سلطنة عمان - مسجد الرسول الأعظم (ص) عام 1427هـ

الليلة الأولى

ما وراء الصور الظاهرية للعبادة | الآداب الباطنية للصوم

فقه الصلاة على النبي وآله..
إن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وآله- تعني أن ندعو الله -عز وجل- في رفع درجات النبي والمباركة فيه.. فمن صلى على النبي صلاة مقبولة، حصل على هذا الثواب المذكور في الحديث المروي عن النبي -صلى الله عليه وآله-: (مَنْ صَلّى عليَّ مَرّة، لم تبقَ من ذنوبه ذَرّة).. حيث أن هناك صلاة صادرة، وصلاة واصلة.. فالصلاة دعاء، والدعاء المستجاب؛ هو الدعاء الواصل، وليس الدعاء الصادر.. مثلاً: لو أن إنساناً بعث بمبلغ مالي كبير لشخص ما كهدية؛ ولكن هذا المبلغ لم يصل.. فالشخص المرسل إليه غير ملزم بشيء، ولا حتى بالشكر؛ لأنه لم يستلم شيئاً.. فالآثار مترتبة على الشيء الواصل، لا على الشيء الصادر.. والدعاء قد لا يصل إلى الله -عز وجل- بسبب الحجب، والتي منها المعاصي كما نقرأ في دعاء كميل: (اَللّـهُمَّ!.. اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ).. وعليه، فإن الصدور مع الوصول؛ كلاهما يؤثر أثره.. ونحن صلواتنا صادرة، ولكن لا نعلم: هل بلغت النبي، أو لم تبلغ؟!.. لذلك في المناجاة الشعبانية نصرّ على الله -تعالى- ونقول: (اللهم!.. صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَاسْمَعْ دُعائي إِذا دَعَوْتُكَ، وَاْسمَعْ نِدائي إِذا نادَيْتُكَ).

ظاهر الشريعة وباطنها..
إن الشريعة لها ظاهر ولها باطن، ولكن ليس كما يقول المتصوفة، فهؤلاء جعلوا طريقة، وجعلوا الطريقة في مقابل الشريعة؛ وهذا قول لا نقبله.. نحن نقول: الشريعة بقوانينها وأحكامها لها باطن، ولا بد أن نبحث عن هذا الباطن عندما نزاول الظاهر.. فلا نترك الظاهر؛ تعويلاً على الباطن، كما يقول البعض: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}؛ أي أنه إذا أصبحت موقناً بالله -عز وجل- فقد رفعت عنك التكاليف.. هذا الكلام من أسخف القول!.. ونحن نمارس العبادات الظاهرية، لا بد أن نبحث عما وراء العبادة.. فالصلاة هي ليست هذه الحركات الظاهرية التي يقوم بها المصلي فحسب، إنما هناك صلاة باطنية، والبعض قد ألّف كتباً حول الآداب المعنوية للصلاة.. والحج أيضاً له ظاهر وله باطن، وقد ذكره الإمام السجاد (ع) في حديث الشبلي.. فقد روي عن الإمام زين العابدين -عليه السلام- أنه لما رجع من الحج، استقبله أحد الحجاج (الشبلي)، فقال له الإمام -عليه السلام-: (حججت يا شبلي)؟.. قال: نعم، يا بن رسول الله، فقال -عليه السلام-: (أنزلت الميقات، وتجردت عن مخيط الثياب، واغتسلت)؟!.. قال: نعم.. قال عليه السلام-: (فحين نزلت الميقات، نويت أنك خلعت ثياب المعصية، ولبست ثوب الطاعة)؟.. قال: لا!.. قال -عليه السلام-: (فحين تجردت عن مخيط ثيابك، نويت أنك تجردت عن الرياء والنفاق والدخول في الشبهات)؟.. قال: لا!.. قال -عليه السلام-: (فحين اغتسلت، نويت أنك اغتسلت من الخطايا والذنوب)؟.. قال: لا!.. قال -عليه السلام-: (فما نزلت الميقات، ولا تجردت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت)… الخ.. أي إذا لم تعمل بما أقول؛ فأنت لم تؤدِّ الحج.. وكذلك الصوم -كالصلاة وكالحج- له ظاهر وله باطن.. فالإنسان في شهر رمضان المبارك، يكون في ضيافة الله -عز وجل- وهذه الضيافة لها ظاهر ولها باطن:

الظاهر: إن ظاهر الصوم هو الكف عن الطعام والشراب، والكف عن المحرّمات التي قسم منها محرّمة بالأصالة: كبعض المحرمات الأخلاقية المفسدة للصوم، وبعض المحرّمات محرّمة بالعرض؛ بمعنى: أن رب العالمين في شهر رمضان، يدربنا على عملية الكف عن المحرمات بشكل دائم.

الباطن: إن الصوم له ملكوت!.. وملكوت الصوم: هو عبارة عن الترقي من هذا الكف المادي إلى الكف النفسي.. روي عن الإمام الجواد -عليه السلام- أنه قال: (من أصغى إلى ناطق؛ فقد عبده.. فإن كان الناطق عن الله؛ فقد عبد الله.. وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس؛ فقد عبد إبليس).. هذه الرواية من الجميل أن نكتبها أمام أجهزة التلفاز!.. فالذي يفتح التلفاز ويجلس أمامه؛ فإن منظره منظر إنسان يعبد ما يسمعه، ومن يسمعه.. لذا، عليه أن يلتفت إلى موقفه بين يدي الله -عز وجل- فقد (مرّ أمير المؤمنين (ع) برجل وهو يتكلم بفضول الكلام، فقال: يا هذا!.. إنك تملي على كاتبيك كتاباً إلى ربك، فتكلّم بما يعنيك، ودع ما لا يعنيك).. فكل ما يقوله الإنسان لا يذهب هباءً منثوراً، يقول تعالى في كتابه الكريم: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.

فإذن، إن لكل عبادة ظاهراً وباطناً.. وظاهر العبادة بمجرده لا يربي الإنسان، والدليل على ذلك: أننا قبل شهر رمضان، كنا نعيش الليالي في طاعة أو معصية.. أما في شهر رمضان، ونحن في ضيافة الله -عز وجل- فإننا نصوم من الفجر إلى المغرب، ولكن عندما يأتي الليل فلا نعلم من شهر رمضان إلا: الأكلات الرمضانية، والمسلسلات الرمضانية المضحكة، والخيم الرمضانية التي يمارس فيها المنكر الذي لا يمارس في غير شهر رمضان.. لذا، لا بد أن نبحث عما وراء هذا الصوم، وما هو الأمر الذي يريدنا رب العالمين أن نصل إليه، من خلال الكف عن الطعام والشراب؟!..

الأسرار المعنوية للصوم..
أولاً: الإرادة..
 إن القرآن الكريم يصب المعاني الكبيرة في قوالب بسيطة، لذا فقد تم ذكر الصوم في آية فريدة تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.. فالصوم يجعل الإنسان يصل إلى درجة، إذا أراد أن يقول لنفسه: لا!.. تكون له القدرة في السيطرة على وجوده.. مثلاً: لو أعطي الإنسان سيارة فارهة مجاناً، ولكن ليس فيها مكابح، هل يشتري هذه السيارة بفلس واحد؟.. بالتأكيد لا!.. لأن هذه السيارة هي جنازة متحركة، ومن يركبها عليه أن يتشهد الشهادتين، ويسلم نفسه إلى بارئها.. كذلك فإن الإنسان في حياته الدنيا له ملكات وطاقات، ولكن إذا لم يمتلك الإرادة الكابحة؛ فإنه لن يصل إلى مرتبة من المراتب.. فالإنسان من الممكن أن يكون مسترسلاً في حياته، ولكن في مواقف الامتحان؛ تبرز قيمة هذه القوة والملكة في وجوده.. هناك جماعة من المنحرفين يذكرهم التاريخ كانت حياتهم مظلمة، ولكنهم وصلوا إلى بعض درجات الكمال، أمثال:

1. بشر الحافي: هذا الإنسان كان في زمن الإمام الكاظم -عليه السلام-.. فقد روي أنه: “كان الإمام الكاظم -عليه السلام- يمشي في الأزقّة يوماً، فسمع غناءً ماجناً، ينبعث من أحد البيوت.. وفي الأثناء خرجتْ فتاة، فتوقّف الإمام وسلّم عليها، ثم سألها قائلاً: صاحب البيت حرٌّ أم عبد؟.. فقالت متعجّبة: بل حرّ!.. فقال الإمام: صدقتِ لو كان عبداً لخاف سيّده.. عادت الفتاة وسألها صاحب البيت عن سبب تأخّرها، فقالت: مرّ رجلٌ وسألني: صاحب البيت حرّ أم عبد؟.. فقال بشر: وبماذا أجبتيه؟.. قالت الفتاة: قلت له: حرّ، فقال لي: صدقتِ لو كان عبداً؛ً لخاف سيّده.. أطرق بشر مفكراً، وشعر بالكلمات تهزّ أعماقه، فانطلق خلف الإمام حافياً يعلن توبته، وعودته إلى أحضان الدين والإيمان.. ومن ذلك اليوم دُعي ببشر الحافي، واشتهر بين الناس بزهده وعبادته”.

2. الفضيل بن عياض: فقد روي أن الفضيل هذا “كان عاصيًا فتاب الله عليه، وجعله من عباده المؤمنين، تحول من قاطع طريق يروّع الآمنين إلى عابد زاهد، وكان سبب توبته: أنه كان يتسلق جدران أحد المنازل بالليل؛ فسمع صوتاً يتلو قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}.. فلما سمعها قال: بلي يا رب، قد آن”.. فالإنسان المؤمن في ساعة الامتحان، تكون لديه القدرة على ضبط نفسه.. والصفقة مع رب العالمين قد تكون في ليلة، فكما أن السقوط في ليلة من الليالي الحمراء، كذلك الصعود أيضاً قد يكون في ليلة.

3. أحد المنحرفين: يحكى أنه في الزمن الحديث: “كان أحدهم متميزاً ومعروفاً بالفسق والفجور، هذا الإنسان تزوج بامرأة، وعندما دخل عليها ليلة الزفاف، وإذا بها تبكي.. وعندما سألها عن السبب؟.. فأجابت بأنها لا ترغب في الزواج منه، ولكنها مجبرة!.. وفهم من القصة أنها تحب الزواج من ابن عمها.. فطلب عالماً وشهوداً، فطلق الزوجة وعقد لها على ابن عمها.. عندئذ الشاب وزوجته دعيا لهذا الشخص، فقالا: “يا رب!.. أحسن عاقبته”!.. وإذا برب العالمين يقلب الأمور، بسبب هذه الدعوة التي كانت من الأعماق، بحق هذا الشاب المرهق بالذنوب.. وإذا به يتحوّل من فاسق فاجر إلى صالح”.. -إن الأب الذي يرغم ابنته على الزواج من غير الكفؤ، فتتعذب في الدنيا؛ هذا سيصيبه جزاء عمله في الدنيا قبل الآخرة.. روي أن أحدهم حُبس أو عُذب فترة من الزمن في عالم البرزخ، لأنه حبس أخته ولم يزوجها؛ كي تكون في خدمته.. صحيح أن الولاية هي للأب، ولكن -مع الأسف- عندما يموت الأب، فإن العم والخال والأخ يتحكمون في مصير البنت.. والحال بأن هؤلاء لا سلطة لهم على البنت، إلا من باب الإرشاد والنهي عن المنكر.. نحن لا ننكر ولاية الأب، ولكن هذا إذن تشريفي، بالإضافة إلى إرجاع الأمر لحكمة الأب.. أما إن كان الأمر لا حكمة فيه، فالإنسان قد يرتكب ظلماً، وما تعبه في أيام شبابه في تربية أولاده؛ فإن هذا التعب قد يحبط أجره بتزويج ابنته من غير الكفء- إن الزواج كابح للبعض، وليس للكل.. فالذي يستهوي الحرام، ويتلذذ بالمحرّمات المتنوعة؛ هؤلاء حتى الزواج الذي هو إكمال لنصف الدين، لا يردعهم.. فالنفس إذا ألفت الحرام؛ فإن الحلال المباح لا يصده عنه؛ لأن هذا الإنسان ختم على قلبه.. فهذا الرجل الفاسق كبح جماح نفسه، وخالف هواه، ولم يتزوج من امرأة رغم أنفها، رغم أنها كانت حلالاً عليه.. في تلك الليلة وإذا بالأبواب تفتح له، ويرى ما لا يراه الآخرون.

4. جوهر شاه: إن هناك قبة كبيرة بجوار قبة الإمام الرضا -عليه السلام-، وهذه القبة منسوبة إلى أميرة تدعى “جوهر شاه”.. كم من المراجع والعلماء سكنوا مشهد الإمام الرضا، ولم يوفقوا لبناء مسجد، كما وفقت هذه الأميرة في القرن التاسع عشر الهجري!.. “يحكى عن هذه الأميرة، أنه عشقها أحد العمال الذين كانوا يعملون في بناء المسجد، وطلبها للزواج.. فهذه الأميرة المؤدبة وافقت، ولكنها اشترطت أن يقوم لصلاة الليل أربعين ليلة، فوافق على هذا الشرط.. وبعد أن مضى أربعين يوماً، انصرف حبها من قلبه، وتعلق بحب ربه.. فرب العالمين أراه جمالاً في صلاة الليل، أنساه هذا الجمال”.. هذه الأميرة لم يكرمها رب العالمين جزافاً!.. لقد أرادت أن تأخذه إلى عالم ينسيه عالم النساء.. فرب العالمين إذا أراد أن يجذب عبداً إلى طاعته؛ فإن الأمر بيده، يقول تعالى في كتابه الكريم: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}.. والإيمان حين يزين في القلب، لا يحتاج إلى كثير موعظة، ولا إلى الذهاب تحت المنابر، ولا إلى البحث في الكتب؛ إذ يكفي أن يتجلى رب العالمين بجماله في ليلة من الليالي للعبد، فينسيه كل جمال غيره!..

إن شهر رمضان هو ذلك الشهر الذي نمتلك فيه القوة، على أن نقول لأنفسنا: لا.. فمنذ أن خلق الله -عز وجل- آدم -عليه السلام- حتى يومنا هذا، لم تمر على البشرية فترة زمنية كفترتنا هذه، في تيسر وسائل الفساد والإفساد؛ زمان يكاد يكون قاهراً.. ولكن لمن هو أهله؛ ليس الأمر كذلك!.. وهناك امتياز كبير، لمن يستقيم في هذا العصر!.. فالإنسان في خلوة الليل، والأبواب مغلقة، مع وجود هذه الفضائيات المنحرفة، والمواقع الإباحية؛ بإمكانه أن يرتكب الكثير من الحرام.. هنا يأتي دور هذه الإرادة القابضة، ليقول للحرام: لا!.. فهذا درس أو أدب من آداب شهر رمضان؛ ولكن -مع الأسف- امتيازات شهر رمضان الكريم سرعان ما نبيعها في شهر شوال!.. حيث أن الإنسان يستقيم في شهر رمضان، وتغمره الأنوار.. فلو كُشف لنا الغطاء لرأينا العجب العجاب في هذه الليالي: الملائكة تصعد وتنزل، والشياطين مغلولة، والأدعية مستجابة!.. ولكن نحن لا نرى شيئاً، لأننا نعيش حالة من العمى الباطني.. ولكن هذا الغطاء ينكشف لنا عندما ينتقل الإنسان من هذه النشأة، يقول تعالى: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}.. لذا، فإن الأنبياء والأئمة والعلماء، جاءوا ليكشفوا لنا الغطاء قبل أن نموت، فقالوا: (موتوا قبل أن تموتوا).

ثانياً: ارتباط الفاني بالباقي.. إن حياة الإنسان محدودة، فهذه الحياة لو ربطناها باللانهاية، تكون النتيجة: اللانهاية.. أي الحياة الأبدية والخلود؛ وما أدراك ما الخلود!.. حين يفكر الإنسان في معنى الخلود، يكاد ذهنه يتوقف، لأنه لا معنى للنهاية!.. فهذه البحار لو قطرناها قطرات، وجعلنا بإزاء كل قطرة مليار سنة؛ فإن البحار تنتهي، ولكن الخلود في الجنة أو النار لا نهاية لهما.. ونحن نشتري الخلود بهذه السنوات البسيطة المعدودة!.. إذ أن متوسط عمر الإنسان ثلاثون سنة، حيث أن العمر الطبيعي لهذه الأمة هو سن النبي الأكرم، وسن أمير المؤمنين، وسن الحسين -عليهم السلام- أي في حدود ستين إلى خمس وستين سنة.. فالإنسان الذي في سن الثلاثين الآن، هو في منتصف العمر.. النصف الأول ذهب وولى، بكل ما فيه من خير وشر، والباقي ثلاثون سنة!.. هذه الثلاثون سنة يمضي -تقريباً- ثلثها في النوم، ولواحق النوم: ما قبل النوم، وما بعد النوم، فيتبقى منها عشرون سنة.. وهذه العشرون تمضي في الطعام، والعمل، والإجازات.. فلو نظرنا إلى ملخص الحياة؛ لوجدنا أنه لم يبق لدينا إلا عشر سنوات، أو أقل من ذلك.. وبهذه السنوات العشر، علينا أن نشتري الأبدية!.. فالحياة موحشة، ولكن ماذا نعمل لنكسب الحياة بعداً ربانياً وبعداً أبدياً؟.. ما علينا إلا أن نربط هذا الفاني بذلك الباقي، وفي شهر رمضان هناك عينة من هذا الربط:

– النوم عبادة: إن النوم هو الموت الأصغر، ففي النوم تتوقف كل النشاطات الفكرية والعبادية.. ولكن في شهر رمضان، يتحول هذا النوم إلى عبادة من العبادات، يقول الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله-: (نومكم فيه عبادة).. ولعل هذا النوم من أشرف العبادات!.. لأن عباداتنا فيها شبهة الرياء، وفيها شبهة عدم القبول.. ولكن هذا النوم عبادة مقبولة، لا رياء فيها.

– النفس تسبيح: عندما يتنفس بني آدم يدخل الهواء النقي في جوفه، هذا الهواء فيه الأكسجين، وهو مقوم الحياة، ولكن عندما يخرج يكون غازاً ساماً.. والطعام الهنيئ كذلك يدخل في جوفه، فيخرج نجساً منكراً.. فلو نظرنا إلى تكوين بني آدم المادي، لرأينا أنه تكوين سافل كما يقول علي -عليه السلام-: (أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة نتنة، وهو فيما بينهما يحمل العذرة).. فالنطفة إذا أصابت الثوب، لا بد أن يطهر كي يستطيع الإنسان الصلاة في هذا الثوب!.. وجسد بني آدم بعد الموت يصبح من أقبح المناظر!.. وهو ما بينهما يحمل ما يحمل من النجاسة!.. فبني آدم أنفاسه سامة قاتلة، ولكن -سبحان الله- في شهر رمضان يتحوّل هذا النفس إلى تسبيح، كما ورد عن الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله- حيث يقول: (أنفاسكم فيه تسبيح).

وعليه، فإن الفاني إذا ارتبط بالباقي: يتحوّل السيئ إلى طيب.. والنوم يتحوّل إلى عبادة، وإلى فعل وحركة.. والغاز السام يتحوّل إلى أنفاس قدسية!.. فكيف لو ربطنا الحياة كلها بالله عز وجل؟.. ما الذي سيحدث لو جعلنا نشاطنا كله من الصباح إلى الليل؛ قربة لوجهه الكريم؟!.. ما المانع عندما يخرج الإنسان من المنزل في كل يوم -لا في العمر مرة واحدة- أن يستحضر هذا المعنى: يا رب أنا أخرج إلى عملي أو إلى مدرستي؛ قربة إليك!.. يقول: يا رب، أنا ممتثل لأمرك، فقد قلت: {فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ}.. والأم أو الزوجة كذلك عندما تستيقظ من النوم لتهيئ الطعام للزوج، ما المانع أن تنوي بعملها هذا التقرب إلى الله -عز وجل-؟.. قيل لأبي عبد الله -عليه السلام-: إني قد ذهب مالي، وتفرّق ما في يدي، وعيالي كثير.. فقال له الصادق -عليه السلام-: (إذا قدمت الكوفة، فافتح باب حانوتك، وابسط بساطك، وضع ميزانك، وتعرّض لرزق ربك…).. الكاسب عليه أن يهيئ لنفسه أبواب التكسب، والبقية على رب العالمين.. إذا عمل ذلك؛ فإن كل حركة وسكنة من حياته، تعد ذخراً ليوم فقره وفاقته.. وبعض المؤمنين إذا أراد أن يولم وليمة؛ فإنه ينوي هذه السفرة عن روح أحد الأئمة -عليهم السلام-.. فهو يستكثر على نفسه أن يعطي طعاماً، من دون أن يربط ذلك الطعام بالباقي.. وفيما يلي بعض القصص في هذا المجال:

1. القصة الأولى: نقلاً عن أحد العلماء الكبار، يقول: كان عندي تلميذ توفى وهو في ريعان شبابه، رأيته في عالم الرؤيا، في نعيم لا يقدر ولا يوصف.. فسألته عن سبب هذا النعيم؟.. فقال: أنت صاحب الفلس، أنت اشتريت لي هذا النعيم.. بعدما متُّ كنتَ أنت -الأستاذ- تمشي في يوم من الأيام في النجف، وفي طريقك إلى الحرم رأيت بائع ماء، فقلت لصاحب القربة: الماء بكم؟.. فقال لك: الماء بفلس.. قلت له: خذ هذا الفلس، واجعله سبيلاً، واسقِ الماء مجاناً عن روح فلان.. فرب العالمين قبل منك هذه القربة من الماء بفلس، التي جعلتها سبيلاً للناس يشربون منه، فتحولت إلى هذه القصور التي لا تصدق أنها لي.. نعم، فلس واحد عندما يُقبل تكون هذه هي النتيجة!.. فالبعض قد يبني المستشفيات، والمشاريع الكبرى؛ ولكن الله -عز وجل- لا يقبل منه؛ لأن الله -عز وجل- آلى على نفسه أن لا يقبل إلا من المتقين، يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}..

2. القصة الثانية: إن هناك قبراً في نيشابور لعجوز تسمى “شطيطة”، هذهِ العجوز بعثت بدرهم للإمام الكاظم -عليه السلام-، الإمام قبل منها ذلك وقال: (إن الله لا يستحيي من الحق)!.. وإلى يومنا هذا، درهم شطيطة ذهبَ مثلاً في القَبول!.. وهذا نص الرواية: (اجتمعت عصابة الشيعة بنيسابور، واختاروا محمد بن علي النيسابوري.. فدفعوا إليه ثلاثين ألف دينار، وخمسين ألف درهم، وشقة من الثياب.. وأتت شطيطة بدرهم صحيح، وشقة خام من غزل يدها، تساوي أربعة دراهم، فقالت: إن الله لا يستحيي من الحق…).. وإذا بها تصبح معلماً وعلماً من أعلام الإسلام.. فرب العالمين واسعٌ كريم، يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه العظيم من الأجر!..

3. القصة الثالثة: إذا شككت في هذه القصة، وفي ذلك النقل، وفي هذه الرواية؛ هل تشكك في القرآن الكريم؟.. في كتاب الله -عز وجل- هناك سورة مختصة بأهل البيت -عليهم السلام- وهي سورة الدهر.. وسرّ هذا الخلود الذي كتب لأمير المؤمنين وللزهراء وابنيهما -عليهم السلام-، يكمن في كلمة واحدة من هذه السورة: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}.. فمن السهل أن لا يطلب الإنسان الجزاء على عمله، ولكن إذا مُدح فإنه يرتاح لمديح الآخرين!.. بينما أهل البيت -عليهم السلام- في هذه السورة، حتى الشكر لا يريدونه.. فعلي -عليه السلام- قدّم أقراصاً من الخبز: لليتيم والمسكين، وهؤلاء من المسلمين، أما الأسير فقد كان مشركًا {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}.. ولكن انظروا إلى هذا الخلود!.. فالقرآن الكريم في سورة الدهر، يصف صور النعيم في الجنة، ولكنه لا يذكر الحور العين؛ احتراماً للسيدة فاطمة الزهراء -عليها السلام-.. نعم، هم الأسوة، وهم القدوة، وهنيئاً لمن ارتبط بهم: سلوكاً، ومبدأً، وعملاً!..

توصية..
إن الإنسان طوال أيام الأسبوع يغتسل ويستحم، فهناك غسل الجمعة، وغسل الجنابة، الخ.. ولكن هناك مجموعة أغسال مستحبة، بإمكانه أن ينويها كلما دخل الحمام لا لجمعة ولا لغسل واجب، فما الذي يضره؟.. منها:
1. غسل التوبة:
 وهو تحت الماء يقول: يا رب، أنا أغتسل غسل التوبة.. فالتوبة من الذنوب، لا تحتاج إلى وقت؛ ومن منا لم يعص ربه؟!..
2. غسل النشاط للعبادة:
 وكذلك بإمكان الإنسان وهو يغتسل أن يقول: يا رب، أنا إنسان كسول لا نشاط لي في العبادة، أغتسل الآن مع الوضوء؛ لتعطيني نشاطاً في العبادة!..
3. غسل زيارة الحسين (ع): 
بإمكان الإنسان أن يغتسل غسل الزيارة، ويخرج تحت السماء، فيتجه إلى جهة كربلاء، ويقول: السلام عليك يا أبا عبد الله!.. فهذه الزيارة مقبولة بغسلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى