في رحاب الاستنان بسنن النبي

الخامسة | تعامل النبي (ص) مع أصحابه

س1/ كيف كان تعامل النبي (ص) مع أصحابه ؟..

علاقة النبي (ص) مع أصحابه ، كانت علاقة تربوية متكاملة.. ومن هنا نلاحظ مع أنه سنوات التربية لأصحابه ، أنها سنوات ليست طويلة في مجال تربية الأمة – عشر سنوات- ، وكانت سنوات مليئة بالأحداث ؛ ولكن الجيل الذي تخرج من هذا المدرسة الكبرى ، كان جيلاً متميزاً لا يتناسب مع هذه السنوات.. ومن عوامل ذلك : أنه هنالك المدد الإلهي ، وهنالك الصفات الذاتية للنبي (ص) ، وهنالك تجاوب الناس معه ؛ بحيث خرج منهم البدريون ، وباقي الأصحاب الذين صدقوا الصحبة مع النبي الأكرم (ص).

ومن المعلوم أن هذه الثلة وهذا الجيل من صحابة النبي (ص) -الذين نفتخر بما نقل عنهم من كلمات كبيرة جداً- ، كيف كانت حياتهم في الجاهلية ، حيث كثرة الحروب التي لا مبرر لها لأسباب تافهة ، والعادات السيئة : من وأد البنات ، وشرب الخمر ؛ والزنا وغير ذلك مما يعكس مستوى الحياة المتدني إلى درجة كبيرة.. كما يعبر أحدهم عن هذه الحالة الانتقالية من قمة الحضيض إلى قمة التقوى والحياة الراقية : حيث يقول -مضمون كلامه-: كنا رعاة الإبل ، واليوم أصبحنا رعاة الشمس.. أي كانت عيوننا في البراري على الإبل ، والآن أصبحت في آفاق السماء ؛ بحثاً عن طلب وقت الصلاة.. نرعى الشمس ، حتى نرى متى تزول فنصلي الظهر ؛ ومتى تغيب حتى نصلي العشاءين.. هذه عينة من عينات التربية المحمدية لأصحابه (ص).. فالنبي (ص) ما أهمل الأمر ، وما أعتمد على الإفاضات الغيبية ؛ وإنما كانت له الأساليب التربوية في إدارة جمع الصحابة.. المدينة كان مجتمع فيه ما فيه من عينات مختلفة.. كما نلاحظ في هذا النص الذي يبين لنا ، كيف أن النبي (ص) كان قد ضبط الوضع الاجتماعي بكل حدوده : مجلسه مجلس حلم وحياء ، وصدق وأمانة.. ولا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن فيه المحرم (أي لم يكن النبي (ص) يسمح بالتجاوز في الكلام).. متعادلين متواصلين فيه بالتقوى ، متواضعين ، يوقرون الكبير ويرحمون الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب.

والملاحظ في بعض البيئ الاجتماعية ، أن الذي له دور قيادي في تلك الدائرة -ولو رب الأسرة- ، عندما يرى منكراً ، أنه قد يجاري المنكر ، وقد لا يتكلم شيئاً ، لئلا يخسر الطرف المقابل.. بينما التكليف النبوي ، يعلمنا أن يكون الإنسان حاسماً في ضبط الدائرة الإنسانية التي حوله.. فإذا رأى منكراً ، يحاول أن يقف أمام المنكر ، بكل ما أوتي من قوة ، كما كان النبي (ص) ربى أصحابه على مثل هذا الأدب.

الآن ننتقل إلى ما سألتم عن علاقة النبي (ص) مع أصحابه.. ونرجع إلى صفاته الذاتية ، فهذه الصفات الذاتية هي التي ربت هذا الجيل المتميز..

كان دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ..
النبي (ص) تجلت فيه هذه الصفة من صفات المتقين : بشره في وجهه ، وحزنه في قلبه.. فالمؤمن موجود يحمل هموم كثيرة -كما قلنا في الحلقة السابقة- ، فله هموم رسالية ، وليست الهموم هموم شخصية محضة ، ولكنه مع ذلك دائم البشر في وجوه الآخرين.. لأن الإنسان ذا الوجه القطب ، والفظ الغليظ ؛ الناس تنفر منه ، كما يشير قوله تعالى في خطاب للرسول (ص) : {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَْْ}.. أي يا رسول الله، أنت مع الوحي ، ومع القرآن الكريم ، ومع نزول جبرائيل ، ومع كل هذه الصفات ؛ لو كنت فظاً غليظ القلب ، لانفضوا من حولك.. الناس لها الحرية في اختيار من ترتاح إليه ، ومن تحبه.. فالذي يريد أن يتصدر الأمة -في الجانب الإيجابي ، لا بمعنى الصدارة لحب الرئاسة- ، الذي يريد أن يؤثر على المجتمع البشري ؛ فإن المصلح الاجتماعي من أول صفاته ، أن يكون ممتلكاً للقلوب ؛ فإن القلب إذا إنقاذ ، فالفكرة والعقل أيضاً ينقاد.. ومن هنا عندما نجد بعض الشكاوي من بعض الآباء أنه الأسرة متمردة : الزوجة لا تسمع الكلام ، والأولاد لا يسمعون الكلام ؛ فهذا لأنه لم يوفق في امتلاك القلب.. لو ملك قلب الزوجة والأولاد ، فإن كلمة واحدة كافية لأن تغير مجرى حياتهم ؛ ولكن لأنه هو يريد أن يكون مسيطراً على الأبدان ، وبالتالي فالقلوب تنفر منه.. فإذن، النبي الأكرم (ص) وصل إلى هذه المرحلة من امتلاك قلوب أصحابه.

من سياسيات النبي (ص) الجميلة أنه : كان متغافلاً..
المؤمن لا يبدي ردة فعل فجائية وآنية ، تجاه كل ظاهرة سلبية.. فلو يرى حركة سليبة في الأسرة ، فإنه يتغافل ، أي لا يبدي انزعاجاً فجائياً ، وإنما يدرس الأسباب الخفية ، ليحاول أن يعالج ويتدارك الأمر.. مثلاً : عندما يرى انحرافاً في مزاج ولده ، أو تقصيراً في صلاته وفي غيره ؛ فإنه يبحث عن الأسباب ، فيبحث عمن حوله من أصدقائه.. عندما يرى سلوكية منحرفة ، لا يحاول أن يقرع ، وأن يصرح بما رآه من السلبيات ، بل يحاول أن يبحث عن الجذور الكامنة في هذا المجال.. إذن، النبي (ص) من صفاته أنه يتغافل.. وهذا التغافل ليس تغافل الغافلين ، وإنما تغافل الإنسان الذي ينتظر الفرصة المناسبة لعلاج القضية.

من صفاته (ص) أنه : كان إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير..
هذه من الصفات التي تُعطَى للإنسان على شكل هبة إلهية ، ويعبر عنها في سير العلماء أن فلاناً -سواءً كان خطيباً أو كان مرجعاً- رُزق القبول.. أي عندما يتكلم ، فإن الناس تصغي لقوله ، وتسمع كلامه.. وتبعاً لذلك-حسب ما وصل لي من بعض النقولات- ، أنه فيما مضى من الأيام -حيث لم تكن السماعات في تلك الأيام متداولة- ، كان يباع ويشترى الأماكن الأولى في المسجد أو في المجلس ، أي هناك من يأتي ويحجز المكان ، حتى يكون قريباً من ذلك الخطيب.. وهذه القدرة على التأثير ، من الهبات الإلهية في هذا المجال ، فإن الله عزوجل يعطيها لمن يحب من أوليائه ، كما يبين في قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.. فإن هذا الود المجعول ، من بركات الإيمان ، والعمل الصالح.

وإذا سكت تكلموا.. وإذا تكلم عنده أحد أنصتوا له حتى يفرغ من حديثه..
انظروا إلى التشجيع الاجتماعي !.. النبي (ص) أراد أن يطور القابليات في الأمة.. إذا أتكلم أحد ، صحيح هذا الكلام في مقابل النبي (ص) لا قيمة له ، حيث هو يتكلم أمام سيد الأنبياء والحكماء ، ولكن مع ذلك يعطي الفرصة للذي له ما له من المنطق ، لكي يتكلم.

كذلك من صفاته (ص) أنه : كان لا يقطع على أحد كلامه..
من صفات المؤمن أنه له هذه الأريحية في التعامل ، وإعطاء الطرف المقابل ما يستحق من تقدير.

ومن مجمل هذه الصفات في مقابل إجابة على السؤال ، نستفيد : أن النبي الأكرم (ص) كان داعياً بغير لسانه.. فإنه بهذه الحركات الايجابية ، أمكنة أن يمتلك قلوب الأصحاب.. ومن هنا نلاحظ هذا التجاوب السريع في الغزوات وفي السرايا وفي الحروب ، ونلاحظ أن الصحابة كانوا يتنافسون في الامتثال لأوامر النبي المصطفى (ص).. جعلنا الله وإياكم من المتمسكين بسنته.

س2/ كيف كان الوضع المعيشي لرسول الله (ص) ؟..
طبعاً نحن ما تشرفنا بصحبة النبي (ص) حتى نعلم عن جزئيات الجانب المعيشي له !.. ولكن الذي يفهم من خلال مجموع الأخبار أنه النبي (ص) كان يعيش حالة الكفاف.. ومن المعلوم أن الرزق إذا تجاوز عن حده ، أصبح من موجبات الانشغال والالتهاء ، فإن ما قل وكفى ، خير من ما كثر وألهى.. ولا شك أن النبي الأكرم (ص) فوق هذا التصور ، فإنه لو أعطي ملك الدنيا ، لما شغله ذلك عن شيء.. ولكن أنقل عن طبيعة الحياة الدنيا : أن الإنسان عندما يرى نفسه مستغنياً ، فإن الاستغناء الظاهري أرضية للاستعلاء الباطني ، فهذه قاعدة معروفة ، والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة ، حيث يقول تعالى : {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}.

ورد عن الرضا (ع) عن آبائه (ع) ، قال رسول الله (ص) : (أتاني مَلَك ، فقال : يا محمد !.. إنّ ربك يقرئك السلام ، ويقول : إن شئت جعلت لك بطحاء مكة ذهباً ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : يا رب !.. أشبع يوما فأحمدك ، وأجوع يوما فأسألك).. أي أن النبي (ص) كان يحب أن يعيش حالة الجوع والشبع ، ليتنقل بين حالة الحمد وبين حالة السؤال.

وعليه، فإن المؤمن طلبه من الله عزوجل ، أن يعيش حالة الكفاف.. ولكن الله عزوجل -كما نفهم من بعض الروايات- يخص أقواماً بشيء من المتاع الدنيوي الجيد ، ولا شك أن هذا المتاع إذا وقع بيد المؤمن ، أصبح مدعاةً لكسب الآخرة.. فالدنيا مزرعة الآخرة ، وكلما اتسعت المزرعة ، وكلما كثرت الأنهار فيها ، وكلما كثر العمل والبذر وما شابه ذلك ؛ أيضاً كان الإنتاج أكثر وأوفر.. وعليه، لا يخشى على المؤمن الصالح من إقبال الدنيا ، إن أقبلت بشكلها الصحيح من المال الحلال الطيب.. فالمؤمن يطلب من الله عزوجل الكفاف ، ولكن إذا أعطي المال الوفير ؛ فإن المال الوفير بيد المؤمن من أكبر النعم.. كما كان الأمر كذلك في الأيام الأولى للإسلام.. فلولا أموال خديجة (ع) ، ولولا سيف علي بن أبي طالب (ع) ، ولولا الدعم السياسي لعم النبي أبي طالب (ع) ؛ لما وصل إلينا الإسلام كما وصل إلينا الآن.

ويحسن أن نختم هذه الحلقات المباركة -بحركة تربوية ، لا نراها في أي مدرسة أخرى من المدارس ، إلا المدارس السماوية- بهذا الحديث الجميل :

ورد أن غلاماً شاباً أتى النبي (ص) ، فقال : أتأذن لي في الزنا ؟.. فصاح الناس به ، فقال النبي (ص) : قربوه.. ادنُ !.. فدنا حتى جلس بين يديه ، فقال النبي (ص) أتحبه لأمك ؟.. قال : لا، جعلني الله فداءك.

قال : كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لأبنتك ؟.. قال : لا، جعلني الله فداءك.

قال : كذلك لا يحبونه لبناتهم ، أتحبه لأختك ؟.. قال : لا، جعلني الله فداءك.

فوضع رسول الله (ص) يده على صدره ، وقال : (اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه). فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا.

إن النبي (ص) كان بإمكانه أن يواجه هذا الشاب المسكين بالزجر والنهر كما فعل الصحابة، ولكنه قربه منه، وهو بحركته العاطفية تلك أراد احتواءه وإشعاره بالحنان ، وهذا مما يجعل لنصح النبي (ص) وكلامه تأثيراً عليه.. ثم تعامل معه بأسلوب تربوي مهذب ، بما استخرج من قلبه هذه النكتة السوداء ، حيث أعاد عليه السؤال مثيراً فيه الغيرة على محارمه.. أي أن هذه المرأة التي تريد أن تزني بها ، هي أم أو بنت أو أخت لإنسان آخر ؛ فكما أنه لك محارم ولا تريد أن يُفعل بهم الفاحشة ، فكذلك الناس أيضاً.. فإذن، النبي (ص) دخل من منطلق الترابط الاجتماعي ، وهو أن كل فرد في هذه الأمة مرتبط بنحو من أنحاء الارتباط.. ولم يكتفِ النبي (ص) بهذه الحركة الأبوية الشفيقة ، بل أنه أيضاً وضع يده على صدره ، ودعا له-لأنه الذي يسأل هذه السؤال ، من المحتمل أنه له ما له من الهفوات- قائلاً : (اللهم طهر قلبه ، واغفر ذنبه ، وحصن فرجه!).. وقد أثمرت هذه الحركة المباركة من النبي (ص) ، حيث لم يُرَ هذا الشاب بعد ذلك مع أجنبية قط.

لماذا لا نقتدي برسول الله (ص) في هذا أسلوب في التعامل مع العصاة والمنحرفين ؟.. وخاصة أننا نحن الآن مبتلون بهذا الوضع ، فشبابنا اليوم في معرض هذه الآفة ، حيث الاختلاط بالأجنبيات وما شابه ذلك.. فبدلاً من استعمال أساليب الزجر والتخويف بعذاب الآخرة فقط ، علينا أن نستعمل هذه الأساليب العاطفية والاقناعية ، من أجل انتشال الشاب والشابة من أوحال الرذائل.

هذه إلمامة بسيط لحالات النبي المصطفى (ص).. نسأل الله عزوجل في مقابل هذه الحلقات المباركة -إن شاء الله- ، أن يوفقنا للاستنان بسنته ، ونيل الشفاعة لديه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى