شرح أدعية أيام شهر رمضان المبارك

شرح دعاء اليوم الثامن والعشرون

(اَللّـهُمَّ !.. وَفِّرْ حَظّي فيهِ مِنَ النَّوافِلِ ، وَأَكْرِمْني فيهِ بِإِحْضارِ الْمَسائِلِ ، وَقَرِّبْ فيهِ وَسيلَتى إِلَيْكَ مِنْ بَيْنِ الْوَسائِلِ ، يا مَنْ لا يَشْغَلُهُ اِلْحـاحُ الْمُلِحّينَ !).
– (اَللّـهُمَّ !.. وَفِّرْ حَظّي فيهِ مِنَ النَّوافِلِ…) :
في عالم الأخلاق والسير هنالك رتبة تسمى قرب النوافل ، وهي تلك الرتبة التي يتقرب فيها الإنسان عبر النوافل.. هناك مقام عند الله عزوجل هذا المقام لا ينال إلا بالنافلة ، سواء نوافل النهار ، أو نوافل الليل ، أو مطلق المستحبات ، أو الصلاة المجردة من أية نية مسبقة.. فإن (الصلاة خير موضوع ، من شاء استقل ، ومن شاء استكثر) -كما ورد في الحديث-.. ولا يحتاج الأمر إلى وقت محدد ، فبإمكان العبد في كل لحظة وفي كل ساعة أن يقف بين يدي ربه في ركعتين خاشعتين.

والفرق بين الفريضة والنافلة :
الأول : أن النافلة فيها داعي وإصرار من العبد على القرب.. إن الفريضة مفروضة على الإنسان ولعل داعي إتيان الفريضة هو الخوف من النار ، أو الطمع في الجنة.. ولكن في النافلة ، صحيح هناك طمع في الجنة ، ولكن ليس هنالك خوف ، على الأقل هناك رتبة أقرب إلى الحرية من الفريضة.. فإن عبادة الأحرار لا خوفاً ولا طمعاً ، والفرائض فيها خوف وطمع ، والنوافل فيها طمع ولا خوف ، إذن هناك رتبة وسطية أقرب إلى عبادة الأحرار.. ولهذا فإن الله عزوجل يباهي عند الملائكة بعبد يقوم الليل متثاقلاً ؛ لعبادة الله عزوجل ، ويقول : انظروا إلى عبدي !.. يصلي صلاة لم افترضها عليه.. لم ألزمه بهذه الصلاة ، وانظروا إلى معاناته في إتيانه بهذه الصلاة !.. يخفق برأسه ويهوي وهو يصلي بين يدي الله عزوجل !..

ورد عن النبي الأكرم (ص) : (يا أبا ذر، إنّ ربك عزَّوجلَّ يباهي الملائكة بثلاثة نفر … إلى أن قال (ص) : ورجل قام من الليل فصلّى وحده فسجد ونام وهو ساجد ، فيقول الله تعالى : اُنظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي ساجد).

الثاني : أن النوافل موزعة على الليل والنهار زيادة على الفريضة.. قلنا في أكثر من مناسبة : أنه من صور قضاء الحاجة أن يأتي الإنسان إلى بيت من بيوت الله عزوجل -بمناسبة أو بغير مناسبة- ، ويصلي ركعتين لله عزوجل ، التجاءً بين يدي الله عزوجل.. أن يتخذ المسجد لا محلاً للعبادة ، وإنما ملجأً وكهفاً يلجأ إليه.. لو كان في مكة لذهب إلى المسجد الحرام ، ولكن الآن هو في بلد من بلاد المسلمين ، أين يذهب ؟.. أي بقعة في الأرض أشرف من بيوت الله عزوجل ؟.. المسجد عبارة عن بقعة منتسبة لله عزوجل ، فالذي يدخل المسجد بعنوان طلب الأمان ، فقد دخل حمى الله عزوجل.. ومن المعلوم هذه الأيام سفارات البلاد ملجأ لتلك الدولة ، ومن يلتجئ إلى أرض منتسبة إلى بلد من البلاد ، فإنه يعطى الأمان ، ويعطى كل الحقوق ؛ فكيف بمن يلتجئ إلى بقعة منتسبة لله سبحانه وتعالى ؟..

الثالث : أن النوافل فيها تحرر من كل قيد.. إن الإنسان متحرر في النافلة من كل قيد.. مثلاً لو يريد أن يقرأ جزءاً من القرآن الكريم ، فله أن يقرأ جلوساً ، أو أن يقرأ ماشياً ، وإذا أخطأ في قراءة لا يعاتب على ذلك الخطأ ، لأنه لا يقوم بفريضة.. فيؤدي النافلة وشغله التعشق والتحبب إلى الله عزوجل بهذه النافلة ، ولا يعيش هاجس الخطأ ، وبطلان العبادة ، وعدم الإتيان بالمأمور به.. ولهذا فإن أهل الوسواس يوسوسون في الواجبات ، ولا يوسوسون في المستحبات ، لأنه ليس هنالك أمر إلزامي يخشون منه.. فإذن، في النافلة يعيش الإنسان الحرية في الإتقان وفي الأداء.

الرابع : أن النوافل فيها كاشفية عن توفيق الله عزوجل وذكره للعبد.. إن التوفيق للنافلة من صور ذكر الله عزوجل للعبد.. فإن التوفيق لكل عبادة إنما هو بإذن الله عزوجل ، ولو شاء لصرف قلوبنا عن ذلك.. ولهذا الإنسان عندما يرجع إلى قلبه ، ويرى في نفسه حباً للصلاة وللمسجد ، يقال بأن من صور كشف النفس وفضيحة النفس في السلب ، أو تكريماً لها في الإيجاب هو حالة المؤمن في المسجد : فإذا كان يحب الإطالة ولا يكره البقاء في البيت ، فليعلم أن هذه من صور التوفيق ، وأن الله عزوجل أحبه ، فأحب لقاءه أيضاً.. ولهذا نلاحظ في قوله تعالى : {صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم} ، تهديداً بأن الله عزوجل يصرف القلب.. يصرف القلب عن الطاعة خذلاناً ، ويصرف القلب عن المعصية توفيقاً.. فإذن, الذي يوفق للنوافل إنسان التفت الله عزوجل إلى قلبه.

الخامس : أن النوافل متممة للنقص في الفرائض.. ورد في مضمون بعض الروايات : أن النوافل متممة للنقص في الفرائض.. يأتي العبد يوم القيامة يطالب الله عزوجل بأجوره على الفرائض ، فيقول الله عزوجل له : لا أجر لك !.. كنت مشتبهاً في وضوئك ، وفي غسلك ، وفي قراءتك ؛ ونحن طلبنا منك صلاة بوضوء صحيح وغسل صحيح ، ولم تأت بالمأمور به كما أمرناك ، فلا شيء لك عندي !.. ولكن من الممكن الذي يقرن الفريضة بالنافلة -نوافل الظهرين ، ونوافل العشائين ، ونافلة الصبح- ، أن رب العزة والجلال يتجاوز عن كثير من الأخطاء التي يرتكبها الإنسان في أدائه للفريضة ، إكراما له لأنه التزم بما لم يلزمه الشارع.

وهذا الحديث يسمى بحديث قرب النوافل : قال رسول الله (ص): قال الله عزوجل: (ما تقرّب إليّ عبد بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه ، وإنه ليتقرّب إليّ بالنافلة حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها.. إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن موت عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته)..

نعم، هكذا الإنسان يتحول إلى وجود ربوبي ، هو عبد ولكن بصفات مولاه !..

وفقنا الله عزوجل لأن نكون من هؤلاء العبيد بمنه وكرمه !.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى