب النافلة من رب العزةِ والجلال، فالذي يصوم في شهر رجب؛ ذاتهُ أحبُ إلى الله عزَ وجل؛ لأنَ الله -عزَ وجل- لم يُلزمهُ بهذا العمل.

6- أنه ليس المهم أن يكون الإنسان عبداً للهِ -عزَ وجل- لأن هذه أول درجات العبودية؛ ولكن عليه أن يتحول إلى إنسان: كلامه كلام رب العالمين.

7- إن هذا الحب الذي في قلوبنا لعلي عليه السلام هو رأس مال صحيح، لكن علينا أن نعلم أنه من الممكن أن يُسلب الإنسان بالمعاصي هذهِ الجوهرة الإلهية!..

8- إن ذكر فضائله عليه السلام أمر طيب ولكن في حياتنا العملية يجب أن نسلك الطريق الذي يجذب الآخرين إليه، فنتأسى به في سخاء دمعه وتفكره ومناجاته ومحاسبته لنفسه ونتمسك بالأخلاق الإسلامية.

9- أن عليا عليه السلام كان يبكي من بُعد السفر، ومن قلة الزاد؛ فكيف بنا نحن؟!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى