كيف نتعامل مع الحياة ؟

الحزن منشأه وعلاجه

ظاهرة الحزن..
إن انقباض القلب والحزن الذي يعتري الإنسان فجأة ومن دون سبب؛ ظاهرة نفسية يعيشها أغلب الناس: سواءً كان حاكماً أو محكوماً.. ولكن ليس المقصود به ذلك الحزن المرضي الذي يلازم الإنسان، ولا يرى صاحبه الأمور إلا بنظرة سوداء خالية من التفاؤل والفرح.. فالمصاب بهذا النوع من الحزن؛ لا يستمتع ولو كان في الجنة، لذلك تجد أول ما يقوله أصحاب الجنة عند دخولهم إليها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}.. فرب العالمين يذهب الغلّ والحزن من صدورهم، {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}؛ وإلا لما استمتع أحدٌ لا بحورٍ ولا بقصورٍ.

معرفة الطريق..
إن الاطمئنان والراحة والأمن والأمان والسكون؛ كلها مرادفات لمعانٍ وجدانية من عوارض الأرواح، التي قرنها رب العالمين بدواب شحمية ولحمية هي هذه الأبدان؛ التي وبمجرد أن نموت تتحول إلى قطعة نجسة حكمها بحكم الميتة، وبعد أيام مصيرها إلى العفن والزوال.. فشأن الأبدان للأرواح، كشأن الدابة لبني آدم!.. نحن مشكلتنا أننا نفكر فقط في عوارض البدن، ولا نهتم بعوارض الروح.. وبعض الناس حتى لا يهتم بصحته، لكنه يهتم بمنزل يسكن فيه هذا البدن؟.. أنظروا كيف ضيعنا الطريق!.. والبعض قد يمضي زهرة شبابه في شراء أرض، وبناء منزل، ثم يأتيه مرض، أو ينتهي أجله وهو لم يهنأ به.. أي أنه نسي روحه، ونسي بدنه؛ وفكر في موقف دابته.. فإذن، لابد لنا من معرفة الطريق؛ فمن لا يعرف من أين، وفي أين، وإلى أين؛ لا تزيده كثرة السير إلاّ بعداً.

مناشئ الحزن..
أولاً: عدم تحقيق المُراد.. 
إن من مناشئ الحزن، أن لا يُحقق الإنسان مُراده وأمانيه في الحياة، فلو سألنا طفلاً في المدرسة الابتدائية: ما هي أمنيتكَ في الحياة؟.. لسرد لنا قائمة من الأماني!.. فالبعض يرى أن علاج مشكلته تكمن في تحقيقه لأمانيه؛ وهذا علاجٌ غير عملي.. لأنه لا يمكن للإنسان أن يحقق كل ما يريده في الحياة، فحتى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يحقق أمنيته في أن يرى كل من على الأرض متبعاً لله -عز وجل- تقول الآية: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}، فالنبي -صلى الله عليه وآله- كادت نفسه تذهب حسرات، من أحوال قومه الذين جاءهم بالحق المبين، ولكنهم حرموا من نعمة الإيمان، واستكبروا على الله ورسوله، وقد قال تعالى: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}.. وكذلك رب العالمين ما يريده من الناس لم يره، فكم من البشرية حققوا رضا الله عز وجل!..

ثانياً: الرتابة.. إن الرتابة وتكرار الحياة اليومية، هي أيضاً من موجبات الحزن، وحتى المترفين يشتكون الملل؛ رغم أنه يسكن في قصرٍ وليس في كوخ، لكن القصر يُتَعود عليه والكوخ يُتعود عليه.. وكذلك من يشترى لوحة زيتية بأغلى الأثمان؛ فبعد فترة لا يميز بينها وبين الحائط، وتصبح بالنسبة له مجرد منظر رتيب.. فكل جمال يصبح مألوفاً، ومن هنا تنشأ بعض المشاكل الزوجية: فمن يتزوج امرأة لجمالها؛ يفضل عليها بعد فترة جمال الخادمة -إن كانت ذات جمال-، لأن لكل جديد بهجة.. ومن المؤسف أن بعض المؤمنين وقد بلغ من العمر ما بلغ؛ يتمنى الموت، لأنه ملّ من الدنيا!.. وما هذا إلا بسبب ضموره الباطني، فيصل إلى درجة يرى معها البقاء في الدنيا لغواً ولهواً وباطلاً.. وهل الدنيا إلاّ مزرعة الآخرة؟.. والحل هنا هو التعرف على عالم جديد، ألا وهو الانتقال إلى ما وراء الطبيعة.. هنالك عبارة في كتب العرفان والأخلاق جميلة جداً تقول: (لا تكرار في التجلي).. فمن يرى في جوف الليل ما يرى، ينتظر الليل ويرحب به؛ لأن له في آخره أنساً ومواقف تدرك ولا توصف.. إذا كان المقياس هو الجاذبية المادية، فما هي الجاذبية في الحج؟.. وما الذي يجعل البعض يحج أربعين، أو خمسين حجة متوالية، ويستقرض من هنا وهنالك، ليذهب إلى الحج؟.. لو التفتنا إلى حلاوة الحياة من هذا البُعد، لما صار هنالك شيء رتيب في الحياة أبداً!..

ثالثاً: الذنوب والمعاصي.. إن المؤمن عندما يرتكب خطأً أو اشتباهاً في مجال من مجالات الحياة، فإن رب العالمين يبادر إلى معاقبته، فمثلاً: ترى المؤمن المتميز مسترخٍ في جلسة عائلية: لا همّ ولا غمّ، يلهو ويسهو عن ربه؛ فيأتيه نبأ ينغّص عليه ما هو فيه، وفي الروايات: (لكل فرحة ترحه، وما ملئ بيت فرحاً إلا ملئ ترحاً).. وهذا مجرب: فالمؤمنون المقربون، رب العالمين ينغص عليهم ولو بهمّ نفسي.. وهذا الهمّ والحزن للمؤمن: إما رفعاً لدرجة؛ أو تكفيراً لسيئة.. وهناك رواية ملفتة في هذا المجال عن الصادق -عليه السلام- يقول: (الحزن من شعار العارفين، لكثرة واردات الغيب على سرائرهم، وطول مباهلتهم تحت ستر الكبرياء.. ولو حجب الحزن عن قلوب العارفين ساعة لاستغاثوا، ولو وضع في قلوب غيرهم لاستنكروه)؛ أي أن هذا الحزن حزنٌ ممتع، فعندما ينسى المؤمن ربه يعيش الحزن؛ فإذا حزن رجع إلى ربه.. وهو حزنٌ مقدس لو وضع في قلوب الناس لاستنكروه، فالناس تبحث عن الفرح والمرح والسرور، أما المؤمن فيبحث هذا الحزن؛ لأنه مقدمة السرور في الوصل بمولاه.

رابعاً: إدخال الحزن على الغير.. إن مشكلتنا هي في التلون والنفاق؛ إذ تجد أن درجة تعامل أحدنا مع الغير خارج المنزل امتياز؛ أما مع زوجته فهي في أدنى صورها.. علينا أن نحاول ألاّ ندخل حزناً على قلبٍ، خاصة إن كان قلباً متميزاً مؤمناً تقياً ورعاً.. فالبعض يتصرف مع زوجته وكأنه مالك لرقبتها؛ كأنها أمة بين يديه، وزوجته مؤمنة صالحة، وقد يكون لها بعض التميز.. فهذه عندما يدخل الزوج على قلبها الغم والهم، فليتوقع لا مجرد الحزن؛ بل الانتقام الإلهي.. ولقد رأينا كيف أن بعض الصالحين ينتكس ويرتد على أدباره، وعندما تبحث عن السبب تراه ظالماً لأبويه، أو زوجته، أو ولده.. فرب العالمين سريع الانتقام في هذا المجال!..

خامساً: عوارض البدن.. ولكن لا ينبغي التعويل عليها كثيراً، فحياتنا اليوم منكوسة، فقد انقلب الليل نهاراً والنهار ليلاً.. والإنسان عندما لا يأخذ حظه من الراحة، يبتلى بشيء من الضيق.. لكن علينا التفريق بين الضيق الناشئ من تعب بدني، والضيق الناشئ من التعب الروحي؛ لأنه من موجبات الهمّ أيضاً.

سادساً: الحزن المقدس.. وهذا من أقدس أنواع الحزن والهمّ، ومن يعيشه فليقل: يا رب!.. زدني هماً وحزناً؛ ألاّ وهو حزن القلوب المرتبطة بولي الأمر (عج)، فعندما يحزن تتفاعل معه قلوب المؤمنين، وفي الروايات أحدهم قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) ومعي رجلٌ من أصحابنا، فقلت له: جعلت فداك يا بن رسول الله!.. إني لأغتمّ وأحزن من غير أن أعرف لذلك سبباً، فقال أبو عبد الله (ع): (إنّ ذلك الحزن والفرح يصل إليكم منا، إذا دخل علينا حزنٌ أو سرورٌ، كان ذلك داخلاً عليكم.. لأنا وإياكم من نور الله عزّ وجلّ، فجعلنا وطينتنا وطينتكم واحدة).. لذلك نلاحظ بعض المؤمنين في أيام استشهاد الأئمة -عليهم السلام- يعيشون حزناً لا يوصف، لأن الأيام أيام حزن أهل البيت، وحزن إمام زمانهم؛ وكما في رواية الطين المعروفة: (شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا من نور ولايتنا: يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا).

سابعاً: التقصير في العبودية.. كذلك من مناشئ الهمّ والغمّ، أن يقصّر الإنسان في عبوديته لربه بما لا يعدّ ذنباً.. فالمؤمن المراقب -مثلاً- يعيش الهمّ والغم، عندما ينام لفترة أطول مما يحتاج!.. وكم هو ثقيل على المؤمن أن يلقى عليه النعاس يوم الجمعة؛ فيستيقظ من النوم وقد رجع أولاده من المسجد!.. هذا عندما يستيقظ -إن كانَ مُراقباً لنفسهِ- لو جازَ أن يضرب نفسهُ، لفعل ذلك، قائلاً: أينَ كُنت؟.. القوم ذهبوا ورجعوا بالغنائم!.. ‏عن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: (إياكم وكثرة النوم!.. فإن كثرة النوم، يدع صاحبه فقيراً يوم القيامة).. وقد ورد في الخبر: (‏أن الله يبغض الشاب الفارغ).

علاج الحزن..
إذا أردنا أن نعالج الحزن، علينا أن نحدد السبب أولاً:
1- تضييق دائرة الأهداف..
 فعدم تحقيق المراد علاجه: تضييق دائرة الأهداف.. ليس الإنسان العاقل هو الذي يبحث عن المال الوفير، ليحقق كُلّ أمانيه؛ إنما هو الذي يضيّق دائرة الأماني والأهداف الدنيوية؛ لأن تحقيقها وهمٌ وسراب.. فالمؤمن له أولويات؛ وأول أولوية أن يكون عبداً مرضياً لله عز وجل، ولا يكون غاصباً.. فالذي يعيش بغير رضا الله -عزَ وجل- هذا إنسان غاصب.. مثلاً: الذي يأكل ما لا يرضي الله -عز وجل- أو يضع خطواته في مكان محرم؛ هو غاصب يتصرف في ملك الله -عز وجل- من دون أذنه، وعقاب رب العالمين معلوم في هذا المجال.

2- اكتشاف عالم جديد.. والرتابة علاجها: أن يتخذ الإنسان ربه جليساً وأنيساً (أنا جليس من ذكرني)، (يا خير من خلا به وحيد).. فإذن، إن الحل الثاني لمسألة الحُزن، اكتشاف عالم جديد من اللذائذ المعنوية.. وهناك فرقٌ بين اللذتين، فمن يريد التمتع بمنظر جميل في الصيف مثلاً، لا بد أن يدفع أغلى الأثمان ليذهب إلى البلاد البعيدة.. بينما المؤمن يذهب إلى المسجد ويضع جبهته على الأرض، ليعيش عالماً لا يعرف كنهه أهل الدنيا؛ وأين الثرى من الثريا!.. المؤمن بإمكانه أن يحول السجن إلى معبدٍ، كما فعل يوسف -عليه السلام-، والإمام زين العابدين -عليه السلام-.. حتى أن البعض يصل إلى درجة تكون حاله في الدنيا والقبر سواء؛ فيعيش متعة القبر والبرزخ، بالنظر إلى وجه الله -عزّ وجل- في الحياة الدنيا.

3- الاستغفار والاستحلال.. فإن أدخلت على قلبٍ حُزناً، بادر للاستحلال والاستغفار.. وأدخل على قلبهِ سروراً، كما أدخلتَ عليهِ حُزناً.. حيث أن الاستغفار والاستحلال، من موجبات رفع الهمّ والغمّ أيضاً.

4- التوسل.. وكذلك التوسل وذكر الإمام (عج) والدعاء لفرجه، من موجبات زوال الحزن.. فمن أفضل أنواع الدعاء للإمام (عج) إن جاءت الرقة للإنسان أن يقول: يا رب!.. أزل عنه كل همّ وغمّ.. فالإمام (عج) له قلبٌ كبير يتألم حتى لظلم من ليس بمسلم.. عليٌّ -عليه السلام- يسمع نبأ الاعتداء على ذمية في بلاد المسلمين، يقول: (ولقد بلغني أن الرجل منهم، كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة.. فينتزع حجلها وقلائدها ورعاثها.. فلو أن الرجل مات بعد ذلك آسفاً، لما كان عندي ملوماً، بل كان عندي جديراً).. إذا كان عليّ يتألم من إيذاء ذمية في بلاد المسلمين!.. فكيف إذا كان لمسلم؟.. والإمام (عج) هو وارث علي (ع)!..

5- عيش الهم الأكبر.. ومن موجبات رفع الهمّ والغمّ كذلك، أن يعيش الإنسان الهمّ الأكبر، همّ بعده عن الله عز وجل.. فالذي يتألم من الصداع -مثلاً- ينسى صداعه إن علم أنه مصاب بمرض خطير.. “وآهٍ من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق”!.. الذي له هذا الهمّ الأخروي، هل يتألم من فقد ألف دينار؟.. وهل يتألم من غضب زوجته، أو من إعراض ولده، أو من فقدهِ لعمله؟!.. فمن له هذا الهمّ الرسالي، له عالم يشغله عن التفكير عما سواه من الأمور.

6- المناجاة.. إن المناجيات الخمس عشرة، تعتبر صيدلية الأرواح؛ بل مستشفى الأرواح.. وبما أن الإنسان يمر بحالات مختلفة، لذا عليه أن يقرأ من هذهِ المُناجيات ما يتناسب مع حالته: فمن لهُ همٌ وغم، فليلتجأ إلى مناجاة المفتقرين: (وَرَوْعَتِي لا يُسَكِّنُهَا إلاَّ أَمانُكَ… وَلَوْعَتِي لا يُطْفِيها إلاَّ لِقآؤُكَ)؛ لا لقاء الزوجة والأولاد.. (وَقَرارِي لا يَقِرُّ دُونَ دُنُوِّي مِنْكَ)؛ فأنا العاصي البعيد، لا قرار ولا اطمئنان لي إلا بالقرب منك.. (وَلَهْفَتِي لاَ يَرُدُّها إلاَّ رَوْحُكَ… وَغَمِّي لا يُزِيلُهُ إلاَّ قُرْبُكَ)؛ فلا الجلوس على شواطئ الأنهار، ولا استمتاع البطن والفرج؛ يوجب زوال الغمّ، بل قرب المولى عز وجل.. (وَرَيْنُ قَلْبِي لا يَجْلُوهُ إلاَّ عَفْوُكَ)؛ وذلك بالاستغفار.. (وَوَسْواسُ صَدْرِي لا يُزِيحُهُ إلاَّ أَمْرُكَ)، وليس العقاقير المسكنة أو الذهاب إلى المستشفيات النفسية.

الخلاصة:
1. أن الأمن والطمأنينة والسكون والراحة من عوارض الروح، وليست من عوارض البدن.
2. أن رب العالمين قرن الأرواح بدواب شحمية ولحمية هي الأبدان، فشأن البدن للروح كشأن الدابة لبني آدم.
3. أن من مناشئ الحزن: سعة دائرة الأماني الدنيوية، والرتابة والتكرار في الحياة الدنيا، وإدخال الحزن على قلوب اللصيقين بنا، والتقصير في العبادة من غير ذنب.
4. أن من أقدس أنواع الحزن هو حزن القلوب المرتبطة بإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه.
5. أن من موجبات رفع الهمّ والغم: اكتشاف عالم جديد من اللذائذ المعنوية، والاستغفار والاستحلال، والتوسل والدعاء لفرج إمام زمانك.
6. أن من موجبات رفع الهمّ والحزن، عيش الهمّ الأكبر؛ وهو همّ البعد عن الله عز وجل.
7. أن المناجيات الخمس عشرة هي مستشفى الأرواح، فليقرأ منها الإنسان ما يتناسب مع حالته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى