خطب الجمعكيف نتعامل مع رب العالمين ؟

عباد الرحمن – 6

إن الآيات الأخيرة من سورة الفرقان آيات إستراتيجية؛ لأنها تعطي للإنسان الخط والنهج الذي ينبغي أن يكون عليه.. وارتفاع سقف الهمة، هذا أمر لابد أن نفكر فيهِ جيداً، فالذي لهُ همة عالية لا يقنع بالدرجات البسيطة.. بعض طلاب الثانوية العامة هدفه الحصول على شهادة الدكتوراه، والبعض أيام الدراسة الجامعية تراهُ متقاعسا؛ لأن هدفه الحصول على الشهادة الجامعية ثم الوظيفة.. وفي عالم الرقي الروحي: بعض الناس همه أن يكون مصلياً صائماً مخمساً حاجاً، أي يقيم فروع الدين، ولا شأنَ له بما وراء ذلك.. نعم، هذا إنسان متدين، وقد يكون عادلا ويصلى خلفهُ، هنيئاً للإنسان العادل!.. بعض المؤمنين يجتمع في منزله في نهاية الأسبوع، ما يقرب من ثلاثين شخصاً، هم ذريته وأحفاده.. ولكن عندما يأتي وقت الصلاة، فإن كل واحد يصلي في زاوية فرادى.. لماذا لا يصل هذا الإنسان، الذي أنجب هذهِ الذُرية الكثيرة إلى مرحلة العدالة؛ فيصلي أمام أولاده وأحفاده؟..

إن المؤمن عليه أن يفكر في سقف أعلى!.. هذا الحد الأدنى من الإيمان أن يُصلى خلف الإنسان، أما الحد الأعلى فإن القرآن الكريم يحفزنا ويدعونا فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} أينَ هذا الذكر الكثير؟.. يقول تعالى في سورة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.. المؤمن يمزج العمل الدنيوي بالذكر الكثير، هذا هو السقف الذي رُفعَ لنا، لنصل إلى مرحلةٍ من المراحل، لا نرى في الوجود إلا هو (لا إله إلا الله)؛ أي لا مؤثر في الوجود إلا هو.. فالقلب السليم: هو القلب الذي يلقى الله -عزَ وجل- وليسَ فيهِ أحدٌ سواه.

{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}.. هؤلاء قوم لا يشركون بالله عزَ وجل، هؤلاء قوم موحدون.. والشرك نوعان: الشرك الجلي، والشركٌ الخفي.. الشُرك الجلي: وهو أن يدعو الإنسان مع اللهِ إلهاً آخر.. أما الشرك الخفي: هو أن يعبد الإنسان ربهُ لا تزلفاً، ولكن طمعاً في الوصول إلى بعض المراتب، في روايات أهل البيت (ع) يذكر الشرك الخفي بوصفٍ دقيق، عن الإمام العسكري (ع): (الشرك في الناس أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود في الليلة المظلمة).. ومن مصاديقه:

إن البعض هذهِ الأيام يمشي في طريق التدين، ويصبح من ملازمي المساجد، وفي قلبهِ شيء من هذا الشرك الخفي.. البعضُ يُريد شيئا من المقامات المعنوية والروحية، فيقرأ كتب العرفان والختومات والأذكار والأوراد؛ ليصل إلى مرحلة الصفاء الروحي، ثم ليعلم ما وراء الطبيعة، وما في نفوس الناس، ويريد أن يشفي الناس بدعائه وأوراده وأذكاره، ويدفع شر الجن عن الغير وهذهِ العوالم.. الذي يطلب الكمال والرقي، ويعبد الله -عزَ وجل- طلباً لهذهِ المراتب؛ هذا الإنسان مبتلى بالشرك الخفي.. وهنالكَ قسم لا يُريد هذهِ المزايا، إنما يريد الراحة النفسية، مثلا: بنت عزباء؛ تبكي في جوف الليل، وتتوسل إلى الله -عزَ وجل- من خلال بعض الأعمال، لترزق بزوج صالح، فإذا تزوجت تركت كل هذهِ الأمور؛ لأنها حققت مرادها.. أو مثلا: امرأة مطلقة تعيش الأمرّين من وراء هجران الزوجِ لها، أيضاً عندما ترجع إلى الزوج تترك كل هذهِ الأمور.. أو شاب أعزب يريد فتاة، أو تاجر مفلس يريد إعادة تجارته.. كل هذهِ الحوائج، تدخل في باب الشرك الخفي.. البعض يشد الرحال إلى مدينة المصطفى (ص)، أو يذهب بعدَ اللتيا والتي وبظروفٍ شاقة إلى حرم سيد الشهداء، وفي ذهنهِ عشرات الحوائج، فيرجع البعض وهو يعتب على الله ورسوله والمعصوم؛ لأن حاجته لم تقض!.. وكأن الإمام يقصد طلباً للحوائج!.. هذهِ المعاملة معاملة تجارية، أينَ الحُب من هذا الأمر؟..

ولكن هل هُنالكَ حُب صادق في الوجود، فكل حب مقدمة لمنفعة، فالشاب يحب فتاة: ليتزوج بها، وينجب منها، ويرتاح إليها؟.. نعم نحنُ كلنا في بعض الحالات نعيش الحب الصادق: عندما يذهب الإنسان لوالدته الكبيرة في السن، وقد يكون ذَهبَ بعضُ عقلها، ما هدفه من هذهِ الزيارة؟.. بعض البنات لا تتزوج كي تكون خادمة لأمها المريضة، فتموت الأمُ بعد سن الثمانين، والبنت تكون في سن الأربعين فتحرم الزوج والذرية، حباً لأمها المقعدة في الفراش.. والبعض لهم أولاد معوقين، ترى اهتمامهم بولدهم المعوق، أكثر من اهتمام بعضنا بولدهِ السليم!.. لماذا عندما يصل الدور إلى الأم والأب والأولاد، هكذا يخلص الإنسان في الحب؟..

فإذن، نحنُ في حياتنا اليومية نعيش هذا الحب الصادق مع الأولاد ومع الوالدين، لماذا لا نعيش هذا الجو مع رب العالمين، ونحنُ ندعي الانتساب إلى مدرسة علي -صلوات الله وسلامه عليه- صاحب هذهِ المقولة المشهورة: (ربي!.. ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك.. ولكني رأيتك أهلا للعبادة، فعبدتك)؟.. نحن أتباع مدرسة علي، الذي يجعل الجلوس في المسجد أحب إليه من المكوث في الجنة، (جلوسي في المسجد، أحبّ إليّ من جلوسي في الجنّة.. لأنّ الجلوس في المسجد رضا ربّي، والجلوس في الجنّة رضا نفسي.. ورضا ربّي أولى من رضا نفسي).. هذا منطقُ عليٍّ صلوات الله وسلامه عليه!..

إن البعض يوم القيامة يرى الجمال الإلهي {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.. لا بالنظر الحسي، بل بالنظر القلبي، (لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان)!.. ليس كل إنسان يوم القيامة ينظر إلى الجمال الإلهي، البعضُ يكفيه جمال الحور والغلمان، أما أولياء الله الصالحين، الذينَ همتهم عالية في الدنيا، لا يشبعهم إلا النظر إلى وجه الله عزَ وجل.. يدخلون الجنة يرون بعض صور الجمال والجلال الإلهي، فينشغلوا بهذهِ الصورة عن القصور والحور والغلمان!.. يرون بأنَ هذا الجلال لا يقاس بجمال ِالحور!.. البعض يعيش ويرى هذا الجلال والجمال الإلهي وهو في الدنيا، كما في مناجاة المريدين للإمام السجاد (ع): (ولقاءكَ قُرةَ عيني… يا نعيمي وجنتي)، هو في الدنيا يعيش جنة الخلد.

وبالتالي، فإن المؤمن يجب أن يخلص النية في عباداته.. بعض المؤمنين يعيش هذا الجو الجميل: أحدهم كانَ يلتزم في كل أسبوع زيارة الرضا -عليه السلام- فهذهِ الحركة استمرت معهُ لعلهُ أكثر من عشر سنين، يزوره لا لحاجة، إنما حُباً ورغبةً وشوقاً!.. أوَ تعلم أن الصلاة على النبي وآله في اليومِ ثلاث مرات، إذا ذكرها الإنسان في النهار، غُفرت لهُ ذنوب النهار.. وإذا ذكرها ليلاً؛ غفرت لهُ ذنوب الليل.. ولكن بقيد!.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من صلى علي ثلاث مرات في النهار، وثلاث مرات في الليل؛ شوقاً ومحبة.. فقد حق على الله، أن يغفر له ذنوبه التي أذنب في ذلك اليوم وتلك الليلة).. أحد المؤمنين لهُ علاقة متميزة مع النبي الأكرم (ص) يذهب إلى روضة النبي (ص) يجلس أمامه كأنه أحد الصحابة، ويقول: يا رسول الله!.. علمني، وأرشدني!.. النبي الأكرم يلقي في قلوب زوارهِ ما يريد.. هذا الإنسان وصلَ إلى درجةٍ عاليةٍ جداً من القربِ إلى الله عزَ وجل، إلى درجة أن ابنته مرضت مرضاً بليغاً، فكان مترددا في الدعاء لها بالشفاء، كأنهُ يخشى أن يجعل كل هذهِ المقدمات القُربية، ليحوز على مقام قضاء الحوائج واستجابة الدعاء.. يصل العبد إلى هذهِ الدرجة، يٌريد أن يدعو فيستشكل في دعائه.. هذا الإنسان بلغ استغراقهُ في الجلال والجمال الإلهي، إلى أنه بعض الأوقات تنتابه حالة، لا يستطيع أن يمس ثيابه، وهو مشغول بالملأ الأعلى!.. فالذي يعيش هذا الجو، هل عندهُ مشكلة مع النساء في الشوارع؟.. أو مع الغناء؟.. أينَ هذا الإنسان من هذهِ المزالق؟.. هذا الإنسان يخشى أن يمد يدهُ إلى ثوبهِ لعل هذا انشغال عن رب العالمين، فكيفَ ينشغل بالمعاصي؟.. هؤلاء قوم عاشوا فيما بيننا، وصلوا إلى ما وصلوا إليه.

إن رب العالمين لا قرابة لهُ مع أحد.. ورد في الحديث القدسي: (من تقرب إلى شبراً؛ تقربت إليه ذراعاً.. ومن تقرب إلي ذراعاً؛ تقربت إليه باعا.. ومن أتاني ماشياً؛ أتيته هرولة) رب العالمين يبحث عن زبائن إن صحَ التعبير {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.. لاحظوا في القُرآن الكريم {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ} يقول في الجواب: {قُلْ}.. يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} يقول في الجواب: {قُلْ}… الخ، ولكن عندما نسأل عن الله -عزَ وجل- تقول الآية: {فَإِنِّي قَرِيبٌ}؛ رب العالمين يجيب مباشرةً.

ما عرفنا الله حق معرفته، وما قدرناه حق قدره، الرب الذي السموات مطويات بيمينه، والأرضُ جميعاً قبضتهُ يوم القيامة، هكذا أهملناهُ في حياتنا!.. طبعاً نحنُ الذينَ خسرنا، رب العالمين غنيٌ عن العباد.. إن اللانهاية عندما تقسم على المحدود، الجواب أيضاً لا نهاية.. هذه الحياة الأبدية نرسمها في هذهِ الأيام القصيرة من الحياة الدنيا.. كم من الوقت يذهب سداً، لنتدارك الموقف قبلَ فواتَ الأوان!.. المؤمن يغتنم ليالي القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، ويغتنم يوم عرفة.. الذي لم يغفر لهُ في شهر رمضان، عليهِ أن ينتظر يوم عرفة لعلهُ يغفر لهُ في ذلكَ اليوم.. وبعدَ ذلك في جوف كل ليلة، المؤمن لهُ مجال أن يناجي ربه في رفع درجاتهِ في الدنيا والآخرة.

الخلاصة:

1- أن المؤمن عليه أن يفكر في رفع سقف الهمة لديه، فالذي له همة عالية لا يقنع بالدرجات البسيطة.
2- أن الشرك نوعان: جلي وخفي ،ومن صور الخفي أن يعبد الإنسان ربه لا تزلفا ولكن لنيل بعض المراتب والمقامات الروحية والمعنوية، أو لقضاء حوائجه، أين الحب من هذا الأمر؟
3- إننا في حياتنا اليومية نعيش الحب الصادق مع الأولاد والوالدين، فلماذا لا نعيش هذا الجو مع ربّ العالمين؟
4- إن أولياء الله الصالحين، الذين علت همتهم في الدنيا؛ لا يشبعهم إلاّ النظر إلى وجه الله عز وجل بالنظر القلبي يوم القيامة.
5- إن المؤمن يجب أن يخلص النية في عباداته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى