مقابلات قناة الكوثر

كيف نستثمر مكاسب الشهر الكريم ؟

كيف نستثمر مكاسب الشهر الكريم؟..
أبارك للاخوة والأخوات، هذه الليالي والأيام، ونحن على مشارف عيد من أعياد المسلمين، الذي جُعل لنا من موجبات الفخر، والمزيد من المباهاة، أمام الأمم الأخرى.. في الواقع إن الإنسان في اللحظات الأخيرة من هذا الشهر المبارك، يعيش حالة من القلق والخوف، بأنه لم يقدم شيئاً، وهذا الإحساس متى ما وُجد، كان دافعاً للتقدم والهمة العالية.. وهي حالة شبيهة بحالة الطالب في اللحظات الأخيرة من الامتحان، حيث أنه لا يدري هل قدّم بشكل جيد أو لا؟.. نحن في أول الشهر الكريم، دعونا إلى التمرين على تدبر القرآن الكريم، وها نحن نحاول أن نستلهم مفهوم العيد، من خلال ما جاء في القرآن الكريم، والنصوص الشريفة.

س1/ ما هي النظرة القرآنية لمفهوم العيد؟..
قال تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}.. نلاحظ أن الحوارين، وهم ألصق الناس بعيسى (ع)، والذين كانوا يدَّعون الاستنان بسنة المسيح، ورغم المعاشرة، لا المعايشة  -وهناك فرق بين المعايشة والمعاشرة، فرق الثرى عن الثريا- هؤلاء طلبوا من المسيح أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وجعلوا فلسفة ذلك؛ الأكل منها، ولاطمئنان القلب!.. أضف إلى أن التعبير لم يكن مناسباً، حيث أنهم يخاطبون المسيح بكلمة (ربك)!.. ولم يقولوا: (ربنا)، طبعاً المسيح علَّق على هذا الحالة، وأمرهم بالتقوى، ولكن بعد ذلك امتثل لطلبهم، فطلب من الله تعالى، أن ينزل عليهم مائدة من السماء، هذه المائدة تكون عيداً لأولهم وآخرهم.
وهنا إشارة إلى نقطة جوهرية مهمة {تَكُونُ لَنَا عِيداً}: إن نزول المائدة حركة رسالية، فهي آية من الله تعالى، ومنَّة منه.. فرب العالمين ينزل من السماء الآيات، والصحف، وأما أن ينزل مائدة حسية!.. فهذا لم يكن متعارفا في حياة الأمم.. ولكن هذه المباركة الإلهية، هي عيد؛ لأن هذا الأمر يذكرهم بالله عز وجل.. وبالتالي، فقد ارتبط مفهوم العيد بمفهوم رسالي.. ولكن نحن -مع الأسف- حولنا العيد إلى يوم الزينة، إلى يوم الأكل، والشرب.. إلى درجة أن بعض الناس في اليوم الأول من العيد، يمارسون بعض المنكرات التي هجرها طوال الشهر الكريم.. فإذن، المفهوم القرآني الصحيح للعيد: أن في العيد تعود المفاهيم الراقية، أساساً أن كلمة العيد في اللغة، مأخوذة من العَود.. ففي كل سنة يعود ذلك اليوم، لا بساعاته، وأكله، وشربه، وإنما بالمعاني المختزنة في ذلك اليوم المبارك.. ثم أن الله تعالى يتوعد من يكفر منهم بالعذاب الشديد، وفي هذا تهديد فظيع، ومخيف.. فلنعتبر بهذه الحركة: الحواريون كانوا لصيقين بعيسى، ولكن بعد إتمام الحجة، ونزول المائدة الإلهية، فإن الذي يكفر بالنعمة الإلهية، سيعذبه عذاباً بليغاً.. وقياساً نقول: بأن الذين عاشوا اللحظات الروحانية الجميلة، في شهر رمضان المبارك، هؤلاء أنزلت عليهم المائدة، وهذه أجلّ وأشرف من مائدة الحواريين؛ حيث كانت مائدتهم الطعام.. بينما مائدة البعض كانت نفحات إلهية؛ فالذي شملته هذه النفحات، ثم عاود إلى ما كان عليه من المنكر، فليتوقع شيئاً من هذا العذاب.

س2/ ما هي نظرة أهل البيت (ع) لمفهوم العيد؟..
إن الإمام علي (ع) رأى أحدهم يضحك في العيد، وكأنه مرتاح لما هو فيه؛ فنبهه الإمام (ع) قائلاً: (ليس العيد لمن لبس الجديد، وإنما العيد لمن أمن الوعيد).. أي: إنما يفرح في هذا العيد من غُفر له، والذي يعيش حلاوة المغفرة الإلهية.. وإلا فالذي لا يرى شيئاً من علامات القبول في هذا الشهر، فكيف يفرح بالعيد، ويقتنع بلبس الجديد وما شابه ذلك؟!.. كما هو الحال من أعمال عامة الناس.. فإذن، العيد الحقيقي لمن حصل على مكاسب مهمة في هذا الشهر المبارك.. لا يخفى بأن بعض الموالين عندما يأتي العيد يتجدد الحزن لديهم، حيث يعيشون حرقة فراق ولي أمرهم (عج)، إمام العصر، وقائد الأمة، والذي تنتظره الأمم على اختلاف اتجاهاتها.

س3/ هل هناك تأثير لخطبة العيد في توحيد الأمة، وتصحيح مسارها نحو الاتجاه الصحيح؟..
إن العيد من مصاديق الجماعة، فصلاة العيد تمثل أكبر تجمع جماهيري للمسلمين.. ومن المعلوم أن الخطيب، يستغل الفرصة لطرح المفاهيم التي تحتاجها الأمة.. ومن الطريف في هذا المجال، ما نقل عن المأمون العباسي: أنه كان في أحد الأعياد مريضاً، فطلب من إمامنا الرضا (ع) أن يؤمّ الناس في صلاة العيد، وما أن رأى الناس الإمام المعصوم، إلا وأحاطوا به من كل الجهات -عجل الله في فرج إمامنا (ع)- وبهذا المنظر الجميل المهيب، أحس المأمون بأن الخطر محدقٌ به، وعاش حالة الاضطراب.. فأمر برجوع الإمام (ع)، ومنعه من الصلاة بالناس؛ خوفاً من هذه الصلاة المؤثرة، والخطبة البليغة، والتي قد تزلزل عرشه، وتغير مسار حكمهم!..

س4/ من الطبيعي أن يفرح الإنسان في العيد، فهل هناك من ضوابط في هذا المجال؟..
لنلتفت إلى أن كل حركة من الإنسان المؤمن، لا بد أن تكون حركة مدروسة: فرحه، وحبه، وبغضه، وحزنه، مثلما قال القرآن الكريم: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.. أي أن الإنسان المؤمن عليه أن يفرح بما يقدمه من الهدف النهائي، وإلا فالفرح الذي لا مبرر له، ليس فرحاً رسالياً هادفاً.. وعليه، فإن ما يوجب الفرح للمؤمن، هو كل عمل فيه طاعة رب العالمين.. وأما حالة البطر والترف، والذهاب إلى دور الملاهي، وحالة الاسترخاء الكاذب.. هذه كلها لا تناسب الإنسان المؤمن، ونحن لسنا ضد سبل الترويح المحللة، ولا ننكر أن يعطي المؤمن نفسه حقها، ولكن ضمن الحلال والمشروع، وفي جو لا يجره إلى الحرام والغفلة.. حيث السياحة الهادفة، كما ورد في بعض النصوص عن الإمام الصادق (ع): (المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة.. وقد يجمعهما الله لأقوام).. أي بمعنى أن الدنيا والآخرة قد تجتمعان لبعض الناس. 

س5/ هل يستحب صيام الأيام الستة الأولى من شهر شوال؟..
نعم، هنالك بعض النصوص، التي تحث على استحباب صيام الأيام الأولى من شهر شوال، طبعاً ما عدا يوم العيد، فلا يجوز فيه الصوم.. ولعل الفلسفة في ذلك، أن يستمر الإنسان في معايشة أجواء شهر رمضان المبارك.. كما أننا نصوم قبل الشهر بيوم أو يومين؛ فرحاً بقدومه، فكذلك نصوم بعده بضعة أيام؛ حتى نعيش أجواء شبيهة بأجواء شهر رمضان.

س6/ ما هو صيام الدهر؟..
من آكد الصوم المستحب صوم ثلاثة أيام من كل شهر: أول خميس منه، وأول أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس منه.. فانه روي عنهم (عليهم السّلام): أن ذلك يعادل صيام الدهر، وهو يذهب بحر الصدر -أي الوسواس-.. ومن تركه، يستحب له قضاؤه.. ومن عجز عنه لكبر ونحوه، يستحب أن يتصدق عن كل يوم بمد من طعام، أو بدرهم!..

س7/ هل هناك علامات واضحة لقبول هذا الشهر الكريم؟..
طبيعي أن يبحث الإنسان عن علامات القبول، ولكن -مع الأسف- نلاحظ أن البعض يعوّل كثيراً على عالم المنامات والرؤى، كأن يرى رؤيا طيبة، فيظن أن ذلك من علامات القرب إلى الله تعالى.. والحال أنه لا ينبغي التعوِّيل على ما لا يفيد اليقين، ويدخل الإنسان في عالم الوهم.. ولنعلم أن أفضل علامة من علامات القبول لشهر رمضان المبارك، أو عند الرجوع من الحج: هي أن يعيش الإنسان حالة استنكار المنكر في قلبه.. فهل الشارع المقدس نهانا عن أكل القاذورات، أو الحشرات؟!.. لا، ولكن الإنسان ينتهي عنها تلقائيا؛ لأنها أمور تمجها الطباع السليمة.. فإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة من اشمئزاز الحرام، حيث أنه إذا خلا في جو مع امرأة أجنبية -مثلاً- لا يجد في قلبه ميلاً ولا رغبة، وإنما يحاول أن يهرب من ذلك المكان، كما هرب يوسف عندما غلَّقت الأبواب.. في هذه الحال يعلم بأن عمله قد قُبل؛ ومختصر الجواب في هذا المجال عبارة عن: حالة الاشمئزاز من المنكر.

س8/ كيف نستثمر مكاسب شهر رمضان المبارك؟..
علينا بمواصلة الهمة العبادية التي قمنا بها في الشهر الكريم؛ لتبقى ملكة ثابتة مؤثرة في النفس طوال العام، وذلك بـ:
أولاً: إبقاء حالة الأنس بالقرآن الكريم: إن البعض يقرأ القرآن الكريم في شهر رمضان أضعاف ما يقرأ خلال السنة، وهذا ليس بالأمر الجيد.. فما دام الإنسان قد تذوق حلاوة القراءة القرآنية، وعاش لحظات جميلة مع كتاب الله عز وجل، فلماذا لا يحاول أن يبقي هذه الأجواء طوال السنة!.. وعليه، ينبغي الالتزام -على الأقل- بخمسين آية في اليوم والليلة، وقراءتها بتمعن وتدبر.
ثانياً: الاستمرار بالنوافل اليومية: ولو بالحد الأدنى الممكن.
ثالثاً: السيطرة على الطعام: حيث أنها من موجبات انفتاح أبواب الحكمة.. فالذي يكثر منه، ويتوغل في ملء معدته، بشتى أنواع الطعام وأشكاله، فإنه يقترب من الصفات البهيمية.. وكما نعلم بأن الصفات البهيمية، لا تجتمع مع النفحات الإيمانية.

س9/ ما هي الطرق والوسائل لردع الإنسان عند الهم بالمعصية؟..
إن الأمر يحتاج إلى تفصيل، ولكن إجمالاً، هذه هي الخطة لمقارعة المنكر:
أولاً: الابتعاد عن أجواء الإثارة: كما في قول الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء!!..
فالإنسان الذي يمشي في الأسواق، وينظر إلى محارم الناس، ويطلق العنان لعينيه ولأذنيه؛ من الطبيعي أن يقع في دائرة الفخ الشيطاني.
ثانياً: اجتناب صحبة السوء: حيث أنه ينبغي مقاطعة المفسدين!.. وهنا أحذر الآباء بضرورة الالتفات إلى فلذات أكبادهم، وعدم السماح لهم بالرفقة السيئة؛ حتى لا يُسرق منهم في ليلة حمراء، تضّيع جهد الليالي والأيام.
ثالثاً: ذكر آنية اللذائذ عند الهم بالمعصية: قال الإمام علي (ع): (وشتان بين عملين: عمل تذهب لذته، ويبقى تبعته.. وعمل تذهب مؤونته، وتبقى أجره).. فاللذائذ بطبيعة الحال آنية جداً، والإنسان سرعان ما يفقد حلاوتها.. ومن المجرب أن الذي يبتلي بالحرام، ثم يقف وقفة الرجال، ويترك المنكر، يجد برد الإيمان في قلبه، ويعيش حلاوة لا تقاس بحلاوة المعصية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

س10/ نحن نقرأ دعا الندبة في الأعياد الأربعة: (عيد الجمعة، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد والغدير).. فما علاقة هذا الدعاء بالإمام صاحب الأمر (عج)؟..
إن العلاقة واضحة جداً، حيث أننا في هذه الأعياد نعيش حالة فقد الولي.. فالأمة تحتاج إلى من هو مرتبط بالسماء، والإمام بقية الماضين وحجة الله في الأراضين، كما نقرأ في زيارته (عج) في نصف شعبان: (السلام على سيف الله الذي لا ينبو، السلام على نور الله الذي لا يخبو، السلام على ناظر شجرة طوبى، وسدرة المنتهى…).. فالإنسان عندما يرى منابر المسلمين المهمة خالية، من الممكن أن يعيش حالة الأسف والأسى.. وهنا أدعو بضرورة الإكثار من الدعاء بتعجيل الفرج، فإننا وصلنا إلى هذه القناعة: بأنه لا فرج للأمة، إلا بذلك المهدي الذي أجمعت عليه الأمة.. فالخلاف بالولادة أمر جانبي، حيث أن الأمة مجمعة على أن الخلاص هو بيده، صلوات الله وسلامه عليه.

س11/ ما هي فلسفة الأضحية في الأعياد المباركة؟..
إن الإسلام دين متنوع وجامع، لا يدعو إلى التهجد، وإحياء الليل فحسب!.. وإنما يدعو أيضاً إلى مشاركة الفقراء همومهم،ف البعض من المسلمين -كما نعلم- يعيش حالة الفقر المدقع، لا يكاد يدخل اللقمة السائغة في جوفه، والبعض منهم لا يأكل اللحم لأشهر.. بينما نجد هنالك من يصاب بالتخمة في هذا المجال، إلى حد الإصابة بالأمراض: كمرض النقرس وما شابه ذلك.. وعليه، فإن الإنسان يوم العيد، يحاول أن يشارك الفقراء مشاعرهم، ويثبت جانب التكافل الاجتماعي في الإسلام.. وهو تكميل لبعد من أبعاد الإنسان المؤمن في هذا المجال.

س12/ في الأعياد عادة الناس يسافرون إلى أماكن متعددة.. ما هي نصيحتكم في هذا الاتجاه؟..
إن الأسفار على قسمين: هنالك بعض السفرات غير الهادفة: وفيها يتم صرف المبالغ الطائلة؛ ليرجع الإنسان بعدها ببعض الصور الفوتوغرافية، أو الذكريات الذهنية، وبعض الهدايا والتحف والأثريات وما شابه.. وهنالك سفر إلى بعض الأماكن المباركة: إلى المشاهد، أو الحج، أو العمرة؛ ليرجع الإنسان بعدها بزاد وفير، يكفيه طوال السنة، وهو يعيش الحلاوة المادية والمعنوية، التي اكتسبها في تلك السفرة.. وفي الواقع هذه المشاهد لا تخلو من متعة سياحية، فلماذا لا نحاول أن نجمع بين المتعة السياحية، وبين زيارة الأماكن الروحية، التي تذكرنا بالله عز جل، وتجعلنا نعيش أجواء القرب إليه تعالى؟!.. وأحذر من السفر إلى مواطن التعرب بعد الهجرة -ولو سفراً قصيراً- لما في ذلك من مرجوحية الوقوع في موارد الابتلاء: من أكل للحرام، إلى بعض الممارسات المحرمة.. وكما نعلم، فإن هذه من الأسفار المحرمة، التي لا تقصر فيها الصلاة، فعلينا باجتناب مثل هذه السفرات المريبة.

س13/ عشنا بحمد الله تعالى، ليلة قدر مباركة، مفعمة بالمناجاة والدعاء.. ولكن بعدها بليلة واحدة، أحسسنا بقسوة قلب غريبة، يمكن أن نصفها بأنها على مستوى الاختناق.. فهل هذه الحالة أمر طبيعي، ولماذا هذا الإدبار السريع والمفاجئ؟..
إن التعبير بكلمة (الاختناق) تعبير جميل؛ حيث أن الإنسان عندما يعيش حالة الإدبار، يعيش حالة الاختناق الحسي بضيق الصدر، كما أشارت الآية الكريمة، في قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}.. وهنا التعليق: بأن هناك فرقا بين الحال والمقام، الحال: هو عبارة عن هذه الحالات الموسمية، التي تهب على الإنسان في ليالي القدر، أو عند الحطيم، أو تحت الميزاب، أو عند الركن اليماني، في الأماكن المباركة.. ولكن هذه الحالات لا يمكن التعويل عليها أبداً، فهي كسحابة صيف سرعان ما تنقشع.. لذا علينا أن نحول هذا الحال إلى مقام: فالإنسان الذي يحوّل ما اكتسبه في ليالي القدر، إلى حالة أنس ثابت بالله عز وجل، حتى لو أنه ترك النوافل، وترك القيام بالليل، أصبح يعيش حالة الارتباك والعطش الباطني، وكأنه انقطعت صلته بالمحبوب الأعظم، هذا مقام لا يزول.. لهذا نلاحظ أن بعض المؤمنين يعيش حالة ثابتة في ليلة القدر، يتألق كالطائرة التي تطير في أجواء عالية، والتي -في بعض الحالات- قد تزداد تحليقاً.. فنحن أساساً أرضيون، نحلق في مواسم بسيطة في الحج، وفي العمرة، وفي المشاهد، وفي ليالي شهر رمضان المبارك؛ ثم ما نلبث أن نتثاقل إلى الأرض.. فإذن، لا بد أن نعيش حالة الطيران الثابت، وهذه الحالة لا تأتي إلا من خلال قيام الليل.. وما تشكيه في الواقع شكوى طبيعية، لذا حاول أن تضع لنفسك برنامجا من الآن في أوائل شهر شوال؛ ليبقى هذا التحليق طوال السنة.

س14/ ما سر تأكيدكم على كتاب الطريق إلى الله للعلامة البحراني؟..
إن كتاب الطريق إلى الله -وبلا مجاملة- هو من أفضل ما كتب في علم الأخلاق  وهو -على اختصاره- كتاب قيم، يتسم بالواقعية، ولا يسوق إلى متاهات الرياضات، أو الختوم، والأذكار، والخلوات المريبة، أوالبحث عن المراد أو القطب، وما شابه ذلك.. بل يدعو للحركة إلى الله تعالى، ضمن منهج أهل البيت (ع)، دون أي شطحات في البين، والكتاب مدعم بروايات أهل البيت (ع).

س15/ ما هي فلسفة الصيام؟..
هناك تعبير جميل للشهيد مرتضى مطهري، لخص فيه فلسفة الصيام في كلمة جميلة، حيث قال بأن: (شهر رمضان تمرين على التقوى).. فالله سبحانه وتعالى جعل شهراً محدداً واضح المعالم؛ لشحذ الهمة، والتغلب على دواعي الغريزة والشهوات.. فالنجاح في شهر، هو مقدمة ومحفز للنجاح في باقي الشهور.. هناك قاعدة فلسفية تقول: (حكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واضح).. فمن سيطر على نفسه في شهر، معنى ذلك أنه إنسان بطل وقوي، وبإمكانه أن يسري هذه الغلبة في طوال هذه الأشهر.. كما هو الحال عند المدمن على التدخين، الذي لا يفارقه ربع ساعة، وإذا به يقاوم من السحر إلى الإفطار!.. فمن أين جاءت هذه العزيمة؟!.. فيبدو أنه عندنا قدرات خفية وغير مكتشفة.. وعليه، فإن الهدف من فرض الصيام هو التقوى.

س16/ ما هو الغرض من إبهام ليلة القدر في العشر الأواخر من الشهر الكريم؟..
إن الغرض من إبهام ليلة القدر، هو أن لا يركن الإنسان إلى ليلة واحدة، ويتشبه بالنبي المصطفى (ص)، الذي كان يشد المئزر في العشر الأواخر، ويجعل هذه العشرة من الليالي المتميزة.. ولهذا تجد أن الخواص يتأسون بهذه الصفة، ويحاولون الاعتكاف الباطني؛ للخروج بأفضل المكاسب في هذه الليالي والأيام.

س17/ ما هو السبيل للوصول إلى حلاوة المناجاة الليلية مع رب العالمين؟..
المداومة والإصرار على النافلة الليلية، حيث ورد في بعض النصوص المباركة، إنه إذا داوم الإنسان أو واظب على مستحب، فليحاول أن يقوم بذلك إلى مدة سنة.. وكأن نفس هذه العملية من الإصرار، مما سيفتح الأبواب المغلقة.. وينبغي عدم توقع النفحات السريعة، فالله تعالى يقضي الحوائج المادية بسرعة، ولكن الحوائج المعنوية؛ لأنها غالية وقيمة، جل جناب الخلق أن يكون شريعة لكل وارد.

س18/ هل هناك من كلمة أخيرة في الدقائق المتبقية من البرنامج؟..
في اللحظات الأخيرة من اليوم الأخير في شهر رمضان المبارك، وتحديداً عند آذان المغرب؛ ترفع المائدة الإلهية، ونخرج من ضيافة الرحمن.. وعندئذ كل لوازم الضيافة: (الشياطين المغلولة، والنوم عبادة، والأنفاس تسبيح، والدعاء مستجاب) كل هذه الأمور ترفع أيضاً.. وعليه، أدعو الجميع للجلوس في المصلى في هذه اللحظات الحساسة، وإكثار الاستجداء من رب العالمين؛ بأن يبقينا في ضيافته سنة كاملة كما أبقانا شهراً، وما المانع في ذلك وهو الكريم.. وإن كان ولا بد، فليجعلنا في أحد زوايا القصر أو الحديقة، ولا يطردنا من قصره، حيث الشياطين تنتظرنا على الأبواب تريد الانتقام منا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى